يجري وضع مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب على سكة التطبيق، فهو قيد الدراسة حاليًّا، وبينما يسعى البلدان للحصول على أموال لتمويل بناء أطول أنبوب غاز تحت البحر، أبدت روسيا اهتمامها بالاستثمار في خط الأنابيب الذي سينقل الغاز من بلد يملك سابع أكبر احتياطي عالمي إلى شمال إفريقيا والأسواق الأوروبية، كما يندرج هذا المشروع ضمن خطط الأوربيين للتخلص من التبعية للغاز الروسي. 

فلدى المفوضية الأوروبية خطة للحد من الاعتماد على الغاز الروسي واستبدال ثلثي الواردات منه بنهاية عام 2022، إذ تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى التخفيض بمعدل 100 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، من أصل 145 مليار متر مكعب من الغاز تضخه روسيا إلى القارة العجوز. 

تجفيف مصادر الحرب 

هذه الخطة من أشد العقوبات الاقتصادية على روسيا، لتجفيف مصادر تمويل حربها في أوكرانيا، فقد اقترحت المفوضية الأوروبية الحظر الشامل للغاز والنفط الروسي في أسواق القارة عبر ثلاثة مسارات عمل تشمل تنويع إمدادات الغاز والقيام باستثمار ضخم في الطاقة المتجددة وزيادة كفاءة الاستهلاك.

لم تعد أوروبا راغبة في الاعتماد على الغاز الروسي، بعدما تحولت هذه التبعية الطاقوية إلى آلة للإخضاع السياسي يستخدمها سيد الكرملين للضغط على خصومه الغربيين، لأجل ذلك يسعى الاتحاد الأوروبي لتعويض إمدادات الغاز الروسي من "إسرائيل" ومصر ودول إفريقية أخرى مثل السنغال وأنغولا ونيجيريا. 

من التحديات التي تواجهها نيجيريا، إنتاجها القليل للكهرباء، الشيء الذي يضعف قدرتها على المنافسة

تملك نيجيريا احتياطات هائلة من الغاز بلغت 5.5 تريليون متر مكعب نهاية 2020، وهي الأولى في إفريقيا، إلا أن إنتاجها كان أقل من 50 مليار متر مكعب في نفس العام، وبلغت صادراتها نحو أوروبا 12.63 مليار متر مكعب عام 2021، من إجمالي الصادرات التي قدرت بـ23.3 مليار متر مكعب خلال نفس العام، مقابل 28.2 مليار متر مكعب عام 2020، ويعزى سبب تقليص إمدادات نيجيريا من الغاز المسال إلى مشاكل تقنية حالت دون العودة السريعة لبعض الخزانات المغلقة بسبب قيود الإنتاج التي فرضتها منظمة أوبك على البلاد. 

بلد غارق في الفقر 

من التحديات التي تواجهها نيجيريا، إنتاجها القليل للكهرباء، الشيء الذي يضعف قدرتها على المنافسة، ورغم الموارد الضخمة، فإن غالبية السكان غارقون في الفقر والبطالة، علاوة على اضطراب الأوضاع الأمنية في شمال البلاد، حيث تنشط في الجارة النيجر الجماعات المتشددة مثل بوكو حرام وأخرى موالية لتنظيم داعش الإرهابي.  

عام 2016، وقعت كل من نيجيريا والمغرب لأول مرة على اتفاق تعاون لمد أنبوب للغاز عبر 11 بلدًا في غرب إفريقيا، سيمتد على طول يناهز 5660 كيلومترًا تحت مياه المحيط الأطلسي، فيما يصر المغرب على أن تختار نيجيريا مرور خط الأنابيب في الصحراء بحجة أن المنطقة بها حاميات عسكرية كبيرة. 

صورة

يدخل المشروع الشطر الثاني من الدراسات القبلية المفصلة، إذ تمول أوبك جزءًا منه بمبلغ قيمته 14.3 مليون دولار، كما تهتم عدة دول بالاستثمار في خط الأنابيب، بما في ذلك روسيا، حسب ما صرح به وزير الدولة النيجيري للموارد البترولية تيميبر سيلفا، بأن الروس كانوا معه في مكتبه، وأبلغوه رغبتهم الشديدة في الاسثمار بهذا المشروع، هذا بالإضافة إلى مستثمرين آخرين أبدوا نفس الرغبة هم أيضًا.

من المرتقب أن يبدأ المشروع في مايو/أيار 2023، أي قبيل انتهاء صلاحيات الرئيس الحاليّ محمد بوخاري، وإلى الآن لم تُذكر أي تفاصيل عن تكلفة المشروع والميزانية المرصودة له، إلا أن هناك تقديرات تشير إلى 50 مليار دولار وأخرى تشير إلى 30 مليار دولار، بينما الدراسة التي هي قيد الإجراء فتتعلق بتقييم الأثر البيئي والاجتماعي لضمان امتثال المشروع لجميع المعايير البيئية المحلية والدولية.

دوافع الروس وموانع الغرب 

لماذا تمول الشركات الروسية مشروعًا سيتم استغلاله من طرف التحالف الغربي لتفعيل عقوبات قاسية على روسيا؟ الجواب هو أن الشركات الروسية راكمت خبرة واسعة في بناء خطوط أنابيب الغاز تحت الماء، وبالتالي تحتاج إلى تسويق وبيع هذه الخبرة على نطاق واسع، وإلا ستضيع تدريجيًا إذا لم يتم استغلالها بالشكل المطلوب. 

سيسعى التحالف الغربي إلى منع روسيا من إبرام صفقة مع نيجيريا والمغرب لبناء أنبوب الغاز

لا يتعلق الأمر فقط بالمشاريع تحت الماء، بل يتجاوز ذلك إلى حرب النفوذ في إفريقيا، فقد أضحت روسيا تزاحم الهيمنة الغربية والصينية في القارة التي تحوي احتياطات هائلة من الخام الذي يعتبر عصب صناعات المستقبل، وقد نجحت روسيا بالفعل في توسيع آفاق تعاونها العسكري والاقتصادي والسياسي مع الدول الإفريقية، مستفيدة من قرار أمريكا أواخر 2018 تقليص القوات الأمريكية في القارة، وكذا انسحاب القوات الفرنسية من مالي لتحل محلها مرتزقة فاغنر الروسية، ثم إن تنامي الهيمنة الصينية بعث الكثير من القلق لدى الأفارقة، ما جعلهم حريصين على تنويع الشركاء في التجارة والاستثمار. 

بالإضافة إلى تقليل الخسائر، لعل الروس يرغبون في الحفاظ على مكانتهم كـ"ملوك الغاز" في العالم، فإما أن تظل روسيا المورد الأساسي لهذا الوقود الأحفوري إلى أوروبا، وإما تضع يدها على أي مشروع تعتبره أوروبا بديلًا للغاز الروسي. 

على طرف النقيض، سيسعى التحالف الغربي إلى منع روسيا من إبرام صفقة مع نيجيريا والمغرب لبناء أنبوب الغاز، علمًا بأنه لم يصدر بعد أي تصريح من الجانب الروسي يؤكد هذه الرغبة أو ينفيها، لكن المسؤول النيجيري فقط هو من جاء على ذكرها، بالتالي ليس من المستبعد أن يكون الأمر مجرد ورقة يلعب بها النيجيريون من أجل الحصول على ظروف أفضل مع الشركاء الغربيين. 

قد يلوح الأوروبيون بفرض عقوبات على الشركات التي ستتعاون مع الروس، من أجل الضغط على نيجيريا لرفض التمويل الروسي، في مقابل أن يحظى المشروع بشروط تفضيلية من طرف الغرب مثل القروض الميسرة التي تمنحها المؤسسات المالية الدولية ولا تستطيع روسيا منافستها.