ما إن اقتربت نهاية فترة الاعتكاف السياسي لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، والتي حاول من خلالها منح قوى الإطار التنسيقي فرصة تشكيل التحالف الأكبر في مجلس النواب، وامتلاك النصاب الدستوري لتكليف مرشح التحالف بتشكيل الحكومة المقبلة، لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي تعتري المشهد العراقي اليوم، حتى بدأت قوى الإطار التنسيقي بطرح مبادرة سياسية جديدة.

دعت هذه المبادرة القوى المستقلة الانضمام إلى قوى الإطار، بعد أن فشلت عبر جولة محادثات مستمرة في تفكيك التحالف الثلاثي "إنقاذ وطن"، الذي يضمّ التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة، وذلك من أجل قطع الطريق على محاولة انضمام بعض النواب المستقلين إلى هذا التحالف، ومن ثم تعقيد المشهد أمام الصدر الذي بدا عاجزًا حتى الآن عن تخطي عتبة أغلبية الثلثَين.

بديل التوافق بين الإطار والتيار يعني إما الذهاب نحو سيناريو حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وإما الاقتتال الداخلي

وفي مقابل ذلك، لم تمضِ إلا ساعات قليلة حتى طرح الصدر مبادرة سياسية جديدة، استهدفت المستقلين أيضًا، ولكنها كانت أوسع مجالًا من المبادرة التي طرحتها قوى الإطار التنسيقي، ففي الوقت الذي اكتفت فيه قوى الإطار بمطالبة المستقلين الانضمام إليها لتعزيز قوة الثلث المعطِّل، إلا أن الصدر دعى المستقلين إلى تقديم مرشح عنهم لرئاسة الوزراء إلى جانب 12 وزارة هي حصة المكون الشيعي. 

وعلى الرغم من هذا العرض السخي الذي قدمه الصدر للمستقلين، إلا أنه على ما يبدو يريد أن يحسم موقف المستقلين عبر صفقة واحدة، تجبرهم على التوحد جميعًا من جهة، وتقطع الطريق على قوى الإطار لضمان الثلث المعطِّل من جهة أخرى.

المستقلون نقطة التحول

ممّا لا شكّ فيه أن المبادرات السياسية التي طرحتها قوى الإطار والتيار، تشير إلى مدى تصاعد أهمية المستقلين في إنهاء حالة الانسداد السياسي لصالح أحد الطرفَين، خصوصًا فيما يتعلق بجلسة انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء.

فتصاعُد أهمية المستقلين يشير إلى إمكانية أن يتحولوا إلى كتلة وازنة داخل مجلس النواب بين طموحات ضمان الثلث المعطِّل أو تحقيق أغلبية الثلثَين، إلا أن هذا لا يمنع من القول إن هناك تحديات حقيقية تقف بوجه المستقلين في إمكانية ممارسة هذا الدور، أهمها أن ترجيح كفة طرف على حساب طرف آخر ستكون خطيرة جدًّا.

كما أن المستقلين قد يدفعون ثمنًا باهظًا فيما لو تقرّبوا إلى طرف على حساب آخر، بإمكانية أن يتحول الصراع إلى الشارع، كما سبق أن هددت بعض قوى الإطار التنسيقي، إذ أشار النائب عن الإطار التنسيقي، أحمد الأسدي، إلى أن ذهاب قوى الإطار التنسيقي أو التيار الصدري نحو المعارضة، يعني أن يذهبوا بأسلحتهم ودباباتهم أيضًا، وليس فقط بنوابهم.

قوى الإطار التنسيقي تحاول دفع التيار الصدري، عبر حراكها السياسي الحالي، باتجاه القبول بمشاركتها في الحكومة المقبلة

هذا التحول الخطير الذي وصلت إليه العملية السياسية يشير إلى مدى المأزق المعقّد الذي بدأت تواجهه القوى المستقلة داخل مجلس النواب، كما أن هذا الواقع قد يفرض على الكثيرين منهم الانضمام إلى أحد الطرفين من أجل عدم التعرُّض لمضايقات الطرف الآخر، خصوصًا في ظل تصاعد حالة الاحتقان السياسي بين الأطراف الطامحة لتشكيل التحالف الأكبر.

يشير هذا الواقع إلى أن فرص نجاح هذه المبادرات ضئيلة للغاية، وأن بديل التوافق بين الإطار والتيار يعني إما الذهاب نحو سيناريو حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وإما الاقتتال الداخلي، إذ إن الأوضاع السياسية في العراق باتت تؤثِّر على المواطن ومصالح البلد بشكل عام، حيث لم تشكَّل الحكومة رغم مرور أشهر طويلة على الانتخابات.

ومع طرح المبادرات السياسية التي فشلت أمام الرفض المتبادل، فإنه في ظل الجمود السياسي الذي يعيشه العراق، باتت إمكانية عودة الحراك الشعبي قريبة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن، خصوصًا أن أساس الحراك كان المطالبة بتوفير الخدمات وفرص العمل المنعدمة منذ انطلاق الحراك في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

المبادرات الأخيرة توفر فرصة حقيقية في إمكانية أن يكون هذا التحالف نواة لتحالف أكبر يمكن البناء عليه في الانتخابات المقبلة

يمكن القول إن قوى الإطار التنسيقي تحاول دفع التيار الصدري، عبر حراكها السياسي الحالي، باتجاه القبول بمشاركتها في الحكومة المقبلة، بناءً على توافق جميع الفائزين وفق العرف السياسي المتّبع منذ سنوات.

لكن إصرار الصدر على موقفه في تشكيل حكومة أغلبية وطنية، قد يدفع قوى الإطار التنسيقي نحو سلوكيات أكثر تطرفًا، خصوصًا أن قوى الإطار تبدو غير مرتاحة من مسألة أن يشكّل الصدر الحكومة المقبلة، وأن يستحوذ على جميع المناصب الحساسة للمكون الشيعي، وتحديدًا الأمنية والاستخباراتية منها، فيما تذهب هي نحو المعارضة.

إن المبادرات الأخيرة، ورغم حساسيتها، توفر فرصة مهمة للمستقلين في إعادة تنظيم أنفسهم ضمن تحالف سياسي واضح المعالم والأطر، كما أنها توفر فرصة حقيقية في إمكانية أن يكون هذا التحالف نواة لتحالف أكبر يمكن البناء عليه في الانتخابات المقبلة، أو حتى في الانتخابات المبكرة فيما لو تمَّ الذهاب إليها.

وفي قبالة ذلك، فإنه رغم تقدير عدد النواب المستقلين بحوالي 35 نائبًا، إلا أنه تُثار العديد من التساؤلات حول مدى استقلاليتهم، إذ أشارت الفترة الماضية بروز 3 أنواع من النواب المستقلين، وهم: النوع الأول مستقل حقيقي، عدده أقل من 7 نواب؛ والنوع الثاني مستقل إطاري ميوله وتمويله من الإطار التنسيقي، عدده من 10 إلى 15 نائبًا؛ أما النوع الثالث فهو مستقل إنقاذي ميوله وتمويله من الثلاثي، وعدده 7 إلى 10 نواب.