يبدو أن الجميع في فرنسا، سلطة ومعارضة، يتسابقون لاستهداف المسلمين، استهداف لا يمكن قراءته بعيدًا عن مكاسب سياسية من المتوقع تحقيقها من وراء تلك الحملات التي تتجاوز حاجز الخلاف الأيديولوجي إلى بعد برغماتي بحت، وهو ما يجعل المبررات المقدمة لهذه الممارسات هشةً وغير مقنعة.

قبل أيام صوت مجلس الشيوخ الفرنسي لصالح قرار يحظر ارتداء الحجاب في المسابقات الرياضية، متحججًا بأن "الحياد شرط في مجال اللعب"، زاعمًا أن الحجاب "يمكن أن يعرض سلامة الرياضيين للخطر عند ممارستهم لانضباطهم"، في خطوة اعتبرها البعض حلقةً جديدةً في مسلسل التضييق على الأقلية المسلمة في البلاد.

القرار وإن كان ليس الأول من نوعه، فالاتحاد الفرنسي لكرة القدم يحظر بالفعل على النساء ارتداء الحجاب في المباريات الرسمية، وكذلك في المسابقات التي ينظمها، لكنه اليوم يجرم الزي الإسلامي في المحافل الرياضية كافة وليس كرة القدم فقط.

التصويت على القرار جاء بعد عام واحد فقط من موافقة مجلس النواب على مشروع قانون لتعزيز الرقابة على المساجد والمدارس والأندية الرياضية بزعم "محاولة حماية فرنسا من المتطرفين وتعزيز احترام القيم الفرنسية"، وهو المشروع الذي يعد ضلعًا أساسيًا في إستراتيجية الرئيس إيمانويل ماكرون الجديدة التي تستهدف الإسلام والمسلمين حتى إن أضفى عليها ألفاظًا ومصطلحات تجميلية.

مغازلة اليمين المتطرف

بعيدًا عن الشعارات التي اعتاد ماكرون وحكومته رفعها تبريرًا لمثل تلك الإجراءات العنصرية، فإن الهدف الأساسي منها مغازلة اليمين المتطرف لجذب كتلته التصويتية الانتخابية من جانب، ولتكسير موجة الانتقادات والمعارضة الموجهة له من جانب آخر.

ثمًة سياقات يمكن من خلالها قراءة ما يدور في قصر الإليزيه، أبرزها تلك الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان القادم، والمتوقع أن تكون معركة تكسير عظام بين ماكرون من جانب ومنافسيه من جانب آخر، وأبرزهم زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف ماريان لوبان.

ماكرون يعتمد في هذا الماراثون المرتقب على إستراتيجية واسعة النطاق أبرز ملامحها تضييق مساحة خناق المعارضة ضده قدر الإمكان، وفي المقدمة منهم اليمين المتطرف، ومن ثم يريد أن يقدم لهم ما يستوعب حججهم في انتقاده، كخطوة أولية نحو استمالتهم في الانتخابات القادمة.

الباحث في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA)، ومقرها أنقرة، أنس بيركلي، يرى أن ماكرون يسعى جاهدًا للتغلب على مشاكل سياسته الداخلية والخارجية بـ"جعل الإسلام والمسلمين كبش فداء"، مضيفًا في تصريحاته لوكالة "الأناضول": "الرئيس الفرنسي يحاول وقف صعود اليمين المتطرف، بتبني تصريحات أكثر تطرفًا، تُشبع عنصرية هذا الفريق المؤثر في الانتخابات المرتقبة".

ويتفق مع بيركلي، الناشط الفرنسي ياسر اللواتي الذي رأى أن ماكرون ليس لديه ما يقدمه في حملته الانتخابية بعدما فشل على المسارات كافة، مستشهدًا بحركات "السترات الصفراء" الاحتجاجية المناهضة لسياساته الداخلية والمستمرة للعام الثالث على التوالي، وتابع "ليس لدى ماكرون ما يقدمه لنا، بصرف النظر عن سياسات الهوية، لذا فإن ما يقوله هو في الأساس: لا يمكنني منحك مستقبلًا مشرقًا ولا يسعني إلا أن أعدكم بالحرب على المسلمين".

استهداف ممنهج للمسلمين

السنوات الأخيرة تحديدًا شهدت استهدافًا ممنهجًا للأقليات عمومًا والمسلمين البالغ عددهم 6 ملايين على وجه الخصوص، وكان من أبرز مظاهر هذا الاستهداف تمرير القانون المثير للجدل الذي يحمل عنوان "تعزيز احترام مبادئ الجمهورية" الذي برر له ماكرون بأنه يهدف إلى ما أسماه "مكافحة الانفصالية".

وتوالت فيما بعد القوانين والإجراءات التي تضيق الخناق على المسلمين وتضعهم في مرمى الانتقادات والاستهداف المجتمعي والأمني، الأمر الذي انعكس على الحياة العامة للأقليات وزاد من مخاوفهم بشأن مستقبلهم وحياتهم التي باتت على المحك في ظل تصاعد خطاب الكراهية القادم من رأس السلطة إلى قاعدتها وليس العكس.

في مطلع 2020 شنت الحكومة الفرنسية هجومها ضد المساجد ودور العبادة والتعليم الإسلامية، فأغلقت أكثر من 80 مسجدًا ومدرسةً خاصةً ومحلًا تجاريًا، ومن المنتظر أن تنفذ الحكومة تحركًا ضخمًا وغير مسبوق ضد 76 مسجدًا في الفترة القادمة، وفق تقرير سابق لـ"نون بوست".

وفي العام ذاته وقع 235 اعتداءً على المسلمين، مقابل 154 عام 2019، بما يمثل زيادة بنسبة 53%، بحسب "المرصد الوطني ضد معاداة الإسلام" (تابع للمجلس الفرنسي للدين الإسلامي)، بجانب زيادة الاعتداءات على المساجد بنسبة 35%، ما كان له أثره في تصاعد حجم القلق لدى الأقلية المسلمة مما هو قادم.

ورغم الانتقادات الحادة التي توجهها المنظمات الحقوقية الدولية للسلطات الفرنسية، فإن خطاب الكراهية المستخدم لم يتغير، وعلى العكس من ذلك، زادت حدة اللغة وعنصرية المضمون، وهو ما تجسد في عشرات التصريحات المستفزة التي خرجت على لسان ماكرون ووزير داخليته وبعض النخب السياسية في بلاده.

وتتصاعد المخاوف مع تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الست المقبلة، وهي الفترة المرجح أن يزيد فيها ماكرون من نزعته الشعبوية القومية لتحقيق أكبر مكاسب سياسية تضمن له المنافسة على الولاية الثانية بقوة، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئ الدولة الفرنسية المزعومة، التي تحولت مع ماكرون تحديدًا إلى شعارات جوفاء لتبييض وجه فرنسا الملطخ بدماء الاستعمار والانتهاكات بحق شعوب العالم.