تقدم الجزائر دعمًا كبيرًا للقضية الفلسطينية

تقدم الجزائر دعمًا كبيرًا للقضية الفلسطينية

لم يكن اختيار وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، الجزائر للترويج للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي اعتباطيًا، فقد عُرفت الجزائر تاريخيًا بدعمها الكبير للقضية الفلسطينية ورفضها المبدئي للتطبيع مهما كانت مسوغات ذلك، ما عرضها لإحراجات كثيرة.

بلينكن يروج للتطبيع

استغل بلينكن زيارته الأخيرة للجزائر للحديث عما أسماه "فوائد اتفاقيات إبراهام" التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين كيان الاحتلال الإسرائيلي وأربع دول عربية هي: المغرب والإمارات والبحرين والسودان.

واغتنم وزير الخارجية الأمريكي الفرصة لتسليط الضوء على ما اعتبره فوائد الانضمام إلى الاتفاقيات التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت في شهر أغسطس/آب 2020 بإقامة علاقات بين كيان الاحتلال والإمارات العربية المتحدة، تلتها البحرين مباشرة ثم السودان فالمغرب.

تعتبر القضية الفلسطينية إحدى البنود الثابتة في أجندة الدبلوماسية الجزائرية والعمل لصالحها على كل المستويات الدولية

قال بلينكن متحدثًا عن التطبيع: "سيكون لذلك فوائد حقيقية وعملية للناس في الدول المشاركة بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل"، وأضاف "نحن نرى أن هذا يتشكل من حيث الروابط التي نمت بسرعة كبيرة بين الناس، بين الشركات، بين الطلاب، والسياح.. حتى في أثناء كورونا".

وتابع الوزير الأمريكي قوله: "أراهن أنه نظرًا لأن البلدان الأخرى التي ليست جزءًا من هذه العملية ترى أن هذا يتشكل، فسوف يستنتجون أن هذا شيء يريدون أن يكونوا جزءًا منه، لكن، بالطبع، علينا إثبات أنه يعمل حقًا وأن هناك نتائج".

توتر العلاقات مع المغرب بسبب الإسرائيليين

ما لم يذكره وزير الخارجية الأمريكي أن الاتفاقيات الإبراهيمية ساهمت بشكل كبير في توتير علاقات الجزائر مع الجارة الغربية، إذ شهد شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 توتر العلاقات الجزائرية المغربية عقب إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موافقة الرباط على التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، مقابل توقيعه اعترافًا بسيادة المغرب على إقليم الصحراء المتنازع عليه منذ عام 1975.

قال المغرب حينها إنه حقق اختراقًا تاريخيًا ونجاحًا دبلوماسيًا كبيرًا فيما يخص قضية الصحراء الغربية - المحدد الأول لسياسته الخارجية - إلا أن الجزائر كان لها رأي آخر، إذ عبرت عن استيائها من تطبيع المغرب علاقاته مع الكيان الإسرائيلي واستهداف استقرارها.

كما اتهمت الجزائر جارتها الغربية بـ"التجسس على مواطنين ومسؤولين جزائريين باستعمال برنامج بيغاسوس الإسرائيلي، وجعل ترابه الوطني قاعدة خلفية ورقبة للتخطيط وتنظيم ودعم سلسلة من الاعتداءات الخطيرة والممنهجة ضد الجزائر".

منذ ذلك الوقت عرفت العلاقات الجزائرية المغربية توترًا كبيرًا، وصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وعدم تجديد الجزائر عقد استغلال خط أنابيب الغاز الذي يزود إسبانيا بالغاز الجزائري مرورًا بالمغرب.

وترجع السلطات الجزائرية الحاكمة التوتر الكبير في علاقاتها مع المغرب إلى الكيان الإسرائيلي، فمن مصلحة الإسرائيليين إشعال نار الحرب والفتنة بين الدول العربية، وبالدليل فإنه أينما حل كيان الاحتلال يحل معه الخراب والدمار، لذلك فإن المخاوف الجزائرية تبدو جديةً بعض الشيء، خاصة أنها لا تخفي عداءها للكيان الصهيوني ودعمها الكامل للقضية الفلسطينية.

وكانت حسابات لشخصيات إسرائيلية على موقع تويتر قد هددت في أكثر من مرة الجزائر ورئيسها عبد المجيد تبون، في إطار الخلاف بين الرباط والجزائر الذي وصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، وأكدت هذه الحسابات وقوف الإسرائيليين إلى جانب المغاربة.

دعم متواصل للقضية الفلسطينية

رفض التطبيع يأتي نتيجة دعم الجزائر المتواصل للقضية الفلسطينية، إذ تعتبر القضية الفلسطينية القضية الوحيدة التي يجمع عليها كل الجزائريين باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، ما يفسر احتفاء الجزائريين بفلسطين في كل المناسبات.

وفي مقابلة تليفزيونية، قال الرئيس عبد المجيد تبون: "القضية الفلسطينية بالنسبة للشعب الجزائري قضية مقدسة وأم القضايا"، وأضاف أن الجزائر لن تبارك ولن تشارك فيما أسماه "الهرولة نحو التطبيع"، وقبله قال الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

وتعتبر القضية الفلسطينية إحدى البنود الثابتة في أجندة الدبلوماسية الجزائرية والعمل لصالحها على كل المستويات الدولية الثنائية أو المتعددة الأطراف وغيرها، وقد عُرفت الجزائر - التي تعتز بمسيرتها الثورية التحررية - منذ الاستقلال وقبله بوقوفها إلى جانب الفلسطينيين، وتسجل كتب التاريخ مشاركة مئات الجزائريين في عشرات المعارك ضد الصهاينة خلال حرب 1948، وبالفعل استشهد منهم عدد كبير.

في سنة 1963، ومباشرة إثر الاستقلال احتضنت الجزائر مكتبًا لحركة فتح، وكان هذا المكتب منطلقًا أساسيًا للفلسطينيين نحو العالم للتعريف بقضيتهم بدعم تام ومعلن من الجزائر، وهذا ما يؤكده خليل الوزير (أبو جهاد)، أحد أبرز القيادات الفلسطينية الذي تولى رئاسة هذا المكتب فترة من الزمن.

كما حرصت الجزائر على تمكين القيادات الفلسطينية من الالتقاء بالوفود الأجنبية التي تزور الجزائر للتعريف بالقضية الفلسطينية والحصول على دعمها، واستقبلت الجزائر الشباب الفلسطيني للتدريب عسكريًا، وكذلك استقبلت آلاف الطلبة في الجامعات.

إلى جانب ذلك، لعبت الجزائر دورًا حاسمًا في القمة العربية السادسة التي استضافتها سبتمبر/أيلول 1973، في إصدار قرار يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وكان للجزائر أيضًا دور مهم في إيصال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك الراحل ياسر عرفات إلى منبر الأمم المتحدة، خلال الدورة الـ29 للجمعية العامة سنة 1974.

في تلك الجلسة قال ياسر عرفات من على منبر الأمم المتحدة عبارته المشهورة: "لقد جئت حاملًا غصن زيتون وبندقية الثائر، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي"، وتعتبر مشاركة عرفات في قمة أممية إنجازًا كبيرًا يُحسب للقضية الفلسطينية.

يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1988، احتضنت قاعة قصر الصنوبر في الجزائر العاصمة، إعلان استقلال دولة فلسطين (للمرة الثانية) من طرف منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الإعلان الثاني بعد إعلان الاستقلال وإقامة حكومة عموم فلسطين في المؤتمر الفلسطيني الذي انعقد في غزة أكتوبر/تشرين الأول 1948.

في ديسمبر/كانون الأول 2021، أعلنت الجزائر حزمة قرارات لصالح فلسطين خلال استقبالها الرئيس محمود عباس، كما قدمت شيكًا بـ100 مليون دولار لدولة فلسطين، إلى جانب تخصيص 300 منحة دراسية في الجامعات الجزائرية لطلاب فلسطينيين.

وأعلنت الجزائر اعتزامها دعوة الفصائل الفلسطينية إلى مؤتمر جامع "قريبًا"، ما أكد حرصها على وحدة الصف والموقف الفلسطيني، وقد أشادت حماس بذلك مؤكدة تقديرها "للموقف التاريخي للجزائر، حكومة وشعب، في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وحقّه في المقاومة والتحرير".

كما لعبت الجزائر، في فبراير/شباط الماضي دورًا كبيرًا في عدم منح كيان الاحتلال صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، التي كان قد حصل عليها بقرار إداري منفرد اتخذه مسؤول في الاتحاد الإفريقي.

دعم الجزائر للقضية الفلسطينية ليس على المستوى الرسمي فقط، فالشعب أيضًا يكن حبًّا خاصًا لفلسطين، ما يظهر في العديد من التظاهرات والفعاليات الشعبية، فلا تخلو أي تظاهرة من رفع شعارات وأعلام فلسطين، دعمًا للقضية.

كما اعتاد الجمهور الجزائري ترديد شعار "فلسطين الشهداء" في المدرجات تذكيرًا بمركزية القضية الفلسطينية، وهو الشعار الذي يذكّر بالعبارات التي تستحضر الثورة الجزائرية التحريرية مثل "جزائر الشهداء" و"باب الوادي الشهداء".