مظاهرات لأهالي الوراق المصرية يرفضون فيها التخلي عن منازلهم

تشهد جزيرة "الوراق" القابعة في قلب نيل القاهرة، الأسبوع الحاليّ، موجات كر وفر عاتية، بين سكانها وقوات الأمن إثر محاولات الأخيرة تهجير أهالي الجزيرة وترحيلهم عن منازلهم وأراضيهم، تنفيذًا لمخطط استثمارها وتحويلها إلى مشروع عمراني كبير، وسط رفض قوي وتشبث لأبنائها ببيوتهم وممتلكاتهم.

وقد أظهرت بعض مقاطع الفيديو المصورة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي مقاومة الأهالي لمدرعات الأمن المدججة بالسلاح، حيث الرمي بالحجارة وترديد شعارات تشبه الحكومة بـ"دولة الاحتلال" وأنها تريد تهجير المواطنين من منازلهم كما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما كان الرد اعتقال العشرات بسبب مقاومتهم للشرطة في أثناء تنفيذهم لقرارات التهجير.

وتعود أزمة الجزيرة إلى عام 2000 إثر نزاع قانوني نشب بين الحكومة وسكانها بشأن تحويلها إلى منفعة عامة، وهو النزاع الذي حسمه القضاء لصالح الأهالي بأحقيتهم ملكية أراضيها، ورغم ذلك عاودت الدولة مرة أخرى فتح هذا الملف في 2017 بعد تسريب معلومات تشير إلى وجود مستثمرين خليجيين يخططون لشراء تلك المنطقة الحيوية لتحويلها إلى مشروع استثماري كبير، وكان السكان هم العقبة الكبرى أمام هذا المخطط.

وفي يوليو/تموز الماضي كشفت الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية) أن الجزيرة التي يبلغ مساحتها 1600 فدان ويقطنها أكثر من 100 ألف نسمة، سيتم تغيير اسمها إلى "مدينة حورس" في ضوء مخطط استثماري هائل (يضمّ ثماني مناطق استثمارية ومنطقة تجارية ومنطقة إسكان متميّز، كذلك سوف تُنشأ حديقة مركزية فيه ومنطقة خضراء و2 مارينا وواجهة نهرية سياحية، إضافة لمنطقة ثقافية وكورنيش سياحي) تبلغ كلفته 17.5 مليار جنيه مصري (نحو 915 مليون دولار أمريكي)، بهدف تحقيق إيرادات بنحو 122.54 مليار جنيه (نحو 6.4 مليار دولار)، وأن الإيرادات السنوية تبلغ 20.422 مليار جنيه (1.07 مليار دولار) لمدّة 25 عامًا.

ردود فعل غاضبة نقلتها صفحات شبكات التواصل توثق حجم الانتهاكات التي يتعرض لها السكان من قوات الأمن، والضغوط التي تمارس عليهم لإخراجهم من منازلهم وسلب ممتلكاتهم، اعتقالات بالجملة، وابتزازات على مدار الساعة، محاولات استمالة لا تتوقف، وتلويح بالتصعيد بين الحين والآخر، وسط نفي رسمي إزاء كل ما يقال.. فماذا يحدث في جزيرة "الوراق"؟

5 سنوات من المواجهات المباشرة

لم ينته النزاع داخل الجزيرة بالحكم القضائي الصادر عام 2002 بأحقيتهم في امتلاك أراضيهم، إذ سعت الدولة بين الحين والآخر إلى التحرش بسكانها عبر بعض المضايقات التي كانت تستهدف الضغط عليهم لإجبارهم على الخروج خاصة بعدما تحولت الجزيرة إلى مطمع للمستثمرين الأجانب نظرًا لموقعها الحيوي المتميز.

وفي صباح 16 يوليو/تموز 2017 فوجئ الأهالي بعشرات المدرعات والعربات المصفحة والجنود والضباط يقتحمون الجزيرة من أكثر من جانب، بهدف إزالة بعض المنازل بدعوى عدم قانونيتها، التطور الذي رفضه الأهالي الذين تصدوا لتلك الحملة لتنشب المواجهات بين الطرفين ويسقط على إثرها قتيل وعشرات الجرحى، وأمام هذا الوضع المشتعل اضطرت قوات الأمن للانسحاب خشية التصعيد من ذوي الضحايا وسكان الجزيرة.

ومنذ 2017 وحتى اليوم لا تكف الحكومة عن التحرش بالجزيرة، تارة باسم مخالفة العقارات لقوانين البناء، وتارة بدعوى تجريف وتبوير الأراضي الزراعية، وتارة ثالثة باسم دخول السواد الأعظم من الجزيرة ضمن قانون المنفعة العامة الذي يسمح للحكومة بالحصول على الأراضي والممتلكات نظير تعويض أصحابها ماديًا.

ما يحدث في "الوراق" ليس ببعيد عن عشرات الجزر الأخرى الواقعة في قلب النيل بين القاهرة والجيزة، فهناك أكثر من 80 جزيرة مشابهة تخطط الدولة للحصول عليها لتحويلها إلى مشروعات استثمارية كبرى، أبرز تلك الجزر: الدهب، القرصاية، الوراق، محمد، بين البحرين، ما يعني أن أزمة "الوراق" لن تكون الأخيرة في هذا الملف.

مخالفة للدستور

بعيدًا عن حكم القضاء بحق سكان الجزيرة في أراضيهم ومنازلهم الذي لا يمكن الطعن عليه كونه حكمًا نهائيًا أسقط النزاع بين الحكومة والأهالي منذ أكثر من عقدين تقريبًا، فإن الممارسات السلطوية التي تقوم بها الدولة حاليًّا بحق الوراق ينسف ما جاء في الدستور الحديث الذي وضعه النظام الحاليّ في 2014.

ففيما يتعلق بالمادة الثامنة من الدستور فإن على الدولة "تحقيق العدالة الاجتماعية وسبل التضامن الاجتماعي بما يضمن الحياة الكريمة للمواطنين"، وهو ما يتعارض شكلًا ومضمونًا مع ممارسات تهجير السكان من منازلهم وسلبهم أراضيهم رغمًا عنهم حتى لو كان ذلك بمقابل، الأمر كذلك في تجريف الأراضي الزراعية بالجزيرة للبناء عليها وهو ما يتناقض مع المادة التاسعة والعشرين من الدستور التي تنص على حماية الدولة للرقعة الزراعية.

أما المادة الخامسة والثلاثين فتنص على حماية حق الملكية الخاصة للمواطنين، وهو عكس ما يجري على قدم وساق داخل الجزيرة، حيث سلب ممتلكات المواطنين قهرًا، والضغط عليهم لقبول ذلك، وفي هذا الشأن تنص المادة الأربعين من الدستور ذاته على عدم مصادرة الأموال الخاصة إلا بحكم قضائي.

وفيما يتعلق بالحفاظ على كرامة المواطن وتوفير حياة آمنة له تؤكد المادتان الحادية والخمسين والتاسعة والخمسين على هذا الحق، بينما يُروع الأهالي ومن بينهم الأطفال والنساء كل يوم بحملات مكثفة وغاز مسيل للدموع ورصاص مطاطي بهدف إجبارهم على الرحيل، رغم أن المادة الثالثة والستين من الدستور تحظر التهجير القسري للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، وتعتبره جريمة لا تسقط بالتقادم.

الحكومة تنفي

في تصريحات تليفزيونية عقب اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في 18 أغسطس/آب الحاليّ، نفى وزير الإسكان، عاصم الجزار، ما تردد بشأن تهجير الحكومة لسكان الجزيرة قسريًا، لافتًا إلى أن كل الجزر الموجودة داخل النيل محميات طبيعية وتخضع لسلطة الدولة، وأن هناك تغولًا عمرانيًا على تلك البقاع بما يهددها، مشيرًا إلى أنه عام 1996 كانت المساحة المبنية على الوراق 60 فدانًا فقط، قفزت عام 2019 حتى وصلت إلى 400 فدان.

وكشف أن الدولة تبنت سياسة التراضي مع الأهالي في عملية شراء 1295 فدانًا هي إجمالي مساحة الجزيرة، منوهًا أن سعر الفدان في الوراق كما حددته الحكومة 6 ملايين جنيه، وأن ما تم شراؤه حتى أول أمس 888.6 فدان، وهو ما يمثل 71% من مساحة الجزيرة بتكلفة 5 مليارات جنيه، تم صرفها مباشرة لأصحاب هذه الأراضي.

كما استعرض في تصريحاته البدائل التي قدمتها الحكومة أمام السكان - على حد قوله - منها "توفير أراض زراعية للراغبين في الحصول على أراض زراعية خارج الجزيرة، وذلك من خلال مبادلة الفدان داخلها بـ19 فدانًا خارجها، عبر توفيرها بمدينة السادات"، أما فيما يتعلق بالمباني فقال: "بدأنا نطبق ما قمنا به في مختلف مناطق إعادة التخطيط على مستوى الجمهورية، كمناطق ماسبيرو ومجرى العيون وروضة السيدة؛ حيث بدأنا بتعويض الملاك سواء كانوا ملاك أراض أم وحدات، بثلاثة أنواع من التعويض، فبالنسبة لحائز الوحدة، إذا كان مؤجرًا، يتم تعويضه، والمالك يعوض عن ملكيته، ومالك الأرض يعوض عن الأرض، والتعويض محسوب وفقًا لتقدير جهات التقييم، في اللجنة الرباعية، بالإضافة إلى تعويض اجتماعي لكل وحدة، وبالتالي نقوم بتعويض الساكن، ويمنح تعويض عن المكان الذي يسكنه، كما أنه يحصل على تعويض اجتماعي أيضًا لكونه قد ينتقل الى مكان آخر".

واختتم الوزير حديثه بأن "مسار الدولة في التعامل مع المناطق ذات الخطورة الداهمة مسار واحد ومحدد، يضع في الحسبان مصالح الطرفين الدولة والمواطنين، حيث يحقق للدولة أهدافها في الحفاظ على البيئة والتقليل من المخاطر التي من الممكن أن يتعرض لها المواطنون، كما يضمن للمواطن العيش في بيئة آمنة وحياة أفضل".

ترهيب وابتزاز

أهالي الوراق كذبوا وبشكل صريح مزاعم الحكومة فيما يتعلق بشراء منازلهم بالتراضي والحصول على التعويضات الملائمة، مؤكدين أن غالبية سكان الجزيرة رفضوا فكرة الترحيل من الأساس، والتخلي عن بيوتهم وأراضيهم وذكرياتهم فوق تلك المنطقة التي عاشوا فيها عشرات السنين.

وتأكيدًا على ذلك زخرت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات الفيديوهات التي تؤكد واقعة الرفض الشعبي لما يتم فوق جزيرتهم، فالمظاهرات التي تخرج كل يوم تنديدًا بالسياسات الحكومية، والمقاومة التي يبديها شباب الجزيرة ضد قوات الأمن، والمفاوضات المستمرة بين الطرفين، تؤكد أن الأمور لم تكن بالتراضي كما أشار وزير الإسكان.

وفي سبيل إجبار الأهالي على الرحيل تبنت الحكومة سياسة الترهيب والوعيد، فكثفت من هجماتها واقتحاماتها في فترات متفرقة من اليوم ومن مختلف الجهات، بما يبث الرعب في نفوس السكان ما يدفعهم لقبول العرض المقدم لهم بترك بيوتهم نظير مقابل مادي، وهو ما بدا واضحًا منذ 2017.

ففي هذا العام ألقت الحكومة القبض على العشرات من أبناء الجزيرة بزعم مقاومة السلطات، وبالفعل حولوا إلى نيابات أمن الدولة العليا وصدرت بحقهم أحكام قاسية تتراوح بين 5 – 25 عامًا على قرابة 35 شخصًا، ورغم أن المحكوم بحقهم لم يزج بهم في السجن فإن الحكم في حد ذاته كان ورقة ضغط كبيرة لابتزاز الأهالي، وهو ما قد كان بحسب شهود عيان.

واستمرارًا لهذا النهج، ألقت قوات الأمن القبض على 23 من أهالي الوراق بسبب مقاومتهم عمليات رفع قياسات منازل تمهيدًا لنزع ملكيتها ثم هدمها، فيما أفرجت عنهم لاحقًا بعد اشتعال التظاهرات وتفاقم الغضب الشعبي، لكن سرعان ما تكررت الواقعة مرة أخرى في 19 من الشهر الحاليّ بإلقاء القبض على 14 من اﻷهالي، أفرجت الشرطة بداية عن سبعة منهم، واستبقت السبعة الآخرين الذين أخلت سبيلهم لاحقًا، بحسب موقع "مدى مصر".

ونقل الموقع عن أحد المصادر داخل الجزيرة ممن التقى عددًا من المعتقلين بعد الإفراج عنهم قوله إنهم "نُقلوا معصوبي الأعين إلى جهة غير معلومة، قبل نقلهم إلى مقر جهاز الأمن الوطني حيث حقق معهم معصوبي الأعين في ظل معاملة حسنة نسبيًا، قياسًا لما تعرضوا له من اعتداءات  قبل نقلهم من الجزيرة".

وتمارس الحكومة جهودًا حثيثة للضغط على الأهالي لمغادرة الجزيرة في أسرع وقت تمهيدًا لهدم كل المنازل وتبوير الأراضي الزراعية الموجودة للبدء في المشروع الاستثماري الذي تعول عليه الدولة في إنعاش خزينة البلاد بعشرات المليارات في وقت تعاني فيه من عجز مستمر وتفاقم حجم الدين وصولًا إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الدولة.. لكن هنا تساؤل يفرض نفسه: هل للإمارات علاقة بما يحدث في الوراق؟

ما دور الإمارات؟

في تقرير سابق لـ"نون بوست" تحت عنوان "أيادي الإمارات تطال جزيرة الوراق المصرية.. فهل تسعى لأخذ حصتها بعد السعودية؟" تطرق إلى ما يثار بشأن علاقة الإمارات بما يحدث في الجزيرة في ظل التسريبات التي تشير إلى سيطرة مستثمرين إماراتيين على الجزء الأكبر من المشروع المزمع إقامته على أنقاض منازل المهجرين.

التقرير ألقى الضوء على النسخة التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي عبر المكتب الهندسي الإماراتي "آر إس بيه" بشأن المشروع الإماراتي فوق الوراق الذي يعود إلى عام 2013، حيث أشارت الرسوم الهندسية المسربة إلى أن المخطط الرئيسي "ولد من الرغبة في تحقيق مدينة جميلة، يمكن من خلالها تحقيق الأحلام، في بيئة حضارية جوهرية، تجعل من ابتسامة السكان كل يوم، أساسًا للحياة".

ورغم عودة الحديث مجددًا عن أيادي إماراتية في هذا الملف، فإنه وحتى كتابة تلك السطور لا يوجد تأكيد موثق على هيمنة الإمارات على الجزيرة، لكن المؤشرات العامة تذهب في اتجاه تبني القاهرة سياسة "بيع الأصول" للأجانب لتسديد ديونها الخارجية من جانب والحصول على سيولة نقدية لمواجهة الأزمة الطاحنة الناجمة عن فشل السياسات المتبعة من جانب آخر، المؤشرات ذاتها تقول إن الإمارات صاحبة اليد الطولى في الاستحواذ على الجزء الأكبر من الأصول والممتلكات التي باعتها الحكومة المصرية خلال الآونة الأخيرة.

وتتصدر الإمارات قائمة الدول الأكثر استثمارًا في مصر بقيمة 15 مليار دولار، وذلك من خلال 1165 شركة إماراتية تعمل في السوق المصري، ومن المتوقع ارتفاع هذا المعدل إلى 35 مليار دولار خلال السنوات العشرة المقبلة، فيما أبرمت خلال العام 2021/2022 أكثر من من 20 صفقة استحواذ بزيادة قدرها 67% عن العام السابق.

في المجمل فإن أهل الوراق لم يلقوا بالمنديل بعد، ولم يرفعوا راية الاستسلام البيضاء حتى اليوم، رغم الضغوط والابتزاز الذي يتعرضون له ليل نهار، ليقدموا واحدة من الملاحم الوطنية في الدفاع عن منازلهم وأراضيهم في مواجهة سلطة لا تمانع مطلقًا في دهس الإنسانية تحت أقدام الرأسمالية والبرغماتية للخروج من عنق الزجاجة، حتى لو كان المقابل أصول الدولة وتفريغها من مواردها.