استفاد ماكرون ولوبان من الحرب الأوكرانية لتعزيز حظوظهما في الفوز برئاسة فرنسا

استفاد ماكرون ولوبان من الحرب الأوكرانية لتعزيز حظوظهما في الفوز برئاسة فرنسا

أسدل الستار مساء أمس الأحد على نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وكما كان متوقعًا رافقت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان الرئيس الحاليّ والمحسوب على اليمين التقليدي إيمانويل ماكرون إلى الجولة الثانية في إعادة لسيناريو سنة 2017.

ماكرون ولوبان نحو الدور الثاني

أنهت النتائج المعلنة أسابيع من التشويق عن هوية الفائزين في الدورة الأولى، فقد فاز كل من الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون بحصوله على 27.6% ومارين لوبان التي حصلت على 23.41% من الأصوات، بحسب النتائج شبه النهائية لوزارة الداخلية على أساس 97% من الناخبين المسجلين.

أما عن باقي النتائج، فقد جاء مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلونشون ثالثًا بفارق بسيط عن لوبان الثانية، إذ حصل على 21.95% من الأصوات بفضل التصويت المفيد، وهي نتيجة أفضل من نتيجة انتخابات 2017، ما يُعزز دور اليسار في فرنسا.

فيما حل مرشح اليمين المتطرف إيريك زمور الذي بنى حملته الانتخابية على معاداة المهاجرين، في المرتبة الرابعة بحصوله على 7.05% من الأصوات، وبالتالي أسدل الستار ولو وقتيًا على هذه الظاهرة الصوتية التي غزت فرنسا في وقت وجيز.

يُعتبر ماكرون الذي يترأس حاليًّا مجلس الاتحاد الأوروبي، أكبر المستفيدين من الحرب في أوكرانيا

سجلت هذه الانتخابات انهيار الحزبين اللذين حكما الجمهورية الخامسة حتى سنة 2017 وهما الحزب الاشتراكي والجمهوريون، إذ حقق الاثنان أقل الدرجات في تاريخهما، فقد فشلت كل من آن هيدالغو (1.74%) وفاليري بيكريس (4.79%) في إقناع الفرنسيين خلال الانتخابات الرئاسية، ما يعني ضرورة تبني إصلاحات جذرية في الحزبين.

تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 11 مليون فرنسي لم يدلوا بأصواتهم في صناديق الاقتراع أمس الأحد، أي ربع الناخبين المسجلين، وهو رقم قياسي لم يُسجل لمدة عشرين عامًا في الانتخابات الرئاسية، وعلى لوبان وماكرون إقناعهم بالتصويت لهما في الجولة الثانية المقرر أن تُقام في 24 أبريل/نيسان من الشهر الحاليّ.

استفادا من الحرب الروسية ضد أوكرانيا

غالبًا ما تكون القضايا الداخلية المحدد الأول لتوجهات الناخبين الفرنسيين، لكن هذه المرة حصل الاستثناء، فقد أثرت الحرب الروسية على أوكرانيا كثيرًا في نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فغالبية الفرنسيين يتعاطفون مع الأوكرانيين ويتوجسون خيفة من نوايا بوتين بإشعال حرب نووية في أوروبا.

هذه الحرب ساهمت بنسبة كبيرة في صعود أسهم الرئيس إيمانويل ماكرون ومارين لوبان من اليمين وجون لوك ميلونشون من اليسار، ذلك أن 88% من الفرنسيين خائفون من تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا على بلادهم وفق استطلاع لمؤسسة "إفوب"، نشر في 28 مارس/آذار الماضي، لذلك صوتوا لمن أظهر رفضًا قطعيًا لما يحصل في أوكرانيا.

يُعتبر ماكرون الذي يترأس حاليًّا مجلس الاتحاد الأوروبي، أكبر المستفيدين من الحرب في أوكرانيا، فرغم النتائج السلبية التي حققها خلال السنوات الخمسة الماضية في أغلب مجالات الحكم داخليًا وخارجيًا، فقد حل في المرتبة الأولى، ذلك أنه يُنظر إليه بأنه الزعيم الأوروبي الوحيد القادر على إقناع بوتين بوقف الحرب وضمان أمن أوروبا.

كما استفاد مرشح حزب "فرنسا الأبية" ميلونشون من الحرب، إذ سارع بإعلان رفضه غزو أوكرانيا، وتجاوز مرشحين بارزين سبقوه في استطلاعات سابقة على غرار اليميني المتطرف إريك زمور، ومرشحة حزب الجمهوريين (يمين الوسط)، ما مكن حزبه من مرتبة مهمة في المشهد الحزبي الفرنسي.

أما مارين لوبان، التي يصفها الإعلام الأمريكي بـ"حليفة بوتين"، فقد استفادت من الحرب أيضًا وذلك بعد أن سارعت بتحديد موقفها مما يحصل في أوكرانيا، معتبرة أن روسيا "معتدية" وأوكرانيا "معتدى عليها"، ودعت إلى مساعدة اللاجئين الأوكرانيين.

اختارت لوبان إقناع الداخل الفرنسي بدلًا من إقناع الحليف الروسي، على عكس المرشح الثاني لليمين المتطرف إريك زمور، الذي تراجع كثيرًا بسبب تأييده لبوتين ومناهضته لحلف شمال الأطلسي، وقد كان قبل الانتخابات بأسابيع مرشحًا بقوة لمنافسة ماكرون في الدور الثاني.

هل يكون ماكرون الاستثناء؟

يطمح ماكرون أن يكون الرئيس الأول منذ 15 سنة الذي يفوز بولاية رئاسية ثانية في فرنسا، فمنذ عهد الرئيس جاك شيراك (1995-2007)، لم يتمكن أي رئيس فرنسي من الفوز بولاية رئاسية ثانية، فقد خسر نيكولا ساركوزي معركة تجديد عهدته الرئاسية سنة 2012، بفارق بسيط عن منافسه، بينما فضل فرانسوا أولاند، عدم الترشح لعهدة رئاسية ثانية سنة 2017 بعد تراجع شعبيته.

تعتبر لوبان قريبة أكثر من أي وقت مضى من قصر الإليزيه، خاصة أنها تتمتع في هذا الاستحقاق باحتياطي مهم من الأصوات

يأمل ماكرون في تكرار سناريو انتخابات سنة 2017، حين فاز وقتها على مرشحة حزب اليمين المتطرف مارين لوبان بـ 65.1%، لكن لا يبدو أن المهمة هذه المرة ستكون سهلة، خاصة أن لوبان أحرزت تقدمًا ملحوظًا في النتائج مقارنة بعمليات استطلاع الرأي.

تمكنت زعيمة اليمين المتطرف من تقليص الفارق بينها وبين ماكرون إلى نحو 4 نقاط فقط بعد أن كانت 11 نقطة، مستغلة العديد من النقاط ومركزة على تراجع شعبية ماكرون الذي لم يحرز تقدمًا ملموسًا لفرنسا، ما يجعل مفاتيح الإليزيه غير محسوم صاحبها.

مرحلة البحث عن حلفاء

يعلم ماكرون جيدًا أن الجولة الثانية لم تُحسم بعد وأن مسألة إعادة انتخابه رئيسًا للبلاد لفترة ثانية ليست سهلة كما تبدو للبعض، لذلك يسعى حاليًّا لتكوين "جبهة جمهورية" بوجه اليمين المتطرف مكونة من القوى السياسية التقليدية من يسار ويمين كما حصل سنة 2017، لكن هذا الأمر ليس بديهيًا في ظل المتغيرات التي حصلت في فرنسا.

يأمل ماكرون في التعبئة ضد اليمين المتطرف حتى يفوز بالانتخابات، لكن عليه أولًا إقناع الممتنعين عن التصويت للتوجه إلى مراكز الاقتراع في الدورة الثانية، وجزء كبير من الناخبين الذين يصوتون لليسار حتى لا يقاطعون الدورة الثانية.

بعض أهداف ماكرون تحققت، إذ دعت الغالبية العظمى من الطبقة السياسية للتصويت له في الجولة الثانية ضد المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان، فبعد وقت قصير من إعلان هذه النتائج، دعت مرشحة الحزب الاشتراكي آن هيدالغو إلى التصويت ضد اليمين المتطرف خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

من جانبها، ستصوت مرشحة حزب "الجمهوريون" اليميني فاليري بيكريس لإيمانويل ماكرون "عن وعي" دون إعطاء أي تعليمات بشأن التصويت، كما دعا مرشح حزب الخضر يانيك جادو (4.58%) ومرشح الحزب الشيوعي فابيان روسيل (2.31%)، للتصويت لإيمانويل ماكرون.

أما مرشح "فرنسا الأبية" جان لوك ميلونشون الذي أحرز نتائج مهمة في الدور الأول، فقد شدد على ضرورة حجب الأصوات بشكل قاطع عن لوبان، لكنه لم يدع للتصويت لصالح ماكرون، وعلى غرار ميلونشون، أعلن فيليب بوتو (0.77%) أنه لا يجب التصويت بتاتًا لليمين المتطرف.

في مقابل ذلك، لم تحظ مرشحة "التجمع الوطني" إلا على دعم المرشح اليميني المتطرف إيريك زمور، وقال الأخير أمام أنصاره: "لدي خلافات مع مارين لوبان، لكن هناك في مواجهتها رجلًا أدخل مليوني مهاجر ولم يتطرق البتة إلى موضوع الهوية، لن أخدع بخصمي"، داعيًا إياهم إلى "التصويت لمارين لوبان".

ووفقًا لاستطلاع أجراه معهد "إبسوس-سوبرا ستيريا" بعد إغلاق صناديق الاقتراع أمس الأحد، جمع ماكرون 54% من نوايا التصويت خلال الدور الثاني، مقابل 46% لمرشحة التجمع الوطني، وهي نتيجة أقل مما حصل عليها ماكرون في انتخابات عام 2017، حين فاز في الانتخابات بنسبة 66.1% من الأصوات، مقابل 33.9% لمارين لوبان.

يعني ذلك أن لوبان قريبة أكثر من أي وقت مضى من قصر الإليزيه، خاصة أنها تتمتع في هذا الاستحقاق باحتياطي مهم من الأصوات، يعكسه الناخبون الذين لم يصوتوا لماكرون في الجولة الأولى من الانتخابات، ما سيجعل المنافسة في الدور الثاني أشد مما كانت عليه في انتخابات سنة 2017.