تقرير جديد نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحدث عن خلاف حاد بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن والكونغرس بشأن المساعدات العسكرية لمصر، أعاد الجدل من جديد إلى التعهدات التي قطعها الرئيس بايدن في حملته الانتخابية، بأن تكون حقوق الإنسان محور سياسته الخارجية.

لكن بعد مرور عام ونصف تلاشت معظم هذه الوعود، ففي الشرق الأوسط استمر دعم الولايات المتحدة لحكام متسلطين مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي نفذ انقلابًا عسكريًا في يوليو/تموز 2013 على أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا الراحل محمد مرسي.

وفيما يتعلق بالسعودية نشرت الإدارة تقريرًا داخليًا للمخابرات ربط بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة، ومقتل الصحفي جمال خاشقجي، لكن إدارة بايدن تجنبت اتخاذ أي إجراء بحق الأمير نفسه.

نتائج متواضعة لجهود إدارة بايدن

أثمرت ضغوط الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس بايدن عن نتائج متواضعة، مثل إفراج السلطات السعودية عن الناشطة لجين الهذلول التي عاقبتها محكمة في الرياض بالسجن خمس سنوات وثمانية أشهر بعدما أدانتها بالتحريض على "تغيير النظام وخدمة أطراف خارجية".

جاء قرار الإفراج عن لجين بعد مرور أقل من أسبوع على تصريح المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض جين ساكي التي قالت: "الولايات المتحدة بانتظار تحسين السعودية لسجلها في حقوق الإنسان، بما في ذلك الإفراج عن النشطاء المدافعين عن حقوق المرأة والسجناء السياسيين الآخرين".

أما فيما يتعلق بمصر، قررت إدارة بايدن حجب 130 مليون دولار من الدعم الأجنبي العسكري السنوي المخصص لمصر "1.3 مليار دولار"، واشترطت للإفراج عنه تحقيق مصر مجموعة من المطالب المتعلقة بحقوق الإنسان.

وبحسب التقارير الصحافية فإن هذه المطالب تضم الإفراج عن 16 شخصًا وإغلاق التحقيق الذي يجري منذ سنوات على عمل المنظمات غير الحكومية التي تعرف بالحالة 173، لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس رفض تقديم تفاصيل عن المطالب قائلًا: "لا أرغب في الكشف عن أحاديث خاصة مع مصر"، وتساءلت صحيفة واشنطن بوست وقتها: لماذا كل هذه السرية؟ وما رد مصر على هذه المطالب؟

يلاحظ أن ما حجبته إدارة بايدن من المساعدات العسكرية السنوية لمصر لا يشكل إلا نسبة ضئيلة من حجم المساعدات التي ظلت الولايات المتحدة تقدمها للقاهرة منذ الثمانينيات.

لكن صحيفة "واشنطن بوست"، اعتبرت في افتتاحية لها أن قرار حجب 130 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر تطور مهم، واستدركت الصحيفة بأن قرار الرئيس بايدن حجب جزء من الدعم الأجنبي العسكري المخصص لمصر واشتراط الإفراج عنه بتحقيق مجموعة من المطالب المتعلقة بحقوق الإنسان، لن ينهي الانتهاكات الفظيعة والمستمرة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ترى الصحيفة أن الرسالة ربما كانت ستكون أقوى لو حجبت الإدارة مبلغ الـ300 مليون دولار التي ربطها الكونغرس بالمجالات المتعلقة بتقدم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فمن بين 1.3 مليار دولار من الدعم العسكري السنوي لمصر، اشترط الكونغرس الإفراج عن 300 مليون دولار بعد شهادة من وزير الخارجية تؤكد أن مصر "اتخذت الخطوات الفعالة والمستدامة لتقوية حكم القانون والمؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان"، بما في ذلك الإفراج عن السجناء والسماح لمنظمات المجتمع المدني بممارسة نشاطاتها وفتح المجال أمام حرية الصحافة والتحقيق في عمليات القتل خارج القانون، من بين عدة أمور.

السيسي استفاد من الحرب على غزة وأوكرانيا

من الواضح أن ملف تعامل واشنطن مع القاهرة يخضع إلى التباينات داخل إدارة بايدن، إضافة إلى استجابة الإدارة لتطورات الأحداث المتلاحقة، ففي الأشهر الأولى لرئاسته لم يجر الرئيس بايدن أي نوع من التواصل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى أن اضطر لذلك بعد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة العام الماضي، ورد المقاومة بإطلاق الصواريخ.

فمنذ تولى بايدن منصبه في 20 يناير/كانون الثاني 2021، لم يجرِ أي اتصالات مع نظيره المصري، ولم يحدث اتصال على مستوى وزاري بين البلدين، وحتى عندما أجرى الرئيس الأمريكي اتصالاته مع بعض الزعماء في الشرق الأوسط مثل الملك سلمان ونتنياهو، لم يكن السيسي واحدًا منهم ولم يكن متوقعًا أن يكون، بحسب المراقبين ومسار الأحداث، إلى أن حدث الهجوم الإسرائيلي على غزة العام الماضي.

ذلك أن بايدن كان - في أثناء حملته الانتخابية - واضحًا في صياغة الكيفية التي ستكون عليها علاقة إدارته بنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ كتب على تويتر في يوليو/تموز 2020: "لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل"، في إشارة إلى العلاقة الخاصة التي جمعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالرئيس المصري الذي يواجه نظامه انتقادات دولية مستمرة بسبب سجله السيئ في مجال حقوق الإنسان.

إلا أن الرئيس بايدن تعرض لانتقادات لاذعة عندما زار وزير خارجيته القاهرة العام الماضي، نقل خلالها الوزير بلينكن شكر الرئيس للسيسي على المساعدة في وقف التصعيد بين "إسرائيل" وحركة حماس، ما شكل موقفًا محرجًا لبايدن ووزير خارجيته اللذين قالا مرارًا وتكرارًا إن حقوق الإنسان في صميم السياسة الخارجية في عهد بايدن وأن حقوق الإنسان لا تحظى باحترام السيسي، حيث وثقت العديد من التقارير ذات المصداقية قيام الأمن المصري بتصفية واعتقال وتعذيب المعارضين والنشطاء، بل إنه يتم اعتقال الأشخاص لأسباب تافهة مثل الإعجاب بمنشور على مواقع التواصل ينتقد النظام!

حتى في نهاية التصعيد الأخير الذي بدأه الاحتلال الإسرائيلي بعدوانه على قطاع غزة واستهداف قيادات في حركة الجهاد الإسلامي مطلع الشهر الحاليّ، جدد الرئيس الأمريكي بايدن شكره للسيسي في بيان صحفي على الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ساعدت هذه التطورات السيسي على الاستفادة منها للتأثير على واشنطن وتجنب الانتقادات، كما لعبت الحرب الروسية على أوكرانيا دورًا في التقريب بين واشنطن ونظام السيسي، فالحرب دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في الانسحاب من المنطقة لأهميتها السياسية.

وبالعودة إلى تقرير مجلة "فورين بوليسي" الذي كتبه محرر الشؤون الدبلوماسية والأمن القومي روبي جرامر، فإن هناك مجموعة متزايدة من الحقوقيين والمشرعين - لا سيما من الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي - يريدون من الرئيس بايدن أن يبعث رسالة إلى السيسي مفادها أن واشنطن لن تقبل الوضع الراهن بإرسال القدر نفسه من المساعدة العسكرية، في ضوء سجل حقوق الإنسان المتردي بمصر.

يجادل هؤلاء المشرعون والحقوقيون بأن القيام بأي شيء أقل من ذلك، يعني أن بايدن يتنصل من الوعد الذي قطعه خلال حملته الرئاسية، بأن يجعل حقوق الإنسان محورًا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وقال مدير المناصرة في مشروع الديمقراطية بالشرق الأوسط سيث بيندر: "حالة حقوق الإنسان في مصر مروعة تمامًا كما كانت قبل تولي بايدن السلطة، وكما كانت في العام الماضي، وكما هي الآن".

على الجانب الآخر، يتخذ مسؤولون في إدارة بايدن إلى جانب المشرعين موقفًا مغايرًا، إذ يعتقدون أن مصر لا تزال حليفًا مهمًا في الشرق الأوسط حتى في ضوء حكم السيسي الاستبدادي، بحسب المجلة، ويجادل هؤلاء المسؤولون بأن مصر تتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب وتساعد المنطقة في الحفاظ على توازن مستقر مع "إسرائيل".

يرى هذا الطرف أن حجب المساعدات العسكرية عن مصر قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالعلاقات الأمريكية المصرية، ودفع القاهرة إلى الاقتراب من المنافسين الجيوسياسيين مثل روسيا والصين، وفي النهاية لا تفعل شيئًا يُذكر لتغيير سجل البلاد في مجال حقوق الإنسان.

خيارات التيار التقدمي 

يمكن القول إن التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي أصبح قوةً لا يستهان بها، للضغط على إدارة بايدن وتقديمها تنازلات لصالح التيار، كما حدث في خطط مكافحة التغير المناخي، إلى ملف العدالة العرقية والمهاجرين في الولايات المتحدة.

كما أن التحرك الأخير الذي قاده التقدميون مع إدارة بايدن يدل على أن الفرقعات التي اقترحها مستشارو السيسي لتخفيف الضغط عنه مثل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وإغلاق بعض الملفات في قضية منظمات المجتمع المدني، إلى لجنة العفو الرئاسي ولجنة الحوار الوطني، كل ذلك لم ينجح في إقناع جزء مقدر من المشرعين إلى جانب المنظمات الحقوقية.

احتمالية أن يتبلور هذا التحرك الذي يقوده عدد من أعضاء الكونغرس ليصبح تشريعًا يستهدف تحجيم المساعدات العسكرية لمصر أو تقديم مشروع قانون جديد لتنظيم المساعدات العسكرية، هو احتمال بعيد، لصعوبة التوافق عليه بين المشرعين من الحزبين "الديمقراطي والجمهوري".

لكن يمكن للتيار التقدمي استخدام أدوات أخرى للضغط على إدارة بايدن مثل توجيه رسائل وبيانات مشتركة لتذكير الرئيس بتعهداته في مجال حقوق الإنسان والعمل على استمرار تجاهل السيسي بعدم توجيه أي دعوة له لزيارة البيت الأبيض، كما يمكن الضغط لتنفيذ قرار حجب الـ300 مليون دولار التي اقترحها الكونغرس كاملةً بدلًا عن الـ130 مليون التي تم حجبها بالفعل.