اضطر باشاغا للخروج من طرابلس تحت حماية اللواء 444 قتال

أكد رئيس الوزراء الذي اختاره البرلمان الليبي في طبرق، فتحي باشاغا، في أكثر من مرة منذ تعيينه في هذا المنصب نيته دخول العاصمة طرابلس لممارسة عمله من هناك لكن دون قتال وبشكل سلمي، مع ذلك نقض كلامه وحاول الدخول عنوة للعاصمة إسوة بما فعله حليفه خليفة حفتر قبل 3 سنوات، إلا أن محاولته باءت بالفشل هو الآخر، فخسر نقاطًا كثيرةً لها أن تؤثر سلبًا على مساره السياسي المستقبلي.

اقتحام فاشل

صباح أمس الثلاثاء كتبت حسابات مقربة من رئيس الحكومة الليبية المكلف من البرلمان على مواقع التواصل الاجتماعي أخبارًا تفيد بدخول باشاغا طرابلس وتسلمه الحكم وإبعاده رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، كما أكد باشاغا في كلمة مرئية مقتضبة دخوله طرابلس.

وسرعان ما وردت أخبارًا عن تبادل اشتباكات مسلحة في مناطق متفرقة من العاصمة خاصة منطقتي "المنصورة" و"جزيرة سوق الثلاثاء" القريبتين من مقر كتيبة "النواصي" بين مجموعات مسلحة مؤيدة لحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها الدبيبة، وأخرى داعمة لباشاغا، مباشرة إثر دخول الأخير إلى المدينة رفقة قوة مسلحة.

عقب ساعات من هذه الاشتباكات التي خلّفت قتيلًا وعددًا من الجرحى، تدخل اللواء 444 قتال التابع لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي، التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، ووفر ممرًا آمنا لباشاغا للخروج من طرابلس.

حاول باشاغا تكرار نفس المحاولة بالاستعانة بمجموعات مسلحة من داخل العاصمة، لكنه فشل في ذلك، فهو لم يقدر حجم قوة حكومة الدبيبة

وصل باشاغا إلى طرابلس عن طريق بلدة الزنتان (180 كيلومترًا غرب طرابلس)، رفقة رتل مسلح تابع لكتيبة النواصي (تسيطر الكتيبة على منطقة ميناء طرابلس ومحيطها وقطاع من منطقة طريق الشط)، مرورًا بمناطق سيطرة اللواء 444 قتال جنوب شرق طرابلس، الذي لم يعترضه.

في الأثناء، أعلنت وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية أن من وصفتها ب"مجموعة مسلحة خارجة عن القانون" حاولت التسلل إلى العاصمة لإثارة الفوضى باستخدام السلاح، وأفادت في بيان لها أن "الأجهزة العسكرية والأمنية تعاملت بإجراءات حازمة ومهنية لمنع هذه الفوضى وإعادة الاستقرار للعاصمة، ما أدى إلى فرارها من حيث أتت".

وذكرت الوزارة أن "هذه العملية الصبيانية المدعومة بأجندة حزبية قد تسببت في أضرار بشرية ومادية ما زالت أجهزة الدولة تعمل على حصرها ومعالجتها"، مشددة على أنها "ستضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المس بأمن المواطنين وسلامتهم وستطارد كل المتورطين في هذا العمل الجبان مهما كانت صفاتهم".

تفاصيل العملية

كان من المبرمج أن ينضم عدد من المجموعات المسلحة الموزعة في أماكن مختلفة في العاصمة إلى باشاغا حتى تتم السيطرة على مقار الحكومة بسرعة، إلا أن جهاز دعم الاستقرار التابع لحكومة الدبيبة (يمتلك جهاز دعم الاستقرار قدرات عسكرية كبيرة وأفرادًا مدربين تدريبًا قويًا ويتخذ الجهاز من حي أبو سليم، وسط العاصمة، مركزًا له) سارع للتحرك بقوة وطوّق كتيبة النواصي، ما جعل مجموعات عديدة تتراجع عن وعودها لباشاغا.

حوصر باشاغا في مقر فرقة النواصي، إلى أن تدخل اللواء 444 قتال لإخراجه من هناك ومن العاصمة ككل بعد الاتصال برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وجميع الكتائب العسكرية، لترتيب مغادرته سلميًا، وأوضح اللواء في تصريحات إعلامية أن سبب دخوله في وساطة لإخراج باشاغا من طرابلس، جاء لمنع انجرار العاصمة في الحرب والدماء.

وكان الدبيبة يعلم مسبقًا نية باشاغا دخول العاصمة بالقوة لذلك أعد العدّة مسبقًا، إذ انتشرت حشود عسكرية مُدجَّجة بالسلاح في مناطق مختلفة بالعاصمة خاصة في المناطق الحكومية لصد أي هجوم مرتقب، وأغلب هذه المجموعات من مصراتة التي ينتمي إليها باشاغا أيضًا إلا أن هذه التشكيلات المسلحة ترى ضرورة الوقوف في وجه أي خطر قادم من الشرق مع أهمية طرح مشروع الدستور للاستفتاء عليه، وإجراء انتخابات برلمانية عاجلة.

أسوة بخليفة حفتر

تذكرنا محاولة فتحي باشاغا اقتحام العاصمة طرابلس والحكم من هناك، بما سعى إليه قائد قوات الكرامة اللواء المتقاعد خليفة حفتر قبل 3 سنوات من الآن، ففي 4 أبريل/نيسان 2019 تحرك حفتر إلى جانب قواته العسكرية إلى العاصمة طرابلس قصد السيطرة عليها.

كان حفتر يمني النفس بتحقيق انتصارات سريعة على حساب قوات حكومة الوفاق الوطني التي كان يرأسها حينها فائز السراج، وكان يأمل في معاضدة بعض المجموعات المسلحة التي تناصره وتتمركز في العاصمة لجهوده قصد التسريع في الأمر.

خاب ظن حفتر ولم يتمكن من الوصول إلى العاصمة وأعاد أدراجه، نتيجة مقاومة قوات الوفاق وأيضًا الدعم الكبير الذي حظيت به حكومة السراج من الجانب التركي وحصولها على طائرات البيرقدار المسيرة.

كان باشاغا يظن أن سكان طرابلس سيخرجون للشوارع ترحيبًا به، إلا أنه تفاجأ بالرفض الكبير له

حاول باشاغا تكرار نفس المحاولة بالاستعانة بمجموعات مسلحة من داخل العاصمة، لكنه فشل في ذلك، فهو لم يقدر حجم قوة حكومة الدبيبة ولا مدى ولاء الجماعات المسلحة التي حثته على دخول طرابلس ووعدته بالعمل معه وحمايته إن تم ذلك.

يُذكر أن باشاغا قد شغل منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج، وكان من أشد أعداء حفتر في أثناء المعركة على طرابلس، إلا أنه تحالف معه، وبناءً على ذلك انتخبه البرلمان رئيسًا للحكومة خلفًا للدبيبة الذي يصر على عدم تسليم الحكم إلا لحكومة منتخبة.

"موت" سياسي

لم تكن خسائر باشاغا العسكرية خلال محاولته اقتحام طرابلس كبيرة كما كان عليه الوضع في صفوف قوات حفتر سنة 2019، لكن خسائره السياسية أكبر، فحفتر كان واضحًا منذ البداية، فهو عسكري يريد احتلال العاصمة لاستكمال مشروعه الانقلابي في ليبيا فيما باشاغا رئيس حكومة عينه البرلمان وأي خطوة غير محسوبة العواقب ستنقلب عليه كما هو الوضع الآن.

رغم تأكيد باشاغا في أكثر من مرة عدم نيته اقتحام العاصمة عسكريًا، فإنه أبى إلا أن يجرب حظه ويحاول الدخول عنوة، في ظل إصرار الدبيبة على عدم تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة شعبيًا بعيدًا عن صفقات البرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح.

يُفهم من هنا أن باشاغا اختار مسارًا تصعيديًا بعد تأكد عجزه من دخول العاصمة بالطرق السلمية دون أن يكون هناك إراقة للدماء كما كان يصرح في خطاباته، إذ لم يستطع الحصول على دعم القوى المتحكمة في الوضع الليبي سواء القوى الداخلية أم الخارجية.

من شأن هذا التصعيد العسكري، أن يعقد أفق الحلول السياسية للأزمة الليبية، ما قد يرفع درجة العنف المسلح بين الأطراف المتنازعة على السلطة في هذا البلد العربي الذي يرنو شعبه إلى بناء دولة ديمقراطية مدنية.

استهتار رئيس الحكومة المكلف من البرلمان بحياة الليبيين وقراره الدخول للعاصمة بقوة السلاح، سيكون له تداعيات كبيرة على مستقبل الرجل السياسي، فالمكانة التي حظي بها نتيجة مساهمته الكبيرة في التصدي لعدوان حفتر على طرابلس سنة 2019 بدأت في الأفول.

كان باشاغا يظن أن سكان طرابلس سيخرجون للشوارع ترحيبًا به، إلا أنه تفاجأ بالرفض الكبير له الذي ظهر جليًا في مواقع التواصل الاجتماعي، فالليبيون سئموا الحرب ويأملون في استقرار بلادهم ونهاية الانقسامات والصراعات بين مختلف الأطراف.

أراد باشاغا المباغتة للدخول إلى عاصمة واستلام مقرات الحكومة، إلا أن ذلك قوبل بالرفض، ما يعني الآن أن باشاغا مرفوض من الداخل والخارج، لكن في ظل إصراره على مواصلة "تحدي" الدبيبة كيف سيكون الوضع المستقبلي في البلاد؟