لا يكاد يمر الحديث عن سوريا في الأوساط السياسية الحكومية التركية إلا ويتم ذكر "عودة السوريين إلى المناطق الآمنة"، ولعل هذه المناطق الحل الأمثل لمن يريد العودة من السوريين إلى بلده بحسب الرؤية التركية، فقد قال الرئيس التركي في أحد خطاباته إن المناطق الآمنة التي أنشأتها بلاده في سوريا "هي الأكثر سلامًا" مقارنة ببقية المناطق في البلاد، ولطالما أشار إلى أن بلاده تسعى إلى جعل الشريط الحدودي لبلاده مع سوريا منطقة آمنة.

السوريون لا يرفضون أبدًا فكرة إقامة مناطق آمنة، بل إنهم لطالما دعوا إليها لتجنبهم القصف وغارات الطيران والاعتقالات التي يفعلها نظام بشار الأسد وحليفته روسيا والميليشيات الإيرانية وغيرها ممن قدم إلى سوريا، لكن بشكل عام فإن المناطق التي تعتبرها الحكومة التركية "آمنة" ليست كذلك، فهي ليست خارج مجال الطيران الروسي والنظامي، وكذا فإنها ما زالت عرضة للاستهداف اليومي، وهو ما يعد خرقًا للاتفاق بين روسيا وتركيا الذي ينص على جعل هذه المناطق بعيدة عن الاستهداف.

مناطق آمنة

في البداية، نعرّف عن المناطق التي تعتبرها تركيا "آمنة"، وهي بعض مناطق ريف حلب التي سيطرت عليها تركيا بمرافقة الجيش الوطني خلال عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وكذا تعتبر إدلب وما حولها من القرى التي تحت سيطرة المعارضة "آمنة" وفقًا للاعتبارات التركية، وبالفعل دخلت تركيا إلى بعض المناطق وتتعامل معها على أساس التنمية وإعادة التأهيل من بناء للمشافي والمدارس وغيرها من الخدمات كما رأينا في مدن أعزاز والباب ومارع.

لكن هل سكان هذه المناطق يعتبرونها آمنة؟ يجيبنا الناشط السوري إلياس أبو أحمد قائلًا: "في البداية تفاءلنا بدخول القوات التركية إلى مناطقنا من أجل حمايتنا، وكنا نظن أن القوات التركية ستؤمن المنطقة من قصف الأسد وهجمات الآخرين، لكن قوات الأسد وروسيا باتوا يستهدفون حتى القوات التركية"، مؤكدًا "هذه المناطق ليست آمنة وتأمينها يحتاج إلى عمل كثير لا أن يكون في الكلام الإعلامي فقط".

وبالفعل، من يتابع أحوال هذه المناطق يجدها تتعرض للقصف المستمر من نظام الأسد وروسيا والميليشيات الكردية المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ولا يكاد يخلو يوم دون أن يكون هنالك قصف يطال مناطق متعددة، ما يفقدها صفة الأمان، وكانت غارات جوية روسية قد استهدفت مناطق ريف حلب شمال سوريا ما سبب دوي انفجارات قوية، وتبين أن الطيران الروسي استهدفها بصورايخ جو/جو دون تسجيل إصابات، كذا أعلن "الجيش الوطني السوري" إحباط عملية تسلل لقوات النظام السوري على محور بلدة تادف ريف مدينة الباب شرقي حلب.

ولا بد من الإشارة إلى أن مصطلح "منطقة آمنة" هو مصطلح غير رسمي، "لا تعريف له في القانون الدولي، يضمّ عددًا متنوعًا من المحاولات الهادفة لحماية مناطق معينة، بإعلانها مناطق خارج نطاق الاستهداف العسكري"، وحسب العُرف الدولي، تتطلّب إقامة المنطقة الآمنة أولًا: الاتفاق بين الأطراف المتنازعة على إقامتها، وثانيًا: إزالة الصفة العسكرية عن المنطقة، وإخضاعها للإدارة المدنية، وثالثًا: أنْ لا تحدّد الأطراف المتنازعة ترتيبات للدفاع عنها، لأن وجود طرف عسكري جاهز للدفاع عنها، سوف يُعرضها للدخول في الحرب مرةً أخرى.

قال الدفاع المدني السوري المعروف بـ"الخوذ البيضاء" إن فرقه "استجابت خلال الربع الأول من العام الحاليّ لـ130 هجومًا جويًا ومدفعيًا، تركّز على منازل المدنيين والمباني العامة والمنشآت الحيوية والخدمية التي استهدفها القصف وتعد مصدر رزق لآلاف العائلات في شمال غربي سوريا"، وبحسب بيان الدفاع فقد "قُتل بسبب تلك الهجمات 47 شخصًا بينهم نساء وأطفال، فيما تم إنقاذ أكثر من 100 شخص من المصابين في تلك الهجمات التي طالت عموم مناطق شمال غربي سوريا".

كذلك شهدت مناطق متفرقة من شمالي وشمال شرقي سوريا التي تعتبرها تركيا "مناطق آمنة" قصفًا من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) أسفر عن جرحى مدنيين في مناطق سيطرة المعارضة السورية والمدعومة تركيًا، وتعرضت مدينة مارع لقصف مدفعي خلّف عددًا من الجرحى المدنيين، ولطالما دخلت المفخخات من مناطق سيطرة "قسد" إلى مناطق النفوذ التركي وحصدت أرواح عشرات المدنيين، وكنا في "نون بوست" قد أجرينا تحقيقًا عن هذا الأمر تحت عنوان "مفخخات الشمال السوري.. من المسؤول؟".

ومما يبين أن الأمان ما زال بعيدًا عن هذه المناطق، الاستهداف المتكرر للجيش التركي الموجود في هذه المناطق، ففي آخر عمليات ميليشيا "قسد" قتل ضابط شرطة تركي وأصيب 6 عناصر بقصف مدفعي استهدف عربة عسكرية تركية قرب مدينة مارع، بريف حلب الشمالي.

وليس هذا هو الاستهداف الأول للجنود الأتراك، فالنظام السوري وقسد يحرصان على استهداف هذه القوات التي دخلت في إطار التفاهمات مع روسيا لخلق المناطق الآمنة التي نتحدث عنها.

ليس بعيدًا عن الاشتباكات والقصف الذي يستهدف المنطقة، فإن مما يزعزع أمان هذه المناطق ارتفاع وتيرة الاشتباكات والخلافات بين فصائل المعارضة المسلحة التي من المفترض أن تكون مهمتها حماية المناطق وأهلها، لكن لا تمر فترة دون وجود إشكال أمني يذهب ضحيته الأبرياء في مناطق سيطرة "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا، وعلى الرغم من علم الجميع بفداحة الخسائر التي تسببها الاقتتالات البينية، فإن الفصائل ما زالت لا تراعي أي اعتبارات في هذا الأمر، وتحتكم في أي مشكلة إلى السلاح والاقتتال.

هذه الإشكاليات تأتي بعد سنوات من محاولات رص الصفوف وإعادة هيكلة القوات المسلحة المعارضة للنظام وتوحيد ودمج سلاحها وضبطه من خلال تشكيل غرف عمليات عسكرية موحدة، لكن كل هذه المحاولات تبوء بالفشل، كما أن وزارة الدفاع في "الحكومة السورية المؤقتة" التي تعتبر القيادة العليا للفصائل والمدعومة تركيًا لم تستطع فرض قراراتها وأوامرها العسكرية على أي فصيل أو قائد.

سوريا ليست آمنة

ما سبق ذكره من وقائع ينفي صفة الأمان عن هذه المناطق التي ما زالت تحت القصف والتهديد والتصفيات، ما يجعلها مناطق يخشى على حياة الناس فيها، خاصة أن تركيا تعمل على ترحيل اللاجئين السوريين إليها، وكذا تروج لها كونها مناطق يستطيع اللاجئون العودة إليها، إذ تشير الأرقام التركية إلى "عودة 500 ألف سوري إلى المناطق الآمنة في الشمال السوري بشكل طوعي".

بالعموم فإن العديد من المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية، ما زالت تحذر من أن سوريا لم تصبح آمنة وأنها ما زالت غير مستقرة، في تحذير واضح للدول التي تسعى إلى حل مشكلة اللاجئين وإرسالهم إلى بلادهم بسرعة، وقد قالت لجنة التحقيق بشأن سوريا، التابعة للأمم المتحدة، إن الوضع في سوريا بشكل عام يزداد قتامة، مشيرة إلى أعمال قتالية في عدة مناطق من الدولة الممزقة وانهيار اقتصادها وجفاف أنهارها.

وفي هذا السياق يتساءل الكاتب الصحفي التركي محمد آجات: "هل تحققت الشروط اللازمة لعودة اللاجئين السوريين؟"، ويقول: "بغض النظر عما سبق، دعونا نتناول بعض تلك العبارات التي تُطرح بكثرة، على سبيل المثال، يقول البعض: انتهت الحرب في سوريا، على السوريين أن يعودوا إلى بلادهم".

ويشير الصحفي التركي إلى أن "معظم السوريين الذين يعيشون شمالي إدلب قرب الحدود التركية، اضطروا لقضاء هذا الشتاء في خيام من القماش موحلة يصارعون الثلوج. أنا لا أتحدث عن نازحين لجأوا إلينا، بل عن نازحين داخل سوريا لا يستطيعون العودة إلى منازلهم. لماذا لا يعودون؟ بما أن الحرب انتهت، فإذًا أصبحت سوريا آمنة! لماذا لا يذهبون؟ السبب الأول أنهم لا يستطيعون الذهاب بسبب الخوف على أرواحهم".

ويضيف آجات "من يقول إن الحرب انتهت وعلى السوريين أن يرحلوا، عليه أن يقدّم إجابة معقولة عن سؤال: لماذا يضطر نحو مليون ونصف المليون سوريّ للعيش في خيام من قماش في الشتاء ولا يرجعون إلى منازلهم التي تركوها؟".

إلى ذلك، فإن وجود مناطق آمنة فعلية وحقيقية يمثل أمنية لكثير من السوريين، لكن ليس فقط على الحدود، فماذا عن اللاجئين الذين قدموا من مناطق جنوب ووسط سوريا التي لا يمكن إنشاء مناطق آمنة فيها، أليس لهم الحق أن يعودوا إلى بيوتهم بأمان دون أن يتعرض لهم أحد أم أنهم باتوا مجبورين بأن يعودوا إلى المناطق الآمنة التي تحددها الدول لهم فقط؟ وكذا فإن تركيا مطالبة بالإضافة إلى ما تقدمه من خدمات، بلجم نظام الأسد وقوات "قسد" لإثبات أن هذه المناطق صالحة للعيش دون أن يخاف الناس على حياتهم من القصف والاستهداف المستمر.