يوم بعد آخر تتوضح الإستراتيجية التي تتحرك من خلالها قوى الإطار التنسيقي في العراق، وتحديدًا بعد فشل مخرجات سلسلة اللقاءات التي جمعت زعيم تحالف الفتح هادي العامري وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، التي كان محورها الرئيس آلية تشكيل الحكومة المقبلة، هل ستكون وفق نموذج الأغلبية أم التوافقية.

وبعيدًا عن تموجات الحراك السياسي الذي تشهده الساحة السياسية، بدا واضحًا أن هناك رؤيةً ممهنجةً من قوى الإطار التنسيقي، في خلق حالة مواءمة بين التصعيد الأمني والحراك السياسي، وهو ما أشارت إليه الهجمات الأخيرة التي تعرض لها مطار بغداد الدولي، وتصاعد الخطاب السياسي بين الصدر وقيادات الإطار التنسيقي.

وبالترافق مع حادثة استهداف المطار، شهد العراق في مرحلة ما بعد انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، تصعيدًا أمنيًا خطيرًا شهدته العاصمة بغداد وبعض المحافظات الأخرى، ولم يقتصر التصعيد هذه المرة على الهجمات الصاروخية للمقرات والقواعد التي توجد فيها القوات الأمريكية، إنما طال شخصيات ومقرات تابعة لأحزاب سنية وكردية وشخصيات مقربة من الصدر، فضلًا عن تكرار الهجمات على القاعدة التركية شمال العراق، ومن ثم فإن هذا الواقع يطرح تساؤلًا مهمًا عن مآلات هذا التصعيد على مستقبل الحراك السياسي الذي يشهده العراق في الوقت الحاضر.

نشر المالكي تغريدة شديدة اللهجة، أكد فيها أن رده على من يتجاوز ويشخصن الخلافات السياسية الوطنية سيكون في الميدان السياسي والأمني

إن الذهاب نحو خيار المعارضة المؤذية أو التخريبية بات خيارًا تعول عليه قوى الإطار المسلحة في إمكانية إثناء الصدر عن الذهاب نحو الأغلبية الوطنية، خصوصًا أن شرط الصدر الوحيد لانضمام قوى الإطار التنسيقي إليها، أن تأتي دون رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي فضلًا عن شخصيات إطارية أخرى، وخيار المعارضة المؤذية وجد نفسه في مفردات الخطاب السياسي لقوى الإطار التنسيقي، إذ حذر المسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله العراقي" الموالية لإيران أبو علي العسكري، مما أسماه "الأيام العصيبة التي ستمر على العراق، حال خروج الفصائل الشيعية من التشكيل الحكومي".

كما نشر المالكي تغريدة شديدة اللهجة، أكد فيها أن رده على من يتجاوز ويشخصن الخلافات السياسية الوطنية سيكون في الميدان السياسي والأمني، وفضلًا عن ذلك، أشار العامري خلال حفل تأبيني حضره يوم 28 يناير/كانون الثاني، إلى "أهمية التوافق على شخص رئيس الوزراء المقبل، وما يخص المرحلة المقبلة وإدارتها"، محذرًا حال استعصى هذا الأمر، "سندخل إلى باب مغلق وسيكون الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي"، معتبرًا أن تقارب السنة والكرد مع الصدر، مؤامرة ضد قوى الإطار التنسيقي، كونها تساهم في شق الصف الشيعي.

شبح الخسارة السياسية والتصعيد الأمني

هناك خشية كبيرة تواجه قوى الإطار المسلحة، تتمثل بضرورة الحيلولة من ألا تتحول خسارتها السياسية إلى خسارة أمنية، والإبقاء على نفوذها السياسي والأمني في المعادلة السياسية المقبلة، فتعثر المفاوضات بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي حتى الآن، سيدفع بالمشهد السياسي إلى مزيد من التصعيد، في ظل إصرار الصدر على شروطه السياسية، التي يأتي في مقدمتها مستقبل هيئة الحشد الشعبي، وحصر السلاح بيد الدولة.

ولم يقتصر خيار التصعيد هذا على الداخل العراقي فحسب، وإنما تجاوزه إلى حد إعلان المسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله العراقي" الموالية لإيران أبو علي العسكري يوم الجمعة 28 يناير/كانون الثاني، الجهوزية الكاملة تحسبًا لأي "طارئ" قد يحدث بعد التطورات الأخيرة بين التحالف العربي والحوثيين، معلنًا التبرع بمليار دينار عراقي للعمليات الحوثية على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ومن ثم فإن هذا التحول النوعي في سلوك قوى الإطار المسلحة سيجعل الصدر في مواجهة حاسمة معها، بطريقة أو أخرى، وهو ما أوضحه الصدر في تغريدة له عقب استهداف مطار بغداد، حين قال: "لا تستهدفوا مصالح الشعب، فالشعب والوطن خط أحمر"، مضيفًا "مستمرون بحكومة أغلبية وطنية، مع شركائنا في الوطن".

نجاح الصدر في مساعي تشكيل الحكومة المقبلة، قد يجعل قوى الإطار المسلحة تأخذ على عاتقها إما معارضة حكومته والصِدام معها وإما الحصول على حصة مقنعة فيها

إن العجز عن الوصول إلى تسوية بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي، خصوصًا مع اقتراب الموعد الدستوري لانتخاب رئيس الجمهورية يوم 7 فبراير/شباط، قد ينسف محاولات الوصول إلى حل وسط، ويدفع الصدر إلى المُضي بمراهنته على حكومة "الأغلبية الوطنية" لوضع الإطار التنسيقي أمام الأمر الواقع.

وهو ما يشير إلى أن خيار التصعيد سيرتبط بصورة رئيسة بتطورات المشهد السياسي العراقي، فكلما تعثر مسار التفاوض بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي، كانت هناك زيادة بالتصعيد، وبالشكل الذي يعيد ضبط مسار التفاوض لصالح قوى الإطار التنسيقي كما تطمح.

إن الخشية الكبيرة اليوم تتمثل في إمكانية أن يؤدي خيار المعارضة المؤذية لقوى الإطار التنسيقي، إلى إعادة تقييم وضع العراق الدولي، بل وإمكانية أن ينعزل العراق عن البيئة الدولية كما هو الحال في النموذج اليمني، فبعد ساعات من استهداف مطار بغداد الدولي، أعلنت الخطوط الجوية الكويتية تعليق رحلاتها الجوية إلى العراق، ومن المتوقع أن تسير دول أخرى على ذات الخطوة الكويتية، فيما لو استمر خيار التصعيد، وهو ما يجعل خيار المعارضة المؤذية، لا يلحق ضررًا في الداخل العراقي فحسب، وإنما في علاقات العراق الخارجية أيضًا.

إن نجاح الصدر في مساعي تشكيل الحكومة المقبلة، قد يجعل قوى الإطار المسلحة تأخذ على عاتقها إما معارضة حكومته والصِدام معها، وإما الحصول على حصة مقنعة فيها، على مستوى المناصب والنفوذ، وهو ما يجعل خيارات التعامل بين الطرفين معقدة جدًا خلال الفترة المقبلة.