صورة للملك سلمان في الرياض، المملكة العربية السعودية، 6 أيار/مايو 2015.

ترجمة وتحرير: نون بوست

كان عالم الأرصاد الجوية ديف شوارتز من قناة "ذا ويثر" معروفًا دائمًا بأسلوبه الودي وحس الفكاهة اللطيف؛ لذلك تفاجأ متابعوه ومعجبوه، الذين غالبا ما يدعوهم شوارتز بـ "الأصدقاء"، عندما بدأ في سنة 2018، بنشر تغريدات دعائية للنظام السعودي باللغة العربية، بل وبعد عامين من وفاته بسرطان البنكرياس.

برغم أن تم نشر نعيه في صحيفة نيويورك تايمز، ولفت محبوه الانتباه إلى إختراق حسابه، فقد ظل حساب شوارتز على تويتر "موثقًا" لأشهر؛ مع العلامة الزرقاء التي يستخدمها تويتر للإشارة إلى المصداقية.

ولم يكن حساب شوارتز فقط؛ فقد تم اختراق حوالي 70 حسابًا موثقًا غيره يخص رياضيين ولاعبي بيسبول محترفين وموسيقيين وكوميديين، وذلك من خلال حسابات تشير مواقعها إلى أنها من المملكة العربية السعودية. ويذكر من بين الشخصيات العامة التي مدحت المملكة السعودية ديبي سميث، وهي ديمقراطية تم انتخابها في مجلس النواب بولاية نيفادا، قبل أن تتوفى أيضًا إثر مرض السرطان.

عندما يتعلق الأمر بالتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي؛ تحتاج الولايات المتحدة إلى مراجعة حلفائها، وليس فقط أعدائها. وقد يتبادر إلى الذهن أن المعلومات المضللة الروسية هي المسئول الأول عن التدخلات في السياسة الأمريكية، ولكن بعض الأدلة الأكثر وضوحًا على الجهود المبذولة للتأثير على الرأي العام الأمريكي، تشير إلى حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم تأتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ في محاولات تقويض الرأي الديموقراطي من خلال التلاعب بتأثير تغريدات دونالد ترامب، وخداع المحررين في جميع أنحاء العالم حتى يتوجهوا إلى نشر الحرب الدعائية، ومن المثير للقلق؛ أن رد فعل تويتر يبدو بطيئًا جدًا في التعامل مع الأمر.

تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر عدد من مستخدمي تويتر في الشرق الأوسط، وقد وصل تلاعبها بالمنصة إلى نسب تنذر بالخطر. ففي سنة 2019؛ أوقف تويتر شبكة تتألف من 88 ألف حساب مزيف يروج لدعاية النظام السعودي.

وعلى الرغم من التلاعب الروسي المعروف بوسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة؛ فهي لا تقارن بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وإذا جمعتهما مع مصر- كما تفعل الشركة في منشورات المعلومات الخاصة بها - تحتل الدولتان الخليجيتان المرتبة الثانية بعد الصين في نسبة التلاعب بتويتر.

ووجد مكتب التحقيقات الفيدرالي في سنة 2019 دليلاً على أن الموظفين في مقر تويتر في سان فرانسيسكو - الذين تم إعدادهم من خلال الرشاوى مثل الساعات الفاخرة - كانوا ينسقون مع أفراد من العائلة المالكة السعودية لتزويدهم بمعلومات خاصة عن مستخدمي تويتر؛ ففي آب/ أغسطس 2022؛ أثبتت هيئة المحلفين إدانة أحدهم، ولم تستطع محاكمة اثنين آخريْن لأنهما كانا في المملكة العربية السعودية.

وحتى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم يسلم من ذلك (أو على الأقل جدوله الزمني على Twitter). ففي سنة 2017؛ عندما غرد ترامب دعمه للملك السعودي سلمان، أعادت آلاف الحسابات الآلية تغريد إشادة ترامب بالنظام السعودي.

تأتي "دبلوماسية برامج التجسس" هذه مع زيادة توطد العلاقات بين إسرائيل وبعض دول الخليج، بالإضافة إلى رؤيتهم الأمنية المشتركة للمنطقة، ولن تؤدي إلا لتفاقم الاستبداد الرقمي

ويذكر أن واحدة من أكثر عمليات الخداع جرأة مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة. بين سنتي 2019 و2021؛ بدأت مقالات الرأي التي دعمت موقف السياسة الخارجية للإمارات والسعودية والإدارة الأمريكية في عهد ترامب في الظهور على العديد من وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة، مثل "نيوزماكس" و"ذا ناشيونال إنتريست" و"ذا بوست ميلينيال"، وكذلك "واشنطن إكزامينر"، والخدعة هي أن الصحفيين الذين يكتبونها غير حقيقيين.

يسرق الصحفيون المزيفون صور الملف الشخصي من أشخاص حقيقيين بمن فيهم مواطنون أمريكيون، ويقومون بعد ذلك بإنشاء حسابات فيسبوك وتويتر و"لينكد إن" ويعرضوا أفكارهم على المحررين الغافلين في المواقع الإخبارية التي تطلب مساهمات الرأي. ومع تطور المشروع؛ استخدم المتلاعبون وجوهًا واقعية تصنعها برامج الذكاء الاصطناعي لإنشاء ملفات تعريف على وسائل التواصل الاجتماعي. وبحلول الوقت الذي تم فيه الكشف عن المحتالين؛ كانوا قد نشروا ما لا يقل عن 90 مقال رأي مختلف في 46 منصة إعلامية.

وتمت مشاركة بعض هذه المقالات على تويتر من قبل أشخاص مثل رايان فورنييه، مؤسس "طلاب من أجل ترامب"، والسيناتور الفرنسي ناتالي جوليه، وبالحديث مع محرري بعض الصحف ممن تم خداعهم لنشر المقالات، لم يلتق أي منهم أو أجرى محادثة فيديو مع الصحفيين الذين كانوا ينشرونها.

يضاف كذلك تورط شركات في هذه العمليات؛ فقد تعاونت شركة "إسس سي إل سوشيال ليميتد"، وهي الشركة الأم لـ "كامبريدج أناليتيكا"، مع الإمارات العربية المتحدة لإنشاء حملة إعلانية على وسائل التواصل الاجتماعي تهاجم فيها قطر، المنافس الخليجي الذي يضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. وعلى الرغم من أنها معروفة بشكل أفضل باستخدامها "القوة الناعمة" من خلال مشاريع مثل الجزيرة؛ إلا أنه ورد أن قطر قامت باختراق البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن.

ويتعامل الإماراتيون مع جواسيس سابقين في وكالة الأمن القومي لاختراق أجهزة المواطنين الأمريكيتين، وتُعدُّ كلٌّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من بين أكبر عملاء "إن إس أو"، وهي الشركة الإسرائيلية التي تبيع برنامج التجسس "بيجاسوس"؛ والذي استخدموه لاستهداف عشرات النشطاء والصحفيين والأكاديميين، ولا يوقفهم أحد؛ حتى إن الصحفي بن هوبارد من جريدة نيويورك تايمز والذي كتب كتابًا عن محمد بن سلمان، استُهدف من قبل مشغل بيغاسوس مرتبط بالسعودية.

تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة يوفر غطاء غير متاح لروسيا أو الصين؛ فإذا تُركتَ دون حراسة؛ فإن مصداقية ساحات الرأي العام الرقمية ستستمر في التراجع

وتأتي "دبلوماسية برامج التجسس" هذه مع زيادة توطد العلاقات بين "إسرائيل" وبعض دول الخليج، بالإضافة إلى رؤيتهم الأمنية المشتركة للمنطقة، ولن تؤدي إلا لتفاقم الاستبداد الرقمي.

لقد تغيرت الأوضاع كثيرًا في غضون عقد؛ ولكن ليس بالمعنى الجيد، ففي سنة 2011، وخلال أيام الربيع العربي القوية؛ تم وصف وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية بأنها القوة التي يمكنها المساعدة في تحرير المنطقة من الحكم الاستبدادي وجلب الديمقراطية.

الآن؛ تستخدم الأنظمة الاستبدادية في الخليج، جنبًا إلى جنب مع الشركات والخبرات الغربية، التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لاختراق الديمقراطية أينما وجدت، بما في ذلك في الولايات المتحدة.

ومع ذلك؛ فإن التأثير أوضح في الشرق الأوسط؛ حيث تتزايد أصوات المعارضة بشكل كبير في التعبير عن رأيها، نتيجة إسكات الناقدين من خلال السجن أو المراقبة أو التعذيب أو الموت، مما يعني أن مساحة الرأي العام الرقمية هي مجرد ساحة للإشادة بالنظام أو الانخراط في التفاهات المبتذلة.

وتنضم أنظمة الخليج مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى صفوف معاداة الحقيقة شأنها شأن القوى الرقمية العظمى الأخرى، لكن تحالفهم مع الولايات المتحدة يوفر غطاء غير متاح لروسيا أو الصين؛ فإذا تُركتَ دون حراسة؛ فإن مصداقية ساحات الرأي العام الرقمية ستستمر في التراجع.

المصدر: تايم