أثارت عودة نائب رئيس الوزراء ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي، المتهم بقضايا فساد وإرهاب، إلى جانب عودة الشيخ علي حاتم السليمان، واحتمالية عودة قادة سنة آخرين مطلوبين للقضاء، العديد من التساؤلات عن هدف وتوقيت عملية العودة، فقد أنتجت هذه العملية انقسامًا واضحًا في الأوساط السياسية العراقية والسنية على وجه التحديد، بين مرحب ومعارض لها، خصوصًا أنها قد تضفي مزيدًا من التعقيد على المشهد العراقي الذي يشهد انسدادًا سياسيًا، بسبب الخلاف الحاليّ بين التحالف الثلاثي والإطار التنسيقي بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، كما أنها قد تؤسس لصراع جديد على الزعامة السنية، بين القيادات الجديدة المتمثلة بـ"محمد الحلبوسي وخميس الخنجر" والقيادات التقليدية التي يمثل العيساوي أحد أضلاعها، وبالشكل الذي قد يعيد رسم خريطة التوازنات السنية الحاليّة.

عودة العيساوي قد تحدث تغييرًا في المعادلة

في الوقت الذي تشهد فيه الخريطة السياسية السنية استقطابًا حادًا بين تيارين: أحدهما ضمن التحالف الثلاثي المتمثل بتحالف السيادة بقيادة محمد الحلبوسي، والآخر المتمثل بتكتل عزم ضمن الإطار التنسيقي بقيادة مثنى السامرائي، فإن عملية عودة العيساوي دون غيره قد تؤسس بدورها لمرحلة استقطاب جديدة في الوسط السني، خصوصًا بعد فشل القوى السياسية السنية المنضوية ضمن الإطار التنسيقي في بلورة قيادة سنية واضحة المعالم في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

فقد كانت هذه القوى أكثر الأطراف ترحيبًا بعودة العيساوي، ومن ثم فإنها قد تطمح في زيادة تأثيرها السياسي عبر خلق ضد نوعي للحلبوسي في محافظة الأنبار التي يمتلك فيها العيساوي تأثيرًا كبيرًا.

التحدي الأبرز الذي تشكله عودة العيساوي إلى الساحة السياسية، يتمثل في إمكانية أن تؤدي إلى إعادة تشكيل هيكل التحالف الثلاثي الذي يواجه العديد من الضغوط الداخلية والخارجية

وعلى الرغم من معارضة بعض قيادات الإطار التنسيقي عودة العيساوي، فإنها تجدها أيضًا فرصة لإعادة تفكيك الخريطة السنية بالشكل الذي يخدم أوراقها في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، خصوصًا أن العودة تأتي مترافقة مع عودة السليمان، وكلاهما يرتبطان بعلاقات غير جيدة مع الحلبوسي الذي انفرد بالمشهد الأنباري على وجه الخصوص، حيث مسقط رأس هاتين الشخصيتين ودائرة نفوذهما السياسي والعشائري، والمشهد السني بوجه عام، ما قد يخلق بدوره أكثر من سبب للصراع في المرحلة المقبلة.

إن التحدي الأبرز الذي تشكله عودة العيساوي إلى الساحة السياسية، يتمثل في إمكانية أن تؤدي إلى إعادة تشكيل هيكل التحالف الثلاثي الذي يواجه العديد من الضغوط الداخلية والخارجية، خصوصًا أن قوى الإطار التنسيقي تحاول استغلال حالة الاعتكاف السياسي التي دخل بها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في تحقيق مزيد من الاختراقات في العملية التفاوضية مع أركان التحالف الثلاثي، وتحديدًا السنة والأكراد، إذ قد تزيد عودة العيساوي من الانقسام السني على ذات شاكلة الانقسام الذي يعاني منه الأكراد والشيعة.

ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه عودة العيساوي إلى المشهد السياسي، التي يأتي في مقدمتها علاقته برئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والتهم الأخرى التي ما زالت نافذة بحقه، حسب ما أعلنته محكمة التمييز الاتحادية، فإن المزايا التي يمكن للإطار التنسيقي تحقيقها من عودته، إلى جانب البعد السياسي الذي امتازت به قرارات المحكمة الاتحادية لصالح قوى الإطار التنسيقي مؤخرًا، يمكن أن تسهل عودته للساحة السياسية والتنافس على الزعامة السنية من جديد.

التداعيات على المشهد السياسي العام

مما لا شك فيه أن هناك العديد من التداعيات التي قد يفرزها الصراع على الزعامة السنية بالمشهد السياسي العام، فعلى صعيد المشهد السياسي السني، يمكن القول إن عودة العيساوي قد تفتح الباب لاستقطاب سياسي جديد، فالنواب السنة المتحالفون مع الإطار التنسيقي بحاجة إلى رأس حربة يعزز موقفهم في مفاوضات تشكيل الحكومة من جهة، ومنافس قوي للحلبوسي في الوسط السني، ما قد ينعكس سلبًا على جهود تحالف السيادة في احتكار التمثيل السني في الحكومة المقبلة.

أما على صعيد المشهد السياسي العراقي، فإن استمرار الضغوطات التي يتعرض لها الكرد والسنة، فضلًا عن عودة العيساوي مؤخرًا، قد تؤثر سلبًا في تماسك أطراف التحالف الثلاثي، سواء على مستوى العلاقات الداخلية ضمن كل تحالف أم على مستوى العلاقات بين أطراف التحالف، ومن ثم فإن تعدد التكتيكات الضاغطة التي يستخدمها الإطار التنسيقي، وتحديدًا السياسية والأمنية منها، قد تنهك قوى الأغلبية، وتدفع بالصدر إلى سلوك أحد خيارين: إما حل البرلمان وإما الذهاب إلى المعارضة، حال استمرت حالة الانسداد السياسي.

الصراع على الزعامة السنية سيكون لها تأثيرات محتملة على مستوى الحراك السني

إقليميًا، مما لا شك فيه أن عودة العيساوي قد تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية في الداخل العراقي، كما أنها قد تربك الحسابات الإقليمية الهادفة لإبعاد العراق عن التأثير الإيراني، إذ تدرك إيران وحلفاؤها أهمية إعادة تشكيل الأوضاع السياسية في محافظة الأنبار، بالإطار الذي ينهي تأثير الحلبوسي المدعوم إقليميًا وعربيًا على المحافظة، حيث احتياطات الغاز التي تقدر بـ25 تريليون قدم مكعب، وموقعها الجيوسياسي المطل على سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، ومن ثم فإن هدف عزلها سياسيًا قد يتحقق في أحد جوانبه في استثمار عودة العيساوي كفاعل مؤثر في المحافظة، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن زيارة الحلبوسي الأخيرة إلى طهران قد تحدث فرقًا بالمعادلة الصراعية.

مستقبل التوازنات السنية.. سيناريوهات محتملة

يمكن القول إن التحولات الأخيرة يمكن أن تساهم في إعادة تشكيل التوازنات السنية الحاليّة وفق سيناريوهات محتملة هي:

السيناريو الأول: بقاء ثنائية "السيادة - عزم".. يفترض هذا السيناريو المرجح بقاء الثنائية الحاليّة في الوسط السني، وأن عودة العيساوي لن تؤثر على مسار الاستقطاب السياسي الحاليّ، لأسباب عدة أبرزها نجاح الحلبوسي في ترسيخ مركزية قوية في الوسط السني خلال الفترة الماضية، كما أن تكتل عزم يشهد هو الآخر صراعًا على مستوى القيادة الجماعية، ولن يكون مستعدًا لقبول مركزية العيساوي، بعد رفض مركزية الحلبوسي والخلاف معه، كما أن العيساوي هو الآخر سيكون بحاجة لوقت كافٍ لإعادة ترميم علاقاته مع الوسط السني وقوى الإطار التنسيقي، ولا يمكنه الدخول ضمن أي صفقة سياسية حتى يتمكن من حسم موقفه القضائي بصورة كاملة.

السيناريو الثاني: دعم وتأييد التحالف الثلاثي.. يفترض هذا السيناريو المحتمل أن عودة العيساوي ورغم كونها موجهة ضد زعامة الحلبوسي، فإن المواقف المتشددة التي ظهرت من بعض قوى الإطار التنسيقي بالضد من العيساوي، وتحديدًا الفصائل المسلحة، التي ما زالت تتهمه بالفساد والإرهاب وعدم الثقة، يمكن أن تشجع الحلبوسي والصدر وبارزاني للحصول على دعم وتأييد العيساوي للتحالف الثلاثي، لتسهيل مهمة تشكيل الحكومة المقبلة وإقناع تكتل عزم بإعادة الانضمام إلى تحالف السيادة وفق شروط وتوافقات جديدة.

السيناريو الثالث: توسيع تكتل عزم وتشكيل تحالف جديد يدعمه العيساوي.. يفترض هذا السيناريو المستبعد أن صراع النفوذ والسلطة الذي أسهم في انشقاق تكتل عزم عن تحالف السيادة، يمكن أن يعاد إنتاجه من جديد مع عودة العيساوي الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع العديد من النواب عن محافظة الإنبار وصلاح الدين ونينوى ضمن تحالف السيادة والمستقلين، فضلًا عن الدعم العشائري الذي يتمتع به من شيوخ عشائر الأنبار، وعلاقاته القوية مع قيادات تكتل عزم، وقد يدعمه في ذلك عودة السليمان وقادة آخرين، ما قد يمنحه فرصة لاستقطاب عدد من النواب من تحالف السيادة والمستقلين لصالح تكتل عزم، وتشكيل تحالف جديد بدعمه وتأثيره، أجل حسم الصراع على الزعامة السنية.

يمكن القول إن الصراع على الزعامة السنية سيكون لها تأثيرات محتملة على مستوى الحراك السني، ومع ذلك فإن إمكانية بروز هذه التأثيرات سيكون مرتبطًا بصورة كبيرة على مدى التفاعل السياسي السني مع عودته من جهة، والقبول والدعم الإقليمي له من جهة أخرى، فمنذ مغادرة العيساوي والسليمان للعراق عام 2014، بعد صدور مذكرات الاعتقال بحقهم، حدثت العديد من المتغيرات في الساحة السياسية العراقية، والسنية تحديدًا، وتشكلت توازنات إقليمية على أساس هذه المتغيرات، ومن ثم فإن إمكانية الحديث عن عودة مؤثرة للعيساوي والسليمان أو حتى قادة آخرين، ستكون خاضعة لمحددات داخلية وخارجية متعددة ومترابطة.