لا تزال رائحة العصيدة و"الويكة" -بامية مجففة ومجروشة- تفوح من البيوت الواقعة قرب باب المجلس -أحد أبواب المسجد الأقصى-، خاصة يوم الجمعة، عدا عن صوت الموسيقى المنبعثة من نوافذها في المناسبات والمميزة بنوتاتها الأفريقية الممزوجة بالعربية القريبة من الخليجية كالتي تؤديها فرقة "ميامي"، ودون تردد حين تعيش تلك الأجواء تكون بين بيوت الجالية الأفريقية التي تسكن القدس.

من بين تلك الأزقة التي شهدت مرور أفواج من المعتمرين الأفارقة جاؤوا قبل عدة عقود للقدس، يطارد الاحتلال الإسرائيلي من حين لآخر مجموعة من الشبان بملامح أفريقية، يظنّ الزائر للمكان وقتها أنه في فيلم أكشن غربي، لكن لهجة الوعيد التي يتحدث بها الشبان تذهل من يشاهدهم، كونهم يحكون بلكنة مقدسية بحتة.

صورة

ليست تلك المشاهد فحسب، بل في كثير من الأحيان، وخاصة في المناسبات الوطنية والدينية، يتسابق العشرات من الأفراد ذي الملامح الأفريقية في باحات المسجد الأقصى لخدمة مرتاديه، ويتحدثون باستماتة عند الدفاع عنه، خاصة وقت الاقتحامات اليهودية، فتلك عادة ورثوها من أجدادهم حتى باتت فطرة لديهم.

هم فعلًا فلسطينيون رغم جذورهم الأفريقية التي يفخرون بها، لكن باتوا يحملون الهوية المقدسية التي ورثوها عن آبائهم فقط، كما ورثوا حب الأقصى وطرق باب الجار للسؤال عنه، وتطبّعوا بعادات أهل المدينة، يرصد "نون بوست" أصل الحكاية وكيف حطَّ الأفارقة رحالهم في المدينة المقدسة.

كيف سكن الأفارقة القدس ودافعوا عنها؟

تواجُد الأفارقة في مدينة القدس ليس جديدًا، بل منذ الفتح العمري للمدينة، أما الجالية الحالية فتسكن في بيوت على بُعد أمتار قليلة عن المدخل الرئيسي للمسجد الأقصى، في باب الناظر المعروف بباب المجلس أيضًا.

تعود جذور الأفارقة الحاليين إلى دول تشاد ونيجيريا والسودان والسنغال، حيث جاؤوا في أواخر القرن التاسع عشر، وتنحصر أسباب مجيئهم إلى المدينة المقدسة في سببَين، الأول ديني حيث جاؤوا لقضاء ما يوصَف بالحجة المقدسية، والثاني جهادي حيث قدموا للدفاع عن المقدسات الإسلامية ضد التواجد البريطاني ومن ثم الصهيوني.

صورة
صورة لبعض الآباء والأبناء في سنوات الستين من القرن الماضي.

وشاركوا في المعارك المتعددة التي خاضها الفلسطينيون ضد الحركة الصهيونية، والأبرز منها معركة جبل المكبر التي قادها محمد طارق الأفريقي، واستطاع ومن معه من القوات الفلسطينية والأردنية إنقاذ جبل المكبر ومحيطه من الاحتلال الصهيوني عام 1948، وبعض منهم كانوا جنودًا في الجيش البريطاني وعندما اكتشفوا أنهم يحاربون ضد عرب مسلمين، انسحبوا من الجيش البريطاني وانضمّوا إلى المقاومة إلى جانب الفلسطينيين.

وتستقرّ الجالية الأفريقية في اثنين من المواقع التاريخية في البلدة القديمة تعود إلى الفترة المملوكية، المكان الأول هو رباط مدني شُيِّد في القدس هو رباط علاء الدين البصير، ناظر الحرمَين الشريفَين -القدسي والإبراهيمي-، على الجهة اليمنى من الخارج باب الناظر أحد أبواب الأقصى، والرباط المنصوري المقابل له، واللذين لا يبعدان سوى عدة أمتار عن مدخل المسجد.

أُحيل هذان الرباطان إلى سجنَين في الفترة العثمانية، حيث خُصِّص الرباط المنصوري للمحكوم عليهم بالسجن لمدد مختلفة، أما رباط علاء الدين فقد خُصِّص للمحكوم عليهم بالإعدام، ومن هنا جاءت تسميتهما بحبس الرباط وحبس الدم على التوالي، ويعدّ الرباطان من أملاك الأوقاف الاسلامية. 

والسبب في استقرار الأفارقة في هذا المكان، هو أن معظمهم في ذلك الوقت كانوا من سَدَنَة المسجد الأقصى، يقومون بحراسته والاعتناء بنظافته وخدمة زواره.

صورة
رباط علاء الدين البصير أحد مساكن الجالية.

وكانوا في ذلك الوقت منتشرين في عدة مواقع، وطالبوا بالتجمع في مكان واحد حتى يسهل عليهم خدمة الأقصى بشكل أفضل، واستقروا في المكانَين بمساعدة الحاج أمين الحسيني.

أما فيما يتعلق بالظروف السكنية لأبناء الجالية، فلا تختلف عن بقية أبناء البلدة القديمة في القدس، فمنازلهم تعاني من الكثافة السكانية العالية، وانعدام الخصوصية إلى حدّ كبير، وقلة التهوية والإنارة الطبيعية وارتفاع نسبة الرطوبة، فالغرف ضيقة جدًّا، وملتصقة ببعضها، فهي بالأساس لم تؤسَّس لسكن العائلات، بل لإيواء أفراد فيما كانت تُسمّى الغرفة الواحدة "خلوة".

ونظرًا إلى الرغبة الشديدة بالبقاء إلى جانب الأقصى، ولضعف الإمكانات المادية، اضطرَّ الأفارقة إلى بناء غرف إضافية في الساحات المكشوفة، بلغت في بعض الحالات الـ 3 طوابق. 

سَدَنَة الأقصى

دون تردد وبلهجة مقدسية بحتة، تحدث التشادي محمود جدة (74 عامًا) عن وجوده في القدس، بأن والده جاء كحال الكثير من الزوار الذين يفرغون من تأدية مناسك الحجّ ويأتون للأقصى من أجل "تقديس حجتهم"، موضّحًا أن والده جاء كبيرًا في السن، وترك عائلته في تشاد وأنشأ أخرى في القدس حين تزوج من أردنية.

ويحكي جدة أن سبب بقاء والده كما أخبره هو أنه "لم يجد مكانًا للعيش أفضل من مجاورة الأقصى وخدمته"، فبقيَ يخدم في المسجد كحال بقية الأفارقة الذين جاؤوا للسبب نفسه، وكانوا من ضمن سَدَنَة الأقصى (حرّاس المسجد)، وبقيَ يبث روح الوطنية وحب المدينة وأقصاها في قلوب أبنائه.

وذكر أن والده كان يتحدث العربية كونها كانت اللغة الرسمية في التشاد، لكنه تعلّم لغة السواحل من الأفارقة الذين سكنوا القدس وكانوا يتحدثون بها، لكن الجيل القديم الذي جاء أصلًا من الدول الأفريقية توفي جميعهم منذ عقود.

وعند سؤال جدة، وهو أسير محرر قضى 17 عامًا في سجون الاحتلال، "هل تشعر أنك غريب عن القدس؟"ـ أجاب لـ"نون بوست": "أنا مقدسي رغم اعتزازي بجذوري الأفريقية، ولم أشعر يومًا أنني غريب عنها (..) ولدت هنا وعشت وأبنائي وزوجتي حتى أصبحت مرشدًا لزوار القدس الذين يأتون كسياح، أطلعهم على أزقتها وحواريها وأسواقها ومسجدها".

محمود جدة وعائلته
محمود جدة وعائلته.

ويضيف: "حين كنت شابًّا استفزّني جنود الاحتلال الإسرائيلي كثيرًا، حيث كانوا ينادوني "كوشي" بسبب لون بشرتي السمراء، لكن حين كبرت لم أنزعج وأدركت أن داخلي أفريقي بسيط، لكني إنسان أعيش في القدس والعالم وطني والبشرية عائلتي".

وتطرّق المقدسي الأفريقي جدة إلى أن في بداية الاحتلال الإسرائيلي، كان الأخير ينتقم من أبناء الجالية مرتَين، الأولى لأنهم أفارقة يسكنون القدس، والثانية لأنهم يقارعون الجنود في كل مكان، فكانت أول من نفّذ عملية فدائية فاطمة برناوي، بعد نكسة يونيو/ حزيران 1967، ضد الكيان الصهيوني.

ولا يزال يحافظ جدة وأبناء جيله على الكثير من التفاصيل التي ورثوها عن آبائهم، حيث الترابط والتماسك بين أبناء الجالية، خاصة أنها تتميز بروابط اجتماعية قوية، ويتجلّى ذلك في المشاركة الكاملة في الأفراح والأتراح ونوائب القدر.

ويتابع: "كانت لدينا عادات خاصة بنا، فعلى سبيل المثال كنا نتناول طعام الغذاء كل يوم جمعة معًا بعد صلاة الظهر، حيث كان الجميع يشارك بتكاليف الغذاء كل حسب إمكاناته، فلم يكن هناك مبلغ واحد مفروض على الجميع".

ويضيف: "بعد انتهاء الصلاة نجتمع في الرباط المنصوري في مكان يعرَف لنا باسم "تحت التوتة" -كانت وما زالت هذه التوتة قائمة-، ونتناول وجبة العصيدة والطبق المرافق لها، وهو إما الملوخية الناشفة وإما ما يعرَف باسم الويكة، المزوَّدة بالبهارات خاصة الفلفل الحارّ".

وفي باب مجلس هنا حكاية تشادي آخر من الجيل الجديد، وهو جهاد قوس (28 عامًا) ينتمي إلى عائلة مقدسية مناضلة، وجدّه الذي جاء ليسكن باب مجلس ويخدم الأقصى كان يحمل الجنسية الفرنسية، كون بلاده كانت تخضغ للحكم الفرنسي آنذاك.

الشاب قوس ذو ملامح عادية وبشرة بيضاء، فهو كغالبية أبناء عمومته منهم الأبيض والأسمر والأشقر، لكن جذورهم واحدة وألوانهم مختلفة بعد المصاهرة التي حدثت عقب الأجيال المتتالية.

صورة
جهاد قوس وعائلته.

يذكر لـ"نون بوست" أن جدّه حين سكن القدس كان له أولاد وزوجة في تشاد، لكن انقطع الاتصال بينهم وحاول والده وأعمامه بعد وفاة والدهم البحث عنهم لكن دون جدوى، حتى لا أحد منهم يتحدث لغة السواحل الأفريقية، مرجعًا عدم تعلمهم تلك اللغة إلى أن الكبار الذين جاؤوا القدس كانوا يتحدثون العربية فقط، ولم يعلّموها لأبنائهم.

أما عن العادات التي لا يزال أبناء الجالية يتمسّكون بها، ذكر قوس أن هناك من يحرص على ارتداء الزي الأفريقي (مطرز بالحرير وغرزة الثوب الفلسطيني)، وتأدية رقصات من الفولكلور الأفريقي على وقع أغاني فرقة "ميامي" الكويتية. 

ويحكي قوس، وهو أسير محرر ومبعَد عن الأقصى منذ 5 سنوات، أن حاله يشبه كثير من أبناء الجالية الشباب الذين يصدر الاحتلال دومًا قرارات إبعاد بحقهم، كونه يدرك أهمية الأقصى بالنسبة إليهم، كما في المواجهات يكون أبناء الجالية في الصفوف الأولى، خاصة إن كان الحدث يتعلق بالمسجد.

وعن موقف لا يزال يحفظه كما رواه جدّه لأبيه، أن في بداية الاحتلال اقتحمت مجموعة من العصابات الصهيونية المسجد الأقصى، وقتها خرج جميع الأفارقة بسيوفهم يدافعون، ولا تزال تلك الحادثة معروفة في أوساط الجالية، لما فيها من دليل على أهميته للرعيل الأول من الأفارقة الذين جاوروا المسجد.

رغم مرور عقود على استقرار أبناء الجالية في القدس، إلا أنهم تمكّنوا من المزواجة بين اعتزازهم بأصولهم الأفريقية وحبّهم للأقصى

ولم يقتصر دور جدّه في خدمه الأقصى، بل واصلت عمته، زهرة قوس، ما فعله والدها وأبناء جاليتها، وهي تعمل في "عيادة الأقصى" ممرضة ومسعفة، فهي وقت الأحداث تهرع لإنقاذ الجرحى بالمركبة الكهربائية، رغم أن هذا عرّضَ حياتها للخطر بسبب رصاص الاحتلال وقنابله كثيرًا.

وفي سياق الحكاية، تروي الشابة إلهام شاهين (32 عامًا)، وهي لأب من أصول سودانية وأمّ ذات أصول تشادية: "لم أشعر يومًا أني لست مقدسية، فرغم اختلاف جذورنا إلا أننا جزء لا يتجزّأ من القدس (..) أبناء الجالية يحفظون بعض العادات التي اكتسبوها بالفطرة من خلفياتهم الثقافية وجذورهم الأصلية".

وتوضّح شاهين أن ما يميز أبناء الجالية هو التعاضد، حيث المشاركة في الأفراح والأحزان، مشيرة إلى أنه وقت الفرح لا يحتاجون إلى دعوة، فالعريس يكون شقيق الجميع والكل يبادر لمشاركته.

وذكرت لـ"نون بوست" أن شعورهم بأنهم أخوة في الجالية دفعهم للزواج من خارجها، فغالبيتهم يتزوّجون من القدس ومدن الداخل المحتل، ودعت أهالي القدس وجاليتها الأفريقية يوم الجمعة لتناول العصيدة التي سيعدّها خالها ويوزّعها على الجميع، وسيكون إعدادها "تحت التوتة".

ورغم مرور عقود على استقرار أبناء الجالية في القدس، إلا أنهم تمكّنوا من المزواجة بين اعتزازهم بأصولهم الأفريقية وحبّهم للأقصى، لا سيما أنهم ورثوا ذلك من أجدادهم حين أوصوهم "ديروا بالكم على القدس"، فانصهروا مع أبناء المدينة واتحدوا في الجينات، ليأتي جيل يجري في شرايينه حب المدينة فنزفوا دماءهم حبًّا بالوطن.