أشارت عملية تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة المجهولة على المواقع التابعة لعناصر حزب العمال الكردستاني أو الفصائل المتحالفة معه في مقتربات سنجار وجبال قنديل، إلى تحول مهم في طريقة تعاطي المخطط العسكري التركي مع الحزب، وذلك عبر استنساخ تجربة "إسرائيل" في شن هجمات مجهولة على المواقع الإيرانية في سوريا أو حتى في استنساخ تجربة خلايا الكاتيوشا في شن الهجمات الصاروخية على المواقع والمقرات الأمريكية في العراق.

ورغم عدم إعلان تركيا صراحة مسؤوليتها عن الهجمات المجهولة بالطائرات المسيرة، التي كان آخرها الهجوم بطائرات مسيرة مجهولة في 21 مايو/أيار 2022، استهدفت مقرًا ثابتًا لحزب العمال الكردستاني في منطقة أغجلر بقضاء جمجمال الذي يتبع إداريًا لمحافظة السليمانية، إلى جانب استهداف سيارة كانت تقل عددًا من عناصر الحزب في مخمور

تفعيل دور الهجمات المجهولة عبر الطائرات المسيرة مع عدم تبنيها، يشير بجانب ما تقدم إلى توجه القيادة السياسية التركية نحو عدم الاندفاع أكثر في شمال العراق

فمن الواضح أن هذه الهجمات تأتي بذات الطريقة التي نفذت بها تركيا هجمات سابقة وأعلنت مسؤوليتها عن تنفيذها، استهدفت عناصر وقيادات الحزب في سنجار، ومنها عملية اغتيال زكي شنكالي قائد وحدات مقاومة سنجار (YBŞ) بواسطة طائرة مسيرة في 15 أغسطس/آب 2018، بعد يوم من الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي إلى تركيا، ليصبح سعيد حسن سعيد قائدًا للوحدات وتم اغتياله أيضًا في 6 أغسطس/آب 2021، بذات الطريقة في مركز سنجار، وكانت عملية الاغتيال مترافقة مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى محافظة نينوى، وكان يعتزم زيارة سنجار في ذات اليوم الذي تمت فيه تصفية سعيد، إلا أنه تم إلغاء الزيارة، وكانت تركيا تحاول إرسال رسالة واضحة للرئيس الفرنسي عبر عملية الاغتيال هذه، خصوصًا أنها تتهم فرنسا بدعم حزب العمال الكردستاني.

ضرورات تقف خلف التحول التركي

مما لا شك فيه أن هناك العديد من الضرورات التي دفعت تركيا إلى تبني هذا النهج الإستراتيجي، ويأتي في مقدمتها التزاحم الكبير الذي بدأت تشهده الخريطة السنجارية، من حيث تعدد الجهات المسلحة المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني والمناوئة لتركيا وإقليم كردستان، فضلًا عن أن تركيا تحاول على ما يبدو استباق الزمن، من أجل فرض واقع أمني جديد في سنجار ومقترباتها، خشية أن يؤدي الحراك السياسي الحاليّ في العراق، إلى مجيء رئيس وزراء جديد مناوئ لتركيا وتوجهاتها في العراق.

تفعيل دور الهجمات المجهولة عبر الطائرات المسيرة مع عدم تبنيها، يشير بجانب ما تقدم إلى توجه القيادة السياسية التركية نحو عدم الاندفاع أكثر في شمال العراق

وما يوضح الخشية التركية في هذا السياق، أن الهجمات المجهولة عبر الطائرات المسيرة لم تستهدف مقرات حزب العمال الكردستاني فحسب، بل إن شهر أبريل/نيسان الماضي، شهد عملية قصف تعرض لها مقر الفوج 80 حشد شعبي في محيط منطقة زمار التابعة لمحافظة نينوى، ومن ثم فإن هذا الواقع يشير إلى احتمالية أن تشهد الفترة المقبلة، تصاعدًا في هذه الهجمات، خصوصًا أنها توفر لتركيا هامشًا واسعًا للإنكار بالوقوف خلفها.

وإلى جانب ما تم ذكره في أعلاه، وجدت تركيا نفسها في وضع معقد للغاية، بعد تصاعد عمليات الاستهداف التي تتعرض لها مصالحها الطاقوية في إقليم كردستان، وذلك عبر الاستهداف الصاروخي المستمر من خلايا مجهولة لمواقع شركة كار لنقل الغاز والطاقة من الإقليم إلى تركيا.

ورغم قيام تركيا في مطلع الشهر الحاليّ بعملية عسكرية "قفل المخلب" من أجل إبعاد عناصر الحزب من الممرات المقترحة لمرور أنابيب الغاز من الإقليم إلى تركيا، فإنها على ما يبدو ما زالت تواجه مهددًا آخر لا يقل تأثيرًا عن تهديد الحزب، والحديث هنا عن الفصائل الولائية المقربة من إيران من جهة والحليفة لحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى، التي تتبنى بدورها خطابًا معاديًا للدور التركي في العراق بصورة عامة ومحافظة نينوى بصورة خاصة.

الطائرات المسيرة التركية


أردوغان يضع توقيعه على طائرة مسيرة في قاعدة باتمان في تركيا

فعبر هذه العلاقة وجدت الفصائل الولائية نفسها في مواجهة مباشرة مع تركيا التي بدأت بدورها في شن العديد من العمليات العسكرية في شمال العراق منذ 15 يونيو/حزيران 2020، وتحديدًا في محيط سنجار وجبال قنديل، من أجل إخراج قوات حزب العمال الكردستاني منها، كما تعرضت مقرات وقيادات وحدات مقاومة سنجار بدورها، للقصف المدفعي والاستهداف بالمسيرات التركية، إذ دخلت الفصائل الولائية في مسار الصدام هذا، بحكم أن جزءًا كبيرًا من الوحدات منتظم ضمن الفوج 80 حشد شعبي.

إن تفعيل دور الهجمات المجهولة عبر الطائرات المسيرة مع عدم تبنيها، يشير بجانب ما تقدم إلى توجه القيادة السياسية التركية نحو عدم الاندفاع أكثر في شمال العراق، وتحديدًا على مستوى تنفيذ عمليات عسكرية بقوات برية، فالواقع السياسي التركي يواجه تحديات كبيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كما أن قوى المعارضة التركية عملت في الآونة الأخيرة على توظيف أي تعثر حكومي لخدمة أجندتها السياسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والأكثر من ذلك أن الأكرد في جنوب وجنوب شرق تركيا يمثلون كتلة تصويتية مهمة، سيحاول مرشحو الانتخابات الرئاسية الفوز بها، خصوصًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومرشح المعارضة "لم يتم الاتفاق عليه حتى اللحظة"، ومن ثم فإن التحول نحو هجمات مجهولة تحقق أهدافًا أكبر بجهد أقل، قد يصبح إستراتيجية عامة لتركيا في شمال العراق، حتى تتضح ملامح المشهد السياسي التركي مستقبلًا.