بعد قطيعة دامت أكثر من 25 عامًا، وصل الأربعاء الماضي إلى الخرطوم الدبلوماسي الأمريكي جون غودفري ليُمثل بلاده سفيرًا لها بالخرطوم، بعد أن ظل التمثيل الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية في السودان بدرجة دون السفير، لأكثر من ربع قرن.

وسحبت الولايات المتحدة الأمريكية آخر سفير لها بالسودان، تيموثي م. كارني، عام 1996، على خلفية سوء العلاقات بين البلدين عقب اتهامات أمريكية للسودان بدعم الإرهاب، عبر إيوائه لرموز إرهابية وقتذاك، أبرزها أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الراحل.

وطوال تلك الأعوام، ظلّت العلاقة بين البلدين متأزمة أو مقطوعة بشكلٍ كامل، مع فرض الولايات المتحدة لعقوبات اقتصادية على السودان، بعد إدراجه في قائمتها للدول الراعية للإرهاب، إلا أن العلاقات السودانية الأمريكية بدأت في استعادة مسارها الإيجابي منذ نهايات عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.

ورغم أن مسار العلاقات بين البلدين بدأ في العودة منذ عهد البشير ونهاية الفترة الثانية لولاية أوباما، فإن الخطوة الأبرز، والمتمثلة في حذف السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، تمت في عهد عبد الله حمدوك، في أواخر ساعات الرئيس السابق دونالد ترمب، بعد أثمانٍ باهظة دفعها السودان، تمثلت في غرامة مالية بلغت 335 مليون دولار، كتعويض لذوي ضحايا أمريكيين لهجمات إرهابية تورطت فيها حكومة السودان في عهد البشير.

وضع استثنائي

تأتي خطوة تعيين السفير ومزاولة أعماله في الخرطوم في وضع استثنائي يعيشه السودان، يتمثل في الأزمة السياسية التي بلغت شهرها العاشر، إذ يسيطر العسكريون على السلطة بحكم الأمر الواقع، مع تلويح بتسليم السلطة للمدنيين، عدَّته القوى السياسية المدنية محض "مناورة سياسية" لترفض التعاطي معها.

ومع رفض قوى الحرية والتغيير صاحبة القدر الأكبر من التقدير محليًا وإقليميًا ودوليًا التعاطي مع تلويحات البرهان بتسليم الحكم، انبرت العديد من الفصائل السياسية والكيانات الاجتماعية لسد الفجوة، كفصائل مجموعة التوافق الوطني التي تعد حليفًا للانقلاب، هذا بالإضافة إلى مبادرات وطنية أخرى، ليس من المتوقع - في حال تعاطي العسكريين معها - أن تقود إلى هدوء أو تغيير في المشهد السياسي المضطرب.

أقدمت واشنطن على ابتعاث سفيرها في ظل هذه الأوضاع، في احتمال يُرجّح أن الولايات المتحدة ترغب في لعب دور في المشهد السياسي الحاليّ، الذي يُنذِر بدخول السودان في انهيار كامل

وكانت الولايات المتحدة قد تدخلت مؤخرًا بشكل مباشر في الأزمة السياسية الحاليّة، عبر مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، مولي في، التي نجحت بالتعاون مع سفارة الرياض في الخرطوم، في عقد لقاءات مباشرة بين العسكريين وقوى الحرية والتغيير.

لكن تلك اللقاءات، ورغم أنها كانت خطوة متقدمة في اختراق الجمود بين الفصيلين، فإنها لم تُفلِح في الخروج بمخرجات تُغيِّر خريطة المشهد السياسي، خصوصًا أنها توقفت قبيل تظاهرات 30 يونيو/حزيران 2022.

ورغم التحفظات الأمريكية على النظام القائم حاليًّا في السودان، فإن واشنطن أقدمت على ابتعاث سفيرها في ظل هذه الأوضاع، في احتمال يُرجّح أن الولايات المتحدة ترغب في لعب دور في المشهد السياسي الحاليّ، الذي يُنذِر بدخول السودان في انهيار كامل، من المتوقع أن يلقي بآثاره على المنطقة، أو ربما أقدمت الولايات المتحدة على الخطوة بدوافع أمريكية محضة، تتعلق بالمصالح الأمريكية المباشرة وصراع المحاور.

موقف ابتدائي داعم للمدنيين وتعامل بالتجزئة مع الإشكالات 

الموقف الأمريكي المعلن تجاه الأزمة في السودان هو "دعم الانتقال الديمقراطي وبناء دولة ذات حكم مدني"، كما صرح بذلك السفير المُعيَّن حديثًا في وقت سابق أمام أعضاء الكونغرس الأمريكي، وهو موقف ابتدائي من المؤكد أن الولايات المتحدة - الدولة التي تعد نفسها مثالًا للديمقراطية يحتذى به - ستتخذه كموقف معلن وأساسي لها.

وكانت الولايات المتحدة، قد علقت جملة من المساعدات والمنح الاقتصادية المخصصة للسودان، بسبب الانقلاب العسكري، أبرزها المنحة الأمريكية التي تبلغ 700 مليون دولار المخصصة لدعم الانتقال الديمقراطي، التي أوقفتها بسبب الانقلاب منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول، صبيحة الانقلاب.

ويشار إلى الولايات المتحدة كانت قد فرضت عقوبات اقتصادية قاسية على السودان طوال أكثر من عقدين في أثناء حكم البشير، لكن مؤخرًا بدأت الولايات المتحدة في دراسة خيارات أخرى تجاه الأنظمة الشمولية في المنطقة والسودان بالتحديد، وذلك بعد الانتقادات التي طالتها جراء الأثر شديد الضرر للعقوبات، التي يدفع ثمنها مواطنو الدول لا الحكومات والأنظمة.

وقد أبدى السفير الأمريكي عزمه على انتهاج نهج العقوبات الفردية على المتورطين في تعطيل الانتقال الديمقراطي في السودان، ملوحًا بذلك في أثناء استعراض خططه وبرامجه في جلسات استماع أمام أعضاء الكونغرس في مايو/آذار الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أصدرت في وقت سابق من هذا العام، تعميمًا يحذر الشركات ورجال الأعمال الأمريكيين، من التعامل التجاري والاقتصادي مع الجيش السوداني والشركات التابعة له.

أيضًا أدرجت الولايات المتحدة قوات شرطية سودانية تُعرف بـ"قوات الاحتياط المركزي" ضمن قائمة عقوبات، على خلفية مشاركتها في الانتهاكات التي وقعت ضد المتظاهرين، في استثناء لعدد من القوات الأمنية الأخرى كالشرطة وجهاز المخابرات، وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة، تتبع سياسة أكثر تحديدًا للمتورطين في الانتهاكات.

سياسة رسمية مزدوجة

حال تعذر الانتقال إلى نظام مدني، ربما لن تتوانى الحكومة الأمريكية في التعامل مع نظام الأمر الواقع، فرغم الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة فيما يخص دعم الديمقراطية، فإن الوقائع السياسية المعاصرة توضح أن للولايات المتحدة سيرة طويلة في التعامل مع الأنظمة القمعية والعسكرية، ليس ابتداءً بعلاقتها مع المملكة السعودية، ذات السجل الحافل بخرق حقوق الإنسان، ولا انتهاءً بنظام السيسي، الذي ربما تعاونت معه لأسباب جيوسياسية.

وتشير تقارير صحفية مبكرة من العاصمة الأمريكية واشنطن، إلى الانقسام والخلاف في رؤية صانعي القرار في الولايات المتحدة من النظام القائم في السودان، فقد ذكرت تقارير أن أعضاء الكونغرس يتشددون في وصف ما حدث في 25 أكتوبر/ تشرين الأول في السودان بوصفه "انقلابًا عسكريًا"، فيما يرى مسؤولو البيت الأبيض أنه "استيلاء عسكري على السلطة"، ما خلق حالة من الجدل والاتهامات بالتراخي في التعامل مع الأوضاع في السودان، أطلقها مشرعو الكونغرس تجاه مسؤولي البيت الأبيض.

ويوضح الموقف المزدوج لدى طرفي صناعة القرار في الولايات المتحدة، ازدواجية المصالح الأمريكية ذاتها، فمن جهة ربما لن تورط الولايات المتحدة نفسها بخلق قطيعة مع النظام القائم في السودان، في ظل حالة الاستقطاب الدولي، الذي أضحت فيه الصين وروسيا لاعبين أساسيين في مقابل المعسكر الغربي والأمريكي.

دوافع أمريكية محضة ومخاوف تاريخية

الملاحظ أن إدارة بايدن كانت قد أعلنت عن مرشحها لمنصب السفير في السودان، في يناير/كانون الثاني بداية العام، أي بعد مرور 3 أشهر من انقلاب البرهان، ما بدا غريبًا لحظتها، فالخطوة اتخذت في ظل حكم انقلابي يجثم على البلاد، إضافة إلى أن الخطوة تأخرت كثيرًا، إذ اعتمدت واشنطن أوراق السفير السوداني لديها منذ مايو/أيار 2020، فيما انتظرت كل هذه المدة حتى تعيّن سفيرًا لها.

وقد صادف تسمية غودفري مرشحًا لشغل منصب السفير في السودان مرور شهرين فقط من الكشف عن نشاط إرهابي في السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، حينما داهمت الأجهزة الأمنية السودانية خلية إرهابية في حي "جبرة" وسط الخرطوم، راح ضحيتها 3 من رجال الأمن السودانيين جراء تبادل إطلاق النار مع العناصر الإرهابية.

اتجاه الولايات المتحدة للإفصاح عن مرشحها لشغل منصب سفير في الخرطوم في ذلك الوقت بالتحديد، يفتح الباب للتكهن أن الغرض من الخطوة ربما جاء بدافع المخاوف الأمريكية التاريخية تجاه الإرهاب في السودان، وهي ذات المخاوف التي دفعت الولايات المتحدة في التسعينيات من القرن الماضي لقطع علاقتها مع السودان.

يُعضِّد هذا الافتراض سيرة سفير أمريكا المبعوث للخرطوم، التي يرتكز جزء كبير منها في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى معرفة وخبرة طويلة في شؤون دول الشرق الأوسط والبلدان التي عملت كحاضنة أو مصدرة للإرهاب، فقد عمل غودفري بوصفه مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة في التحالف العالمي لمكافحة "داعش" إضافة إلى شغله مناصب دبلوماسية في كل من الرياض ودمشق وتركمانستان.

هذا بالإضافة إلى أن ابتعاث السفير يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم صراعًا استقطابيًا حادًا بخصوص محاولة روسيا خلق خريطة جديدة في التحالفات الدولية، إذ تخشى الولايات المتحدة من تمدد روسيا في القارة الإفريقية، خصوصًا أن السودان، عبر عسكرييه، كان قد أبدى تعاونًا كبيرًا مع الجانب الروسي عبر ما كشفته التقارير من تهريب ذهب السودان إلى روسيا، بالإضافة إلى عدم ممانعة ارتماء العسكريين في أي أحضان دولية تمثل ملاذًا لهم.

كما البشير..هل يبالي البرهان بالمجتمع الدولي؟

وقع الحافر على الحافر، ينتهج البرهان ذات سياسات المخلوع البشير تجاه المجتمع الدولي، فقد عُرف عن البشير لا مبالاته بالمجتمع الدولي، حد أن صرح ذات مرة قائلًا: "أمريكا تحت جزمتي".

ولا يبدو البرهان بعيدًا عن هذا النهج، فقد هدد أكثر من مرة، هو وجهات عسكرية تابعة له، بطرد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرتس، من السودان، الأمر الذي أعاد للأذهان سيرة المخلوع البشير وعنتريته تجاه المجتمع الدولي.

كما لم تجد سلطة الانقلاب أي حرج، في مايو/أيار الماضي، بإقدامها على عدم تجديد إقامة المستشارة الأممية الدولية روزاليند مارسدن في السودان، التي كانت تقيم في البلاد وتعمل بوصفها مستشارة للبعثة الأممية الموجودة في السودان، ما عدّه البعض بمثابة طرد للمستشارة الأممية والدبلوماسية البريطانية الرفيعة.

وقد عملت مارسدن في وقتٍ سابق في عهد المخلوع البشير كسفيرة لبلادها في السودان، وحدث أن تداول السودانيون قبل أعوام في أثناء فترة حكم البشير، مقطع فيديو للمخلوع وهو يقول أمام حشد من الناس إنه قام بإشعار مارسدن بالندم على "اليوم الذي ولدت فيه"، لأنها حاولت التدخل في الشأن المحلي السوداني.

وقد لا يبالي البرهان بالمجتمع الدولي والحسابات الخارجية، مدفوعًا بحقيقة أن العديد من الدول التي نجح مبكرًا في خلق صلات معها، قد بدأت في التخلي عنه، فالمملكة السعودية التي كانت من الداعمين الإقليمين له، بدأت مؤخرًا تميل إلى دفع العسكريين لتقديم تنازلات، اتضح ذلك عبر لعبها دور الوساطة في اللقاءات التي جمعت بين الحرية والتغيير والعسكريين.

وعلى الصعيد الآخر، بدت الإمارات العربية المتحدة، التي مثّلت ملاذًا للبرهان بدايات استيلائه على السلطة في أبريل/نيسان 2019 أكثر تحفظًا في التعامل مع السلطة العسكرية، على الأقل بصورة مكشوفة، عقب الانتقادات الحادة التي واجهتها سواء من الداخل السوداني أم من الخارج، لأدوارها المشبوهة في الساحة السياسية السودانية، التي تأتي دائمًا لصالح مطامع ومآرب الدولة الخليجية ذات الطموح المتعاظم.

إضافة إلى ذلك، فيومًا بعد يوم، يفقد النظام القائم فرص تسويق نفسه خارجيًا، خصوصًا مع الانتهاكات المتتالية التي تورط فيها البرهان، بإزهاق أرواح ما يزيد على مئة متظاهر، اقتنصتهم الأجهزة الأمنية خلال الأشهر الماضية، ما يقلص آمال البرهان الذاتية في لعب المجتمع الدولي والإقليمي أدوارًا لصالحه.

وفي ظل هذا التخلي الدولي والإقليمي، ومع سجل حافل بالانتهاكات يعوق تسويق النظام دوليًا، اتجهت مساعي البرهان للعمل على خلق حالة توازن داخلي، عبر خلق التحالفات المحلية مع تنظيمات سياسية وكيانات اجتماعية، من أجل اكتساب الشرعية المفقودة في الجانب الآخر، التي يبدو أنه أصبح لا يعول عليها كثيرًا.

جدير بالذكر أن البرهان نفذ انقلابه في 25 أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي بعد سويعات فقط من لقاء المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان، الذي قدم استقالته بعد نحو شهرين من انقلاب البرهان، ما دفع بالعديدين للتكهن بأن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر للبرهان بتنفيذ انقلابه.