سوق "بازار" لبيع الحطب والبالة في إدلب

"فحم وحطب وبيرين وبالة وأحذية، وبما أنَّ الشتاء لم ينتهِ بعد، لا أعرف بماذا سأوقد أيضًا"، على إيقاع حبات المطر المنحدر على سقف خيمته يعدِّد حمدو أنواع التدفئة التي اضطر استخدامها هذا العام، بسبب تنوع المواد التي وُزِّعت عليهم في المخيم، واضطراره لشراء كميات أخرى لتكفيه لآخر الشتاء.

البرد أبو الاختراعات

ظروف المعيشة الصعبة وغلاء أسعار مواد التدفئة، جعلا حمدو يلجأ مع عدد كبير من سكان إدلب للبحث عن بدائل أقل تكلفة وصحية نوعًا ما بالوقت ذاته، بالأخص أن طفلته مصابة بالربو.

وصل حمدو لحلٍّ مناسب إلى حدّ ما، بالنسبة إلى دخله الشهري، مع إحدى الورشات التي تصنع مدافئ خاصة بصوبة قشر الفستق الحلبي والبندق في المدينة الصناعية على أطراف مدينة إدلب، وكان صوت حمدو وهو يتحدث مع عبد الرحيم، صاحب الورشة، يختلط بأصوات الأدوات التي تصنع تلك المدافئ دون توقف، فهذا هو الموسم.

صورة
معمل تصنيع صوبات قشر في إدلب

قبل عدة سنوات من اندلاع الثورة السورية، كان أهالي مدينة خان شيخون جنوب إدلب، وأهالي مدينة مورك شمال حماة، أول من ابتكروا هذا النوع من المدافئ، والحديث هنا عن صوبة  قشر الفستق الحلبي والبندق، كون هذه المدن والقرى المحيطة بها هي الأشهر بزراعة الفستق الحلبي في سوريا، ومع نزوح أهالي المدينتَين نحو الشمال السوري نقلوا معهم مدافئهم وسرّ صناعتها، لتنتشر في الشمال السوري.

صورة
سوق "بازار" لبيع قشر الفستق الحلبي في إدلب

ويقول عبد الحليم عن كيفية صناعتها: "في البداية نجلب مدفأة مازوت من المدافئ المنتشرة في الأسواق المحلية، ثم نركّب درجًا لها في الأسفل، ونصل بالمدفأة خزانًا جانبيًّا لوضع القشر والمحرك والبطارية، ثم نضع الحلزون الذي ينقل القشر من الخزان إلى المدفأة، ثم نركّب معدنًا أسفل المدفأة لتكون جاهزة للاستخدام".

البيرين

آلاف العائلات المقيمة في إدلب بدأت تبحث عن حلول بديلة للتدفئة، بعد أن اجتمع عليها البرد وغلاء المحروقات والأوضاع الإنسانية الصعبة، وكثير من تلك العائلات لجأت للبيرين الذي يعدّ من الصناعات المستحدثة على حياة السوريين، حيث كان المازوت مصدرهم الأول وربما الوحيد للتدفئة، ولكن غلاء سعر هذه المادة أبعدَ السوريين عنها.

فخلال العام الماضي فقط ارتفع سعر المازوت عدة مرات، حيث وصل سعر ليتر المازوت إلى 0.970 دولار، وهو تقريبًا مبلغ يوازي دخل عدد كبير من العائلات المتوسطة والفقيرة في إدلب، والتي يعتمد فيها معيل الأسرة على أعمال المياومة (يوم بيوم) أو على المساعدات الإنسانية بحال عدم قدرة المعيل على العمل أو فقدانه.

بدأت فكرة استخدام البيرين للمرة الأولى في التدفئة المنزلية عام 2014، بعد فقدان المحروقات وغلاء ثمنها في شمال غرب سوريا، حيث اُقتصر استخدامه سابقًا على تدفئة المداجن الكبيرة، بالإضافة إلى عدم القدرة على التحطيب بسبب الأعمال العسكرية في مناطق شمال اللاذقية (مصدر الحطب الأساسي في المنطقة المحررة حينها من سيطرة النظام في شمال غرب سوريا).

صورة
معمل صناعة البيرين

كان عبيدة أبو الحسن، صاحب أحد معاصر الزيتون في ريف إدلب الشمالي، من أوائل من بدأوا صناعة البيرين، ليتوسّع عمله مع ازدياد الطلب على البيرين بالتزامن مع موجات التهجير المتلاحقة نحو المحافظة، حيث عرفَ المهجّرون البيرين للمرة الأولى وبدأوا استخدامه.

ويروي عبيدة لـ"نون بوست" أسرار صناعته: "تعدّ مخلفات عصر الزيتون المادة الرئيسية في إنتاج البيرين، فيتم تجميع تلك المخلفات على شكل أسطوانات بمكابس خاصة ثم تجفَّف بالشمس، قبل أن تعبَّأ بأكياس وتصبح جاهزة للبيع".

البالة أخفّ الضررَين

على أطراف بلدة كفر عروق تنتشر مخيمات النازحين في منطقة تعدّ مجرى للسيول، ليزداد طين خِيَمهم بلّة، تقيمُ حليمة مع أطفالها الخمسة في المخيم، بعد أن فقدت زوجها جرّاء قصف ريف إدلب الجنوبي قبل نزوحها مع أطفالها إلى المخيم، ومع غلاء مواد التدفئة وعدم امتلاك حليمة ثمنها، لجأت الأرملة إلى حرق البالة، ما تسبّب في عدة أمراض لها ولأطفالها.

كانت حليمة تتحدث معنا وهي تتناوب مع أطفالها على تمزيق الثياب البالية وتقطيعها إلى قصاصات صغيرة، ليسهل إدخالها في المدفأة التي تتجمّع حولها العائلة، وكان السعال دائمًا ما يقطع حديث حليمة التي قالت: "بسبب غلاء مادة المازوت وحتى الحطب والبيرين، كان الحل هو البالة، ورغم أنها ذات رائحة كريهة، فإنها أفضل من لا شيء، وأحيانًا نلجأ لأحذية البالة عوض الملابس، ورغم غلاء ثمنها فإنها أكثر ديمومة من حيث مدة الاشتعال وسرعته".

وأضافت حليمة أنها تعاني وأبناؤها من المرض الدائم والسعال والتهاب القصبات الهوائية، بسبب الدخان الناتج عن حرق البالة والروائح المنبعثة مع ذلك الدخان.

صورة
ألبسة وأحذية بالة معدّة للحرق

مخاطر صحية وعجز منظماتي

وحسب الدكتور أديب عبد الرحمن، مدير مشفى حريتان الخيري: "يُعتبر استخدام الألبسة والأحذية للتدفئة مضرًّا لصحة الإنسان، لأنه يطلق غازات سامة تسبّب تخريشًا للجهاز التنفسي، وهذه المواد ربما تطلق غاز أول أوكسيد الكربون السام الذي يؤدي في حال استنشاقه إلى الاختناق والتسمُّم، وننصح بعدم استخدام مثل هذه المواد وبالأخص في أماكن الكثافة السكانية والتجمعات الكبيرة".

وأضاف عبد الرحمن: "ازدادت حالات التهاب القصبات وذات الرئة وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى بشكل كبير نتيجة استخدام مثل هذه المواد، واستنشاق الغازات الناتجة عنها، وغالبية الحالات القادمة إلينا من الأطفال من المخيمات المجاورة للمشفى، حيث يستخدم غالبيتهم مواد تدفئة غير صحية".

ورغم وجود عدد كبير من الفرق التطوعية والمنظمات الإنسانية الموجودة شمال غربي سوريا، والتي تعمل على توزيع مواد التدفئة كالمحروقات والمدافئ وعوازل اللخيام، بالإضافة إلى الخدمات الداعمة للاستجابة لقاطني المخيمات، كفرش الطرقات وبناء الخيم ونقلها بالإضافة إلى فتح سواقٍ (خنادق صغيرة) لجريان مياه الأمطار بعيدًا عن الخيام؛ إلا أن انخفاض الدعم المخصص لاستجابة سوريا وكثرة عدد النازحين يجعل جميع هذه الأعمال محدودة.

فتلبية حاجات هذا العدد الكبير أكبر من قدرة المنظمات السورية، على حد وصف فاتح رسلان، مدير قسم الإعلام والتواصل في مجموعة "هذه حياتي" التطوعية، الذي قال لـ"نون بوست" إن المنظمات "تقوم بتوزيع مدافئ ومواد تدفئة بشمال غرب سوريا، حيث شملت الاستجابة عددًا كبيرًا من العائلات، ولكن رغم ذلك لم تتمكّن المنظمات من تغطية كل الفئات المحتاجة في إدلب بسبب ضخامة الأعداد المحتاجة للمساعدة، فحجم الأزمة الإنسانية يفوق إمكانات المنظمات التي تعتمد على جمع التبرُّعات لتأمين احتياجات المخيمات، والحلول تحتاج إلى دُول وميزانيات ضخمة". 

وأكّد رسلان أنه رغم توجُّه المنظمات إلى الحلول الجذرية عبر بناء البيوت كبديل عن الخيم القماشية، فإن هذه المشاريع تحتاج إلى تكلفة مادية عالية، وهناك فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات والتمويل المتوفر عند المنظمات.

ويقدِّر فريق "منسّقو استجابة سوريا" عدد النازحين السوريين داخل البلاد بأكثر من 6 ملايين نازح، منهم أكثر من مليون ونصف يسكنون المخيمات المقامة في العراء والأراضي الزراعية، ومعظم تلك الخيم مهترئة عمرها من عمر الحرب في سوريا، ويعاني ساكنوها من انعدام وقود التدفئة والغذاء والتعليم.

"النازحون في المخيمات يعيشون في ظروف تفتقر إلى مواد التدفئة، وداخل خيم قديمة ومهترئة بسبب الأحوال الجوية السيّئة، ما يزيد من إصابات الأطفال وكبار السن بنزلات البرد، ويعرّضهم إلى أمراض صدرية، مع مخاوف من حدوث وفيات بينهم بسبب انخفاض درجات الحرارة"، وفق "منسّقو استجابة سوريا".