يهدد البرهان بطرد البعثة الأممية من السودان

يهدد البرهان بطرد البعثة الأممية من السودان

يتواصل السجال بين البعثة الأممية "يونيتامس" والمجلس السيادي السوداني الذي يقوده الجيش، إذ تُتهم البعثة - التي أنشئت بموجب قرار رقم 2524 لمجلس الأمن الدولي للمساعدة في الفترة الانتقالية بالسودان - بتجاوز صلاحياتها وتهديد استقرار البلاد، الأمر الذي تنفيه البعثة، مؤكدة التزامها بدورها الذي جاءت من أجله.

اتهامات عديدة

آخر الاتهامات الموجهة للبعثة الأممية، ما صدر عن الحاكم الفعلي للسودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي هدد أمس الجمعة بطرد الممثل الخاص للأمم المتحدة فولكر بيرتس بسبب التدخل في شؤون البلاد، بعد يوم من إشارته إلى أن للبعثة الأممية مهامًا محددةً ليس من بينها ما تمارسه الآن.

وطالب البرهان خلال حفل تخريج دفعات جديدة من الكلية الحربية وجامعة كرري، المبعوث الأممي "بأن يكف عن التمادي في تجاوز تفويض البعثة الأممية والتدخل السافر في الشأن السوداني وبأن ذلك سيؤدي إلى طرده من البلاد".

كما طالب "الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بتسهيل الحوار بين السودانيين وتجنب تجاوز تفويضهم والتدخل في شؤون البلاد"، وأفاد بأن القوات المسلحة السودانية وكل القوات النظامية "لن تفرط في أمانة الوطن رغم تعرضها للظلم وحملات التشويه".

قبل ذلك، اتهم رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة العقيد الركن إبراهيم الحوري، "يونيتامس" بالخروج عن إطار تخصصها والمهام التي جاءت من أجلها، والانحياز "المفضوح" إلى جهات بعينها وتقديمها معلومات مغلوطة، وطالب بإعادة ضبط عملها في الإطار المنصوص عليه فقط.

يرى الجيش السوداني أن البعثة الأممية منحازة للمدنيين، فدائمًا ما تشدد البعثة على ضرورة الانتقال الديمقراطي المدني في البلاد

كما سبق أن ذكرت وزارة الخارجية السودانية، الأسبوع الماضي، أن لجنة حكومية شرعت في اتخاذ سلسلة من الإجراءات التي من شأنها إعادة توجيه عمل بعثة الأمم المتحدة، بحيث تلتفت البعثة إلى الجوانب الأخرى الأساسية في تفويضها.

مطلع هذه السنة انتقد نائب رئيس مجلس السيادة قائد الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" تحركات البعثة الأممية، فقال في بيان له: "يجب على رئيس البعثة أن يكون مسهلًا وليس وسيطًا بين الأطراف"، وأضاف أن مجلس السيادة لا يعادي ولا يقاطع المجتمع الدولي لكنه يرفض التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وجاء ذلك على خلفية إطلاق رئيس البعثة عملية سياسية لتجاوز الأزمة التي أعقبت استيلاء قائد الجيش على السلطة فيما أسماه "إجراءات تصحيحية للثورة".

ليس هذا فحسب، إذ سمح العسكر لأنصارهم بتنظيم مظاهرات مناوئة للبعثة الأممية ومطالبة برحيلها ورئيسها وعدم التدخل الأجنبي في شؤون البلاد، وذلك في الوقت الذي تقمع فيه القوات الأمنية الاحتجاجات التي تنظمها لجان المقاومة والقوى "المعارضة لحكم العسكر"، ورفع أنصار البرهان لافتات حملت إحداها صورة موفد الأمم المتحدة إلى السودان فولكر بيرتيس وفوقها خطان متقاطعان بالأحمر للإشارة إلى رفض المتظاهرين المهمة التي يضطلع بها.

نفي أممي

هذه الاتهامات المتكررة نفتها البعثة الأممية باستمرار، وفي آخر نفي لها دونت صفحة بعثة "يونيتامس" على الفيسبوك ردًا على رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة العقيد الركن إبراهيم الحوري "كل ما يحمله المثال المرفق أدناه خطأ".

وأضافت البعثة الأممية "السودان جزء من الأمم المتحدة التي تمد يد العون للأعضاء فيها ولا يُسمى ذلك تدخلًا، والبعثة تعمل وفقًا لتكليفها المنصوص عليه في قرارات مجلس الأمن"، مؤكدة أن الأمم المتحدة غير محايدة بخصوص الالتزام بحماية حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية.

كما سبق أن ردت "يونيتامس" على مطالبين بطردها، مؤكدة أنها توجد في البلاد بطلب سوداني وتفويض أممي وتدافع عن حرية التعبير والتجمهر، وبالفعل تم إنشاء البعثة بطلب سوداني، ففي يناير/كانون الثاني 2020، أرسل رئيس وزراء الحكومة الانتقالية خطابًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة طالبه بالسعي للحصول على ولاية من مجلس الأمن الدولي لإنشاء عملية لدعم سلام السودان بموجب الفصل السادس.

طالب حمدوك حينها أن تكون البعثة "سياسية خاصة تضم عنصرًا قويًا لبناء السلام وينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان"، وفي 4 يونيو/حزيران 2020 تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع، قرارًا تقدمت بمشروعه كل من بريطانيا وألمانيا، وبموجب "القرار 2524" أنشأ المجلس بعثةً جديدةً للمساعدة في الفترة الانتقالية بالسودان.

في الأول من يناير/كانون الثاني 2021، بدأت مهمة البعثة ولمدة 12 شهرًا كمرحلة أولية، وتم تعيين فولكر بيرتس رئيسًا لها، وتهدف وفق القرار الأممي إلى المساعدة في تحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي ودعم وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام.

كما تهدف أيضًا إلى دعم عمليات السلام وتنفيذ اتفاقياتها في المستقبل والمساعدة في بناء السلام وحماية المدنيين وسيادة القانون، لا سيما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كما كلف المجلس بعثة "يونيتامس" بدعم تعبئة المساعدة الاقتصادية والإنمائية وتنسيق عمليات المساعدة الإنسانية.

أسباب الأزمة

لسائل أن يسأل عن سبب الأزمة بين حكام السودان الفعليين والبعثة الأممية، خاصة أن البعثة جاءت للخرطوم بطلب رسمي من حمدوك، فاسم حمدوك يختزل جزءًا من الإجابة، فمنذ البداية المكون العسكري لم يبد ارتياحًا للبعثة الأممية.

يرى الجيش السوداني أن البعثة الأممية منحازة للمدنيين، فدائمًا ما تشدد البعثة على ضرورة الانتقال الديمقراطي المدني في البلاد، في ظل مماطلة المكون العسكري في تسليم السلطة ومن ثم انقلابه يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 على اتفاق اقتسام السلطة مع قوى الحرية والتغيير وحل الحكومة المدنية، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وغيره من كبار الشخصيات المدنية التي كان الجيش قد وافق على اقتسام السلطة معها إلى حين إجراء الانتخابات العام القادم.

تبين العديد من المؤشرات عدم رضى المؤسسة العسكرية المسيطرة على مقاليد الحكم في السودان عن تحركات بعثة الأمم المتحدة

وصفت البعثة الأممية سيطرة الجيش على السلطة بـ"الانقلاب" وأعلنت مبادرة لعملية سياسية تهدف إلى جمع الفرقاء إلى مائدة حوار، وهي الخطوة التي أثارت حفيظة المكون العسكري ووصف الأمر "تدخلًا أجنبيًا".

تقول "يونيتامس" إنها تعمل على حل الأزمة التي تشهدها البلاد، إذ عقدت لقاءات كثيرة ومشاورات مع جهات داخلية وخارجية على غرار مسؤولين بالهيئة الحكومية للتنمية بشرق إفريقيا "إيغاد"، وممثلي الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا (النرويج وبريطانيا وأمريكا) لدى السودان.

ونهاية مارس/آذار الماضي، قدم رئيس البعثة الأممية بالسودان فولكر بيرتس إحاطةً لمجلس الأمن الدولي بشأن وضع السودان قال فيها إن البلاد دون حكومة عاملة منذ استيلاء العسكر على السلطة في 25 أكتوبر/تشرين الأول، والاحتجاجات والقمع العنيف لها لا يزالان مستمرّين.

تبين مؤشرات عديدة عدم رضى المؤسسة العسكرية المسيطرة على مقاليد الحكم في السودان عن تحركات بعثة الأمم المتحدة، من ذلك الاتهامات المكررة للبعثة ودراسة الجيش التقدم بطلب لمجلس الأمن بإلغاء مهمتها واستبدالها بفريق مساندة لإنفاذ اتفاقية جوبا لمساعدة الحكومة في عمليات الدمج وإعادة التسريح.

وينظر المكون العسكري في السودان بعين الريبة إلى العملية السياسية التي أطلقتها البعثة الأممية للوصول إلى اتفاق بين طرفي الصراع في البلاد باعتباره تدخلًا أجنبيًا في مسائل داخلية لا تهم إلا السودانيين.

الغريب في الأمر أن عمل البعثة الأممية لا يجد صداه عند جزء كبير من المكون المدني أيضًا، فتحركات المبعوث الأممي تصطدم برفض قوى مدنية مهمة بينها تحالف الحرية والتغيير ولجان المقاومة، وقوى أخرى تعارض أن يكون البرهان والواجهات التي أيدته في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي جزءًا من معادلة الحل في البلاد، ما يجعل الوصول إلى حل قريب في السودان صعب المنال.