خلال الأعوام الماضية، وبصورة تدريجية، بدأت العديد من فئات عملة الجنيه السوداني في الاختفاء من الأسواق ومن تعاملات المواطنين، ابتداءً من فئة (1) جنيه الورقية، مرورًا بفئة (2) جنيه، وفئة (10) جنيهات وحتى فئة الـ(50) جنيهًا، فبات من النادر استخدامها في الأسواق السودانية، لتصير الفئات الكبيرة من عملة الجنيه السوداني (100 و200 و500)، الأكثر استخدامًا، قبل أن تنضاف إليها فئة 1000 جنيه التي أصدرها البنك المركزي مؤخرًا في ظل تدهور قيمة العملة وزيادة معدلات التضخم.

ورغم تأكيد بنك السودان المركزي عبر موقعه الرسمي سريان جميع تلك الفئات واعتبارها مبرئة للذمة، فإن واقع الحال يقول إن هذه الفئات في طريقها للانقراض لضعف قوتها الشرائية التي تكاد تكون منعدمة، فمن الصعب بمكان أن يجد المواطن السوداني نفسه قادرًا على إجراء معاملة ضرورية وأساسية، مهما كانت صغيرة، عبر تلك الفئات الصغيرة من العملة السودانية.

وإضافة للاجدوى هذه الفئات في التعاملات اليومية، فأيضًا بات حمل مبالغ مالية كبيرة نسبيًا أمرًا مرهقًا ومقلقًا، نتيجة لما يتطلبه ذلك عبر وضعها في حزم كبيرة صعبة في النقل والحركة، ما أفرز حالة من رفض المواطنين استلامها من البنوك.

أيضًا انحسر بشكل لافت وجود تلك الفئات في الأسواق، فبات من النادر وجود هذه الفئات الصغيرة حتى في التعاملات اليومية، وفي حال وجودها فإنها تكون مهترئة، فمن الواضح أن مطابع العملة تقلل من الدفعات المطبوعة الجديدة لهذه الفئات التي ظن بعض المواطنين أنها لم تعد عملة رسمية، ما يدفعهم لعدم قبولها في بعض المعاملات.

ما الذي يمكن أن يشتريه جنيه سوداني واحد؟

يبلغ سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي نحو 570 جنيهًا، فقد شهد الجنيه السوداني هبوطًا قياسيًا خلال الأعوام الـ3 الماضية، مرورًا بحالات تعويم متعددة، في محاولات كبح جماح الدولار، إذ كان يبلغ سعر الجنيه السوداني مقابل العملة الأمريكية حتى نهايات العام 2019 نحو 80 جنيهًا للدولار الواحد.

باتت معظم التعاملات التجارية اليومية تتم عبر فئات 100 و200 جنيه

ومنذ ذلك الوقت ظل الجنيه السوداني يتهاوى بالرغم من مروره بفترة استقرار نسبي أعقبت رفع السودان رسميًا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب - استقر الجنيه عند 440 مقابل الدولار - بالإضافة إلى بعض الفتوحات الاقتصادية التي نجحت فيها حكومة عبد الله حمدوك المُنقلب عليها، عبر جذب عدد من مشاريع الاستثمارات الخارجية، بالإضافة إلى الوعود بإعفاء السودان من الديون التي نجح في اقتلاعها من مجموعة كبيرة من الدائنين الدوليين، هذا قبل أن تتراجع المجموعة عن وعودها بسبب انقلاب البرهان.

ومع هذا التضخم باتت معظم التعاملات التجارية اليومية تتم عبر فئات 100 و200 جنيه، فحتى إن كنت تود شراء علكة رخيصة من إحدى البقالات ستجد نفسك مضطرًا لدفع مبلغ يفوق مئة جنيه سوداني.

وبالنسبة للحياة اليومية وتكاليف المعيشة، فيبلغ سعر كيلو اللحم البقري في الأسواق السودانية نحو 2500 جنيه سوداني، فيما تبلغ قطعة الخبز الواحدة ما يقارب 100 جنيه سوداني في بعض الأسواق، ولا تقل عن 50 جنيهًا في الأسواق المدعومة حكوميًا.

أما في قطاع المواصلات العامة، ومع الزيادات المتتالية في أسعار الوقود منذ رفع الدعم رسميًا عن المحروقات، فتكلفة أرخص المواصلات العامة الداخلية في العاصمة الخرطوم لا تقل عن 300 جنيه، فيما تبلغ تكلفة أقل التوصيلات الخاصة (سيارة أجرة) داخل العاصمة الخرطوم نحو 2000 جنيه سوداني.

يمكن القول - حرفيًا - إنه لا توجد سلعة يمكنك شراءها أو معاملة يمكنك إجراءها، عبر مبلغ جنيه سوداني، بل في الحقيقة أن الورقة المالية من فئة 100 جنيه، هي الورقة التي باتت أكثر استخدامًا، باعتبارها الوحدة الأساسية الحقيقية للقوة الشرائية للجنيه السوداني، هذا مع غياب تام للعملات الكسرية من الجنيه "القرش" التي كانت تصدر حتى قبل أعوام في شكل عملات معدنية.

أزمة جديدة تضاف إلى كاهل المواطن

مطلع أغسطس/آب الحاليّ، تناقلت وسائل إعلام محلية، على لسان تجار ومستوردين سودانيين، أن هيئة الجمارك أقرت زيادة في سعر الدولار الجمركي ليرتفع من 455 جنيهًا إلى 564 جنيهًا، ما خلق حالة من التخوف وسط التجار والمواطنين على حد سواء.

ورغم نفي الجهات الرسمية زيادتها لسعر الدولار الجمركي في السودان بصورة رسمية، عبر قولها إنها فقط تتبع توجيهات ومؤشرات البنك المركزي تجاه أسعار العملات، فإن واقع الحال يقول إن سعر الدولار الجمركي - الذي قياسًا عليه يتم استخلاص الجمارك على البضائع الواردة إلى السودان - قفز قفزة مفاجئة بشهادة تجار ومتعاملين مع هيئة الجمارك.

وقال الناطق باسم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، في بيان عقب الأخبار التي تم تداولها بخصوص رفع سعر الدولار الجمركي، نافيًا تلك الأخبار، إن وزارة المالية ألغت ما يسمى "الدولار الجمركي" منذ يونيو/حزيران 2021، هذا قبل أن يعود ويقر بوجود زيادة في سعر الدولار الجمركي الذي دعاه هذه المرة بـ"الدولار لدى الجمارك" نسبة لتأثره بسعر الصرف وتوجيهات بنك السودان المركزي!

ومن المتوقع أن تخلف الخطوة زيادة كبيرة في سعر السلع الاستهلاكية، التي يستورد السودان عددًا كبيرًا منها من الخارج، هذا إضافة إلى الزيادة حتى في مدخلات الإنتاج التي يتم استيرادها بغرض الاستفادة منها في المنتجات المصنعة وطنيًا، إذ تخضع معظم الواردات في السودان للجباية والضرائب، مع استثناء بعض القطاعات كمدخلات الإنتاج الزراعية.

الهروب.. خيار الأسر السودانية

بات من اللافت مؤخرًا اتجاه السودانيين للهروب خارج البلاد، خاصة الأسر الصغيرة، فقد نشطت في الآونة الأخيرة هجرة عدد كبير من السودانيين إلى عدد من الدول الأخرى، بالتركيز على دولة مصر المجاورة، التي كانت تتمتع - حتى وقت قريب - بأوضاع اقتصادية أفضل مقارنة بالسودان، مع انخفاض تكاليف المعيشة والسكن فيها.

وكانت مصر حتى وقت قريب الخيار الأفضل والأسهل للسودانيين لمواصلة حياتهم، بسبب قرب المسافة وانخفاض تكلفة السفر إليها، التي من الممكن أن تتم برًا عبر المعابر الحدودية بين البلدين، لكن مع بداية التردي الاقتصادي الذي ألم بالاقتصاد المصري مؤخرًا، يبدو أن واحدة من أبواب هروب السودانيين ستغلق في أوجههم.

ومثلت مصر الخيار الإستراتيجي للسودانيين نسبة لانخفاض تكاليف السكن، وحتى تملك العقارات والمنازل السكنية، ففي السودان لا تقل تكلفة اقتناء منزل صغير متواضع في أحد أطراف العاصمة الخرطوم، عن 40 مليون جنيه سوداني (70 ألف دولار)، فيما قد تبلغ كلفة منزل متوسط في وسط العاصمة الخرطوم مئات آلاف الدولارات.

وبالنسبة لإيجار العقارات السكنية، فعلى ذات المنوال تشهد العقارات ارتفاعًا جنونيًا منذ سنوات، إذ تبلغ كلفة استئجار شقة متواضعة في أحد الأحياء الطرفية في الخرطوم، والبعيدة عن الشوارع الرئيسية والمناطق الخدمية، نحو 180 ألف جنيه في الشهر، أي ما يعادل نحو 300 دولار أمريكي.

هذا الواقع السوداوي للاقتصاد السوداني، يوضح حقيقة أن الأزمة الاقتصادية أضحت أزمة بنيوية، يصعب حلها دون إصلاحات حقيقية وهيكلية في الاقتصاد السوداني، كما أن حقيقة تهاوي قيمة العملة الوطنية وفقدانها لأكثر من 500% سنوات قلائل، يوضح أن معالجة الأزمة لن يكون بين ليلة وضحاها، بل ربما يحتاج السودان لسنوات طوال، ربما تطول أكثر، إذا لم يفلح السودان في خلق استقرار سياسي في الأشهر المقبلة، يكون الخطوة الأولى لوقف هذا التدهور.