سار الطلاب المسلمون بجوارهم بينما كان السكان الكوريون المحليون يرفعون لافتات احتجاجًا على مسجد جديد مقترح في دايجو، كوريا الجنوبية، في يناير، فيما تقول إحدى اللافتات: "الكوريون يأتون أولاً!".

ترجمة وتحرير: نون بوست

في دايجو، كوريا الجنوبية، وداخل المنزل ذي الإضاءة الخافتة، ركع شُبان مسلمون في صمت وصلوا، بينما في الخارج، تجمع جيرانهم الكوريون مع لافتات غاضبة للاحتجاج على انتقال "وكر الإرهابيين" إلى حيهم.

في منطقة مكتظة بالسكان ولكنها هادئة - في المقابل - في دايجو، وهي مدينة في جنوب شرق كوريا الجنوبية، تجري مواجهة عاطفية للغاية.

بدأ ما يقرب من 150 مسلمًا، معظمهم من الطلاب في جامعة كيونغ بوك الوطنية القريبة، في بناء مسجد في مكان قريب جدًا من دار عبادتهم المؤقتة منذ حوالي عام، لكن عندما اكتشف جيرانهم الكوريون الأمر، تملكهم الغضب.

وكتب الجيران الكوريون على العارضات واللافتات الاحتجاجية أن المسجد سيحول حي دايهيون إلى "معقل للمسلمين وحي فقير مليء بالجريمة"، وسيجلب المزيد من "الضوضاء" و"رائحة الطعام" من ثقافة غير مألوفة، مما يؤدي إلى إبعاد السكان الكوريين.

وقاوم الطلاب المسلمون وأنصارهم الكوريون، بحجة أن لهم الحق في العيش والصلاة بسلام في دايجو، إحدى أكثر المدن محافظة سياسيًا في كوريا الجنوبية، فيما قال الدكتور معاذ رزاق، 25 سنة، وهو طالب دكتوراه في علوم الكمبيوتر من باكستان: "هناك فرق بين الاحتجاج والتحرش، وما كانوا يفعلونه كان تحرشًا".

صورة
بارك جيونج سوك، التي تعيش بجوار المسجد المقترح، تقوم بالنظر إلى الموقع من شرفتها، فيما تم تعليق البناء حيث رفع كلا الجانبين قضاياهما إلى المحكمة.

لقد كشف الخط الفاصل بين المجتمعين هنا عن حقيقة غير مريحة في كوريا الجنوبية، ففي الوقت الذي تتمتع فيه البلاد بتأثير عالمي أكبر من أي وقت مضى؛ حيث يتوق المستهلكون في جميع أنحاء العالم للرقص على موسيقاها، وقيادة سياراتها وشراء هواتفها الذكية، فإنها تصارع أيضًا مع موجة شرسة من الحماس المعادي للمهاجرين وكراهية الإسلام، وفي حين أنها نجحت في تصدير ثقافتها إلى الخارج، إلا أنها كانت بطيئة في الترحيب بالثقافات الأخرى في الداخل.

وأصبح الخلاف على المسجد بؤرة توتر، وجزءًا من ظاهرة أكبر اضطر فيها الكوريون الجنوبيون لمواجهة ما يعنيه العيش في مجتمع متزايد التنوع؛ حيث غالبًا ما يتحمل المسلمون وطأة المخاوف العنصرية، لا سيما بعد أن أعدمت طالبان اثنين من المبشرين الكوريين الجنوبيين في عام 2007.

وقد أثار وصول 500 من طالبي اللجوء اليمنيين إلى جزيرة جيجو في عام 2018، أول سلسلة من الاحتجاجات المنظمة المناهضة للمهاجرين في كوريا الجنوبية، وردت الحكومة على المخاوف من قيام طالبي اللجوء بإيواء الإرهابيين، بمنعهم من مغادرة الجزيرة.

وقال لي هيونغ أوه، قائد منظمة "ريفيوجي أوت - لا للاجئين"، وهي شبكة وطنية مناهضة للهجرة تعارض المسجد في دايجو: "قواعدهم الخاصة بالحجاب وحدها هي سبب كاف لأن لا يضعوا قدمًا في بلدنا".

ويشرح العديد من الكوريين موقفهم تجاه الأجانب من خلال الاستشهاد بالتاريخ: لقد نجت أمتهم الصغيرة من الغزوات والاحتلال لعدة قرون، وحافظت على أراضيها ولغتها وهويتها العرقية، وغالبًا ما حذر أولئك الذين يعارضون المسجد والهجرة على نطاق أوسع من أن تدفق الأجانب من شأنه أن يهدد "الدم النقي" و "التجانس العرقي" لكوريا الجنوبية.

وقال السيد لي: "قد نبدو إقصائيين، لكنه هذا جعلنا ما نحن عليه الآن، ويعززنا كأمة للنجاة من الحرب والحكم الاستعماري والأزمات المالية وتحقيق التنمية الاقتصادية، بينما نتحدث نفس اللغة ونفكر في نفس الأفكار"، مضيفًا: "لا أعتقد أنه كان بإمكاننا فعل ذلك بالتنوع. نحن لسنا كارهين للأجانب، نحن فقط لا نريد الاختلاط بالآخرين"، فيما يقول البعض إن البلاد ليس لديها خيار.

صورة
طلاب مسلمون يشاركون في صلاة الظهر في مبنى مجاور لموقع البناء، فبعد استخدام منزل عادي للصلاة لسنوات، سعوا لبناء مسجد في أواخر عام 2020.

وتزامن صعود كوريا الجنوبية كقوة ثقافية مع أزمة ديموغرافية؛ حيث أدت سنوات من معدلات المواليد المنخفضة وارتفاع الدخل في المناطق الحضرية، إلى نقص النساء الراغبات في الزواج والعيش في المدن الريفية، ووجدت المزارع والمصانع صعوبة في شغل الوظائف منخفضة الأجر، بينما تفتقر الجامعات إلى الطلاب المحليين.

وللمساعدة في تخفيف التحديات؛ فتحت كوريا الجنوبية أبوابها للعمال والطلاب من الدول الأخرى، وبدأ بعض الرجال الريفيين في الزواج من نساء أجنبيات، وخاصة من فيتنام.

ومع ذلك؛ عندما قدمت الحكومة سياسات لدعم "الأسر متعددة الثقافات"، كان هناك رد فعل عنيف، فقد أصبحت - فجأة - كلمات مثل "التعددية الثقافية" و"التنوع" مصطلحات تحقيرية للعديد من الكوريين الجنوبيين.

ولم تقتصر الكراهية على الطلاب المسلمين في دايجو، المدينة التي يزيد عدد سكانها عن مليوني نسمة؛ فقد أجبرت ضجة مناهضة للصين، في العام الماضي، شركة تطوير محلية على إلغاء خطتها لبناء مركز ثقافي صيني غربي سيؤول، وفي أنسان، جنوب سيؤول، كان جميع الطلاب البالغ عددهم 450 طالبًا -ما عدا ستة- في مدرسة وونغوك الابتدائية هم أطفال مهاجرين، وذلك لأن الآباء الكوريين رفضوا إرسال أطفالهم إلى هناك، وفي عام 2020؛ أثار فنان غاني رد فعل عنيف عندما انتقد أداء "للوجه الأسود" من قبل طلاب المدارس الثانوية، واعتذر في نهاية المطاف.

وقال يي سوهون، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كيونغ بوك الوطنية الذي يدعم المسجد: "لدى الكوريين معتقدات راسخة معادية للأجانب بأن الأجانب أدنى منزلة، ولكنهم يقدرون الأجانب بشكل مختلف حسب أصلهم؛ حيث إنهم يعاملون السود من الولايات المتحدة أو أوروبا بشكل مختلف عن السود في إفريقيا".

وقد ساهمت أسعار المساكن الجامحة والافتقار إلى الحراك الاجتماعي واتساع فجوة الدخل في هذه التوترات، ففي منشور حديث على فيس بوك، تعهد يون سوك يول، المرشح المحافظ البارز في الانتخابات الرئاسية - المقررة في 9 مارس - بمنع المهاجرين من الحصول "بلا مقابل" على الرعاية الصحية الوطنية، بينما قام لي جاي ميونغ -منافسه الأكثر ميلًا للاتجاه الآخر- باتهام السيد يون بتأجيج "الشعبوية اليمينية المعادية للأجانب".

صورة
معاذ رزاق 25 عامًا، وهو طالب دكتوراه في جامعة كيونغ بوك الوطنية، وقال عن الجيران الكوريين المعارضين للمسجد "هناك فرق بين الاحتجاج والتحرش".

وارتفع عدد الأجانب المقيمين في كوريا الجنوبية إلى 1.7 مليون -أو 3.3٪ من إجمالي السكان- في عام 2020، من 1.4 مليون في عام 2017، فيما توقعت الحكومة أن يرتفع العدد إلى 2.3 مليون بحلول عام 2040، بينما انخفض إجمالي عدد السكان لأول مرة في عام 2021، مما أدى إلى زيادة الحاجة إلى العمال الأجانب والطلاب.

وقال أشرف أكينتولا - طالب دكتوراه في الهندسة الطبية الحيوية- من نيجيريا، وأحد المصلين المسلمين في دايجو: "إن البشر منحازون بشكل طبيعي، لكن لا تدعوا التحيز يقودكم إلى حرمان الآخرين من حقوقهم الإنسانية الأساسية"، مبينًا أنه شعر بالحزن عندما تبعه متظاهر كوري العام الماضي وهو يصرخ: "اترك بلدنا!"، مشيرًا إلى أنه في المقابل في نيجيريا، فإن أغاني البوب الكورية المعروفة باسم الـ"كي بوب K-pop" مشهورة جدًا لدرجة أن أصدقائه تعلموا التحدث باللغة الكورية.

وكان الطلاب المسلمون يصلون في منزل عادي في حي دايهيون، لمدة سبع سنوات، وفي أواخر عام 2020 بعد هدم المنزل، بدأوا في بناء مسجد، واستخدموا مبنى مجاور كدار عبادة مؤقت أثناء البناء، وذلك عندما وحد السكان والنشطاء الكوريون قواهم لجعل الحي مركزًا لحملة مناهضة للمهاجرين.

وفي يناير؛ علق الجيران لافتة كبيرة بالأبيض والأسود على الجانب الآخر من موقع المسجد المقترح، كُتِبَ عليها: "الأولوية للكوريين!".

وقالت كيم جيونج سوك، وهي مواطنة كورية تبلغ من العمر 67 عامًا وتعارض إنشاء المسجد: "نحن لسنا ضد دينهم، ولكن لا يمكن أن يكون لدينا منشأة دينية جديدة في منطقتنا المزدحمة، سواء كانت إسلامية أو بوذية أو مسيحية"، فيما يوجد في الحي بالفعل 15 كنيسة مسيحية، بما في ذلك واحدة على بعد حوالي 30 ياردة من مكان المسجد المرجح.

صورة
كوريون محليون يحتجون خارج موقع المسجد المقترح، وتحذر لافتاتهم من أن المسجد سيجلب المزيد من "الضوضاء" و"رائحة الطعام" من ثقافة غير مألوفة.

وقد أزيلت العديد من اللافتات الهجومية بعد تدخل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التابعة للحكومة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بينما لا يزال البناء معلقًا بعدما رفع الجانبان قضيتهما إلى المحكمة، لكن محامو حقوق الإنسان يقولون إن التمييز ضد المهاجرين يمكن العثور عليه أيضًا في القانون الكوري الجنوبي؛ حيث قال هوانغ بيل كيو، محامي حقوق الإنسان الذي يتتبع الانتهاكات ضد المهاجرين: "كون الكوريين يريدون أن يتم الاعتراف بهم عالميًّا، وأن يصبحوا أثرياء وناجحين في الخارج، هو شيء، وأن يكونوا على استعداد لاحتضان الأجانب شيء آخر مختلف تمامًا".

وقد تعثر مشروع قانون مناهضة التمييز في البرلمان لسنوات وسط معارضة من جماعة ضغط مسيحية قوية، وبموجب السياسة الحالية؛ لا يُمنح الأشخاص غير المسجلين نفس الحقوق مثل أولئك الموجودين في كوريا الجنوبية بشكل قانوني، ولا يحق للأجانب المحتجزين بموجب قوانين الهجرة المثول أمام المحكمة.

وفي العام الماضي؛ أظهرت لقطات مقلقة من كاميرات المراقبة من مركز احتجاز للمهاجرين غير الموثقين، رجلًا مغربيًّا محتجَزًا في الحبس الانفرادي، فيما اعترفت وزارة العدل بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ووعدت بالإصلاح.

ومع ذلك؛ فقد أصبح قبول اللاجئين المسلمين غير مرغوب فيه لدرجة أن الحكومة عندما منحت حق اللجوء لـ 390 أفغانيًّا العام الماضي؛ رفضت تسميتهم باللاجئين، وبدلًا من ذلك أُطلِقَ عليهم اسم "المساهمون الخاصون"، في إشارة إلى أن البلاد لن ترحب إلا بمن ساهموا في المصالح الوطنية.

صورة
أشرف اكنتولا، طالب دكتوراه في جامعة كيونغ بوك الوطنية، قال أن متظاهرًا كوريًا تبعه العام الماضي، صارخًا: "اترك بلدنا!"

"العولمة لها دلالة إيجابية بين الكوريين الجنوبيين"، هكذا قالت السيدة يي، الأستاذة الجامعية، مضيفة: "لكن عليهم أن يدركوا أن الأمر لا يتضمن تبادل المال والسلع فحسب، بل الثقافة والدين والناس"، وكانت السيدة يي من بين السياسيين الليبراليين والأساتذة والناشطين الذين نظموا مسيرات لدعم المسجد.

ومع ذلك؛ يبدو أن السكان متحدون في معارضتهم؛ حيث وقَّع أكثر من 175000 شخص على عريضة موجهة إلى مون جاي إن - رئيس كوريا الجنوبية - يحذرون فيها من أنه "إذا فقدنا حي دايهيون، سنفقد مدينة دايجو"، حيث قالت بارك جيونج سوك -60 عامًا- التي تعيش بجوار موقع المسجد المقترح: "لم أر قط أناسًا مثلهم من قبل، ولم أر أي نساء، فقط رجال يتزاحمون هناك"، فيما قال  جار السيدة بارك، نامغونغ ميون -59 عامًا- إنه يعارض تدفق الأجانب حيث انخفض عدد سكان كوريا الجنوبية، وقال: "إن ذلك سيزعزع مؤسستنا الوطنية، ويضر بشخصيتنا الوطنية وقيمنا".

صورة
لافتة في حي دايهيون كُتب عليها: "كما حدث في أوروبا، سيصبح حينا معقلًا مسلمًا، وحيًّا فقيرًا تنتشر فيه الجرائم".

المصدر: نيويورك تايمز