لم تمضِ ساعات قلائل على تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في السودان للتصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، حتى جاءت الكلمات التي كتبها وزير الأوقاف والشؤون الدينية في الحكومة المقالة، نصر الدين مفرح، لتؤكد أن ثمة انفراج سياسي كبير سيشهده المشهد السياسي السوداني. 

حملت كلمات وزير الأوقاف والشؤون الدينية المقال، المنتمي لحزب الأمة القومي، تعضيدًا لجدية التصريحات التي أدلى بها البرهان في الإفطار الرمضاني الذي أقيم بمنزل عضو مجلس السيادة ياسر العطا، الجمعة الماضية، الذي قال فيه رئيس مجلس السيادة إن ثمة إجراءات قانونية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ستفضي إلى إطلاق سراحهم خلال يومين أو ثلاثة. 

وأكد البرهان أنهم كعسكريين على استعداد تام للتنحي بعيدًا عن السلطة وتسلميها للقوى السياسية المدنية (في إشارة إلى مجموعة قوى الحرية والتغيير)، حال توافقها، كما كشف عن رفع عدد من قوانين وإجراءات الطوارئ التي تعيشها البلاد منذ أشهر عديدة.

 

تعتبر التصريحات نقلةً نوعيةً وفجائيةً في المشهد السياسي، تنبئ بعودة الشراكة بشكل أو بآخر بين المدنيين والعسكريين، بعد أن عمل العسكريين منذ ما قبل انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول على الإقصاء الكامل لقوى الحرية والتغيير والاستعاضة عنهم بحلفاء جدد، بعد أن وصلت التناقضات بين شريكي الحكم إلى طريق مسدود وانفضاض الشراكة المتشاكسة التي استمرت قرابة عامين. 

عودة الإسلاميين وحديث المدينة 

منذ أيام عديدة، أضحى الحديث عن عودة الإسلاميين للحكم حديث الشارع السوداني، فقد نشطت مجموعات كبيرة من كوادر التيار الإسلامي في السودان، إضافة إلى عناصر بارزة من تنظيم المؤتمر الوطني المحلول، في الكتابة والتصريح بشأن عودة الإسلاميين إلى الحكم، تزامنت هذه التصريحات مع تقارير صحفية تتحدث عن تخطيط جاد لاستيلائهم على الحكم عبر خطط موضوعة بدقة. 

إطلاق سراح عدد كبير من أعضاء وقيادات تيارات إسلامية ومنتمية إلى نظام البشير، على رأسهم رئيس حزب المؤتمر الوطني (المحلول) إبراهيم غندور، إضافة إلى قيادات رفيعة بالتنظيم، جعلت احتمال رغبة عودة الإسلاميين للحكم أمرًا واردًا، هذا مع ما يحدث على أرض الواقع من عودة مجموعات كبيرة من المحسوبين على نظام البشير المباد إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها العامة. 

وكانت لجنة إزالة التمكين قد فصلت المئات من العاملين في القطاعين العام والخاص المشتبه بصلتهم بنظام الإنقاذ، تحت طائلة ما عرف بقانون إزالة التمكين، الذي عمل على تطهير أجهزة الدولة من منتسبي النظام المباد، كما عمل على تفكيك الإمبراطورية المالية والاقتصادية لنظام البشير، هذا قبل أن ينهي الانقلاب عمل لجنة إزالة التفكيك ويعلق مجموعة كبيرة من قرارتها. 

إضافة إلى النشاط الإسفيري لعناصر من النظام المباد، نشط إسلاميو السودان، بمختلف تياراتهم، في عدد من المناشط الاجتماعية، لمت شمل عدد من القيادات التاريخية والشبابية، تسربت خلالها عدد من مقاطع الفيديو والصور التي تظهر التحركات الجادة للإسلاميين، كما تداول البعض مقاطع فيديو لقيادات إسلامية تنادي صراحة بإسقاط النظام الحاكم الآن في السودان. 

وأشار نصر الدين مفرح، في منشوره الذي أشرنا إليه أعلاه، إلى هذه التحركات، معتبرًا أن الخطوات التي أعلن البرهان عن نيته لاتخاذها هي "إيذان بحسم فوضى النظام البائد" الذي تنفس الصعداء في الأيام الماضية كما قال. 

 

ويبدو أن جميع الأطراف، سواء عسكريين أم مدنيين، أخذوا التحركات الأخيرة للإسلاميين وتياراتهم محمل الجد، خصوصًا مع الضائقة الاقتصادية والانفلات الأمني الذي تعايشه البلاد، وتبدو معه الأجواء مهيأة لقبول أي جهة تبعث الأمل للمواطنين بالعودة إلى بعض مما كانت تعيشه البلاد، وهو الوتر الذي تلعب عليه تيارات الإسلاميين المنادية بعودتهم للحكم. 

تآكل تحالف الانقلاب 

قبل انقضاض البرهان على شركائه في الحكم في أكتوبر/تشرين الأول العام المنصرم، عمل على خلق جبهة عريضة مساندة للانقلاب، تتكون من مجموعة من الحركات المسلحة والتيارات الاجتماعية والإدارات الأهلية. 

أحد أبرز هذه التيارات يتمثل في الزعيم القبلي في شرق السودان الناظر محمد الأمين ترك، الذي دعا وقتها صراحة إلى استلام المكون العسكري للحكم، بحجة عدم رضائه عن الجزء الخاص بإقليم شرق السودان في الاتفاق السياسي الموقع لاحقًا بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، ليقوم إثر ذلك بإغلاق أحد أهم الطرق التجارية الرئيسية المؤدية إلى ميناء بورتسودان التجاري، لتدخل البلاد في أزمة اقتصادية وخدمية وقتها إثر تعطل حركة الصادر والوارد. 

حظي الناظر القبلي وقتها بدعم كامل من المكون العسكري، تحت وعود بتحقيق مطالبه، لكن منذ أن تم الانقلاب اختفى تِرك عن المشهد، ولم يظهر إلا مؤخرًا عبر مقطع فيديو مسرب يتحدث فيه عن تلقيه تهديدات من نائب رئيس المجلس السيادي حميدتي، يطالبه فيها بالتنازل عن مطالبه التي كان يرفعها قبل الانقلاب، وقد بلغت التهديدات، بحسب الفيديو المسرب، "بقتل ودماء" ستطال قومية وأهالي الناظر. 

حميدتي نفسه أضحى مؤخرًا موضع شك من الجيش السوداني، فمع التحركات الدولية والإقليمية التي يقوم بها منفردًا بعيدًا عن البرهان، اتضح أنه يسعى في سبيل ترسيخ قوته الخاصة عبر الاستعانة بأطراف دولية وإقليمية بغض النظر عن التحالفات السياسية التي يسعى النظام الحاكم في السودان إلى ترسيخها لضمان استمراره. 

أبرز هذه التحركات التي قام بها حميدتي منفردًا ومثلت تهديدًا لنظام الأمر الواقع في السودان هي زيارته الأخيرة لروسيا، التي جلبت غضب المجتمع الغربي على نظام البرهان. 

إضافة إلى ذلك، كان موقع العربي الجديد، قد نقل في فبراير/شباط الماضي، عن مصادر لم يسمها، تبليغ البرهان للقاهرة عن تخوفه من انقلاب وشيك يخطط له نائبه حميدتي بالتنسيق مع أطراف دولية. 

تسوية بمثابة قفز من السفينة الغارقة 

كمثال إلى ما آلت إليه الأوضاع في السودان، يعاني السودان أجمع، بما فيه العاصمة الخرطوم، حالة من انقطاع الكهرباء اليومية الراتبة، تبلغ في بعض الأحيان ثماني ساعات متواصلة، هذا وقد كشفت هيئة الكهرباء الإثيوبية، الخميس الماضي، أن السودان لم يسدد فاتورة الكهرباء التي يستوردها منها منذ نحو ستة أشهر مضت. 

وبحسب وكالة الأنباء الرسمية "سونا" بلغت نسبة التضخم في السودان لشهر مارس/آذار المنصرم 263.6%، هذا بعد أن كانت الحكومة قد اتخذت قرار تعويم الجنيه السوداني، ليتهاوى إثر القرار ليبلغ مبلغًا قياسيًا قارب 900 جنيه مقابل الدولار، قبل أن تتراجع الحكومة عن قرار التعويم وتلزم البنوك بسعر تأشيري يتراوح بين 530 - 560 جنيهًا مقابل الدولار.

اتضح للبرهان وشركائه السياسيين في الحكم، صعوبة إدارة الدولة، خصوصًا في ظل غياب السند الدولي والإقليمي 

وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان بأثر مباشر جرّاء الانقلاب الذي قام به العسكريون، فعلقت مؤسسات اقتصادية دولية، إضافة إلى دول غربية، مجموعة من المساعدات والمنح، كما علقت عددًا من المشاريع والاستثمارات في السودان جرّاء إجراءات الجيش التي على إثرها استأثر بالسلطة. 

وربما الأوضاع الاقتصادية ليست هي المتغير الجديد في حياة السودانيين، فمنذ العام 2011 يعيش السودان في أوضاع اقتصادية متدحرجة للأسوأ، رغم الاستقرار النسبي الذي شهده في الأشهر الأخيرة قبل الانقلاب. 

لكن المتغير الحقيقي الذي يعيشه السودانيون هو الانفلات الأمني الذي تعايشه البلاد، فقد باتت العصابات فيما تعرف بظاهرة "9 طويلة" هاجسًا حقيقًا يقض مضاجع ملايين السودانيين، حيث باتت عمليات النهب والسلب والتعدي، بما يهدد الحياة، إحدى المظاهر اليومية التي خلقت حالة من التذمر الشعبي في ظل عجز الأجهزة الشرطية عن الحد من الظاهرة. 

وبعد قرابة ستة أشهر من الانقلاب، يبدو أنه قد اتضح للبرهان وشركائه السياسيين في الحكم، صعوبة إدارة الدولة، خصوصًا في ظل غياب السند الدولي والإقليمي، إذ فشلت جميع جولات البرهان الخارجية الأخيرة في الظفر بمنح أو مساعدات اقتصادية تقلل من وطأة خروج الشريك الذي كان يتمتع بعلاقات دولية وإقليمية جيّدة، وترحيب غربي استثنائي.