جاء القرار الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العليا في 13 فبراير/ شباط 2022، والقاضي بعدم دستورية ترشيح وزير المالية الأسبق هوشيار زيباري لرئاسة الجمهورية، ليُعيد الحديث بدوره عن ماهية المرشح الذي سيحلّ مكانه.

ووفق قاعدة التوافق المكوّناتي الذي سارت عليه العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، فإن حصة رئاسة الجمهورية هي من حق المكون الكردي، الذي يجدُ نفسه اليوم في حالة خلاف داخلي حول المرشح الموحّد للمكون، خصوصًا بين طرفَي المعادلة الكردية (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، فحتى اللحظة ما زال كل حزب متمسِّكًا بمرشحه لهذا المنصب.

فعملية استبعاد زيباري من السباق الرئاسي، ستجعل الحزب الديمقراطي الكردستاني يفكّر بمرشح بديل له، في ظلّ تصاعد حظوظ مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح، مع تواجد أسماء أخرى بدأت تشقّ طريقها لدائرة القبول السياسي، كمرشّحين توافقيين للخروج من حالة الاستقطاب الكردي الكردي.

والحديث هنا عن رزكار محمد أمين ولطيف رشيد أو فؤاد حسين، وليس هذا فحسب، بل إن الحزب الديمقراطي الكردستاني سيواجه عقبة أخرى في هذا السياق، تتمثّل في إقناع الأطراف الأخرى بالتحالف الثلاثي (تحالف السيادة والتيار الصدري) بالمرشح الجديد الذي سيقدِّمه، وهو ما قد يعقّد المشهد السياسي في الأيام المقبلة، وتحديدًا مع قرب غلق باب الترشيح لرئاسة الجمهورية.

زيباري غاية أم وسيلة؟

رغم تمسُّك زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، بعملية ترشيح زيباري لرئاسة الجمهورية، على الإشكالات التي أُثيرت حول عملية ترشيحه، أبرزها ملفات الفساد وعملية مشاركته في استفتاء استقلال الإقليم وسوء استخدام السلطة، إلا أن مقابل ذلك هناك أمور أخرى لوّح بها قادة الحزب أثناء مفاوضاتهم مع قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني للخروج بمرشح توافقي، منها قضية أمن أربيل وكركوك والميزانية وقانون النفط والغاز، وهي ملفات قال بسببها العديد من قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني إنهم سيعيدون النظر في عملية ترشيح زيباري فيما لو تمَّ الحصول عليها، أو على الأقل تقديم ضمانات مهمة حولها.

وفضلًا عمّا تقدم، فلا خلاف على أن هناك قناعة مسبقة من قبل بارزاني بأن عملية ترشيح زيباري ستلقى ذلك الرفض الكبير، سياسيًّا وقانونيًّا، ما يطرح بدوره العديد من التساؤلات حول الغاية الرئيسية التي تقفُ خلف ترشيحه، هل هي مناورة من بارزاني للحصول على ضمانات من قوى الإطار مقابل دعم ترشيح مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، أم محاولة منه لترسيخ الرؤية ذاتها التي يحاول مقتدى الصدر ترسيخها داخل البيت الشيعي، بأن معادلة الحكم الجديدة في العراق تحسمها صناديق الانتخابات وليس التوافقات؟

إذ لم تَعُد الساحة السياسية قادرة على تحمُّل تعدُّد مراكز القرار السياسي بين الزعامات السياسية داخل المكونات الطائفية والقومية، كما لم تَعُد التدخلات الخارجية قادرة -مثل السابق-، وتحديدًا إيران، على احتواء التناقضات بين أطراف المعادلة السياسية، وباتت قواعد اللعبة السياسية لا تقبل البقاء ضمن معادلة تقاسُم السلطة حتى مع القوى التي تخسر مقاعدها في الانتخابات، والقواعد الجديدة التي يعتمدها اللاعبون الكبار، وفقًا لحصولهم على أعلى المقاعد في الانتخابات، هي لعبة صفرية، فما يربحه طرف سياسي هو خسارة للطرف السياسي الآخر، وبالنتيجة لا بقاء للخاسرين في دائرة النفوذ السياسي.

إن البحث في طريقة تعاطي الأكراد مع الحراك السياسي الجديد، يشير بوضوح أن هناك تحولًا جديدًا بدأ يطرح نفسه في المعادلة السياسية الكردية، وهي أن التنافس السياسي داخل إقليم كردستان العراق، وتحديدًا بين الحزبَين الكرديَّين، بدأ يتأثّر بمتغيّرات جديدة أبرزها ظهور طرف ثالث في المعادلة الكردية، والحديث هنا عن الجيل الجديد.

هذا فضلًا عن تأثُّر القواعد الاجتماعية داخل الإقليم بالحراك الاجتماعي الدائر في بغداد وجنوب العراق، عبر تصاعد المظالم الاجتماعية والاقتصادية، والتعبير عنها بصورة حركات احتجاجية بدأت تجدُ لها أرضًا خصبة داخل الإقليم، وهو ما يحاول الحزبان تجاوزه، أو على الأقل التخفيف منه في المرحلة المقبلة، عبر الاستثمار في عملية انتخاب رئيس الجمهورية.

الجانب الآخر من قرار المحكمة

في الوقت الذي تحدّث فيه القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا والخاص بعدم دستورية ترشيح زيباري، إلا أنه تحدّث من جانب آخر عن استمرار رئيس الجمهورية بمهامه حتى يتمّ انتخاب رئيس جديد للبلاد؛ ورغم البُعد القانوني للقرار، إلا أنه حقّق حالة من التوافق السياسي بين قوى الإطار التنسيقي والتحالف الثلاثي.

فالمحكمة من جهة أيّدَت دستورية جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ما تمَّ اعتباره انتصارًا للتحالف الثلاثي، ومن ثم أوقفت إجراءات انتخاب زيباري، ما تمَّ اعتباره انتصارًا لقوى الإطار التنسيقي، وهو ما يؤجِّل بدوره جلسة الحسم للأيام المقبلة، والتي ستكون خاضعة للتوافقات الكردية بالدرجة الأولى.

فحتى هذه اللحظة لا يوجد توافق كردي على مرشّح بعينه، رغم جولات التفاوض التي عُقدت في الأيام الماضية في أربيل، بعدما التقى زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني برئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل الطالباني الأسبوع الماضي، إلى جانب الجهود التي تبذلها أطراف داخلية عراقية وإقليمية.

فوفقًا للمادة 70 من الدستور العراقي لعام 2005، ينتخبُ البرلمان أحد المرشحين لتولّي منصب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثَين، وهذا الشرط من أهم الدوافع التي تدعو إلى التوافق بين الكتل الفائزة لجمع نحو 220 صوتًا من مجموع عدد أعضاء البرلمان البالغ عددهم 329 نائبًا، من أجل تمرير المرشح الذي تتوافق عليه القوى الكردية داخل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.

يضع كل هذا المزيد من التعقيد لتحقيق هذا التوافق، وهو ما أشار إليه زيباري في بيان صحفي له عقب قرار المحكمة، عندما قال: "لن يكون للعراق رئيس جمهورية بقرار وطني.. الأمر أكبر مني"، ليفتح الباب مرة أخرى على الظروف الحقيقية التي تقفُ خلف عملية انتخاب رئيس الجمهورية، إذ إنها ليست مجرد استحقاقات مكوّناتية فرضتها الأعراف السياسية في العراق الجديد، وإنما توافقات إقليمية ولعبة محاور تعبث في الساحة العراقية، يمثّل انتصار محور فيها خسارةً للمحور الآخر، ولعلّ هذا الجانب الأخطر في المعادلة السياسية العراقية.