تتكبد القوات الروسية خسائر كبيرة داخل أوكرانيا

تواجه القوات الروسية في أوكرانيا مصاعب وتحديات جسام، ربما تضع صورتها على المحك وتثير الشكوك في البيانات الصادرة عن الكريملين بشأن التفوق العسكري المزعوم ميدانيًا، فبعد أقل من 24 ساعة من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضم 4 مناطق أوكرانية في الإقليم الشرقي، وفق الاستفتاء الذي جرى مؤخرًا، وتعهده بالدفاع عنها بكل الوسائل العسكرية، تلقت قواته ضربة موجعة في الإقليم ذاته الذي زعم قبل ذلك السيطرة عليه.

ونجحت القوات الأوكرانية في تحرير منطقة ليمان بمنطقة دونيتسك (شرق) من قبضة الروس، حيث أرفقت وزارة الدفاع الأوكرانية على تويتر مقطعًا مصورًا يُظهر جنديين أوكرانيين يلوحان بالعلم الوطني ثم يعلقانه إلى جانب لافتة كُتب عليها "ليمان" عند مدخل المدينة، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية رسميًا في بيان لها أن القوات الانفصالية المتحالفة معها انسحبت إلى "مناطق أكثر فائدة من ميناء كراسني بمنطقة دونيتسك، بسبب التهديد الأوكراني بالحصار".

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كلمة مصورة له مساء السبت 1 أكتوبر/تشرين الأول 2022 وعد باستعادة مدن أخرى في منطقة دونيتسك، محذرًا المسؤولين الروس من أن يصبحوا "أكباش فداء"، مضيفًا "خلال هذا الأسبوع، رُفعت أعلام أوكرانية جديدة فوق دونباس وستُرفع مزيد من الأعلام خلال الأسبوع المقبل".

وكان بوتين قد أعلن الجمعة 30 سبتمبر/أيلول 2022 أن مناطق لوغانسك ودونيتسك وزاباروجيا وخيرسون الواقعة شرق أوكرانيا باتت روسية، وسكانها باتوا مواطنين روسيين إلى الأبد، وذلك عقب استفتاءات نظمتها موسكو وقوبلت بتنديد ورفض إقليمي ودولي.

كل المؤشرات تذهب في اتجاه خسائر تتكبدها القوات الروسية في أوكرانيا في ظل استمرار الدعم الغربي للجيش الأوكراني والتعهد بالتوسع في خريطة الدعم العسكري من حيث الكم والكيف معًا، يتزامن ذلك من تشديد العقوبات على موسكو، الأمر الذي ربما يقابل بتصعيد لافت من بوتين يحاول من خلاله البحث عن انتصار وهمي يعوض به ما يتلقاه من ضربات في ميدان القتال.. فإلى أي مدى يمكن للرئيس الروسي أن يتمادى في مساره التصعيدي؟

أهمية إستراتيجية

تمثل ليمان منطقة إستراتيجية للقوات الروسية المتمركزة في المنطقة الشرقية، وكانت حلقة الوصل بين خطوط الإمداد الروس بين الشمال والجنوب في إقليم دونباس، وعليه فإن خسارتها ضربة كبيرة لموسكو وجهودها الحربية المبذولة دون توقف منذ فبراير/شباط الماضي كما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال".

وتعد تلك الخسارة امتدادًا لما تلقته القوات الروسية من ضربات خلال الأيام الماضية، فقبل شهر واحد فقط من الآن خسرت آلاف الكيلومترات من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العديد من المناطق في الشرق والجنوب، بحسب الصحيفة الأمريكية التي تعتبر أن سيطرة القوات الأوكرانية على تلك المنطقة ستقطع بشكل كامل خطوط الإمداد للقوات الروسية في الإقليم بشكل كبير، وهو ما دفع الأخيرة للانسحاب قبل فرض الحصار الكامل عليها، بحسب بيانات وزارتي الدفاع الأوكرانية والروسية معًا.

لا يمكن قراءة تصعيد بوتين الأخير المتعلق بالتلويح باستخدام السلاح النووي وضم المزيد من الأراضي الأوكرانية لروسيا بمعزل عن تطورات المشهد العسكري، فالخسائر التي يتعرض لها الروس في مقابل التصعيد الغربي، عقوبات اقتصادية وتسليح الجيش الأوكراني، ستضع بوتين في زاوية ضيقة للغاية، ربما تدفعه لفعل أي شيء للحفاظ على ماء وجهه

وبلغت معركة تحرير ليمان ذروتها ليلة السبت 1 أكتوبر/تشرين الأول 2022 حين فرض الأوكرانيون طوقًا أمنيًا كثيفًا حول المنطقة، بجانب إمطار القوات الروسية بوابل من الصواريخ والمدفعية، مدعومة بطائرات حربية تطلق قنابل مضيئة، وبعد ساعات من القتال اضطرت القوات الروسية والانفصالية الموالية لها للانسحاب ومن تبقى منهم يقبع الآن في دائرة الحصار وتقدر أعدادهم بأكثر من 5 آلاف مقاتل وفق الصحيفة التي نقلت من خلالها مصادرها اصطفاف هياكل الدبابات الروسية والمدرعات المحترقة على الطرق المؤدية إلى ليمان، فيما تتناثر جثث الجنود على جانبي الطريق المؤدي للمدينة.

مأزق الروس

خسائر القوات الروسية المتكررة تضع بوتين وحكومته في مأزق حقيقي، أمام المواطن الروسي من جانب والعالم من جانب آخر، فبينما تعزف الآلة الإعلامية الروسية على أوتار الانتصار المحقق ميدانيًا والاكتساح الواضح للأراضي الأوكرانية، تسير الأمور عكس عقارب الساعة الدعائية، لتصطدم بمعطيات ونتائج مغايرة تمامًا لما يتم الترويج له، وهو ما يجعل كل البيانات الصادرة عن موسكو محل تشكيك.

وتتلقى القوات الروسية في العديد من معارك إقليم دونباس الشرقي الضربة تلو الأخرى، رغم زعمها قبل ذلك السيطرة الكاملة على الإقليم برمته، فيما يتساقط الجنود كالعنقود المنفرط وسط تعتيم رسمي واضح، وهو ما توثقه شهادات المسؤولين الأوكرانيين، كما جاء على لسان حاكم مقاطعة لوغانتسيك، سيرغي غايداي، الذي قال إن لدى القوات الروسية ثلاثة خيارات "الهروب أو الموت أو الاستسلام".

صحيفة "نيوريورك تايمز" كشفت أن الخسائر الروسية لن تتوقف عن ليمان فقط، بل إن الأيام القادمة ستشهد الكثير من الهيمنة الأوكرانية على المزيد من المناطق التي كانت قابعة تحت السيطرة الروسية، لافتة أن الهجوم الأوكراني المضاد أدى خلال الأيام الماضية إلى استعادة آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي، ومنها في منطقة خاركيف، وأدى ذلك إلى قطع معظم خطوط الإمداد، ما أوقع الروس بين مطرقة الحصار فالموت جوعًا وسندان الاستسلام للجيش الأوكراني.

الضربات التي تتلقاها روسيا في أوكرانيا أثارت غضب حلفاء بوتين ممن أعربوا عن قلقهم من تداعيات تلك الخسائر على سمعة موسكو العالمية وقدرتها على إنجاز أهدافها داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما كشفه الزعيم الشيشاني الموالي لموسكو رمضان قاديروف، الذي دعا إلى إقالة قائد المنطقة العسكرية الروسية المشرف على منطقة ليمان، الجنرال ألكسندر لابين، قائلًا في تغريدة له على تليغرام: "ليت بإمكاني أن أخفض رتبة لابين إلى جندي، وأجرده من ميدالياته، وأرسله إلى خط المواجهة ببندقية هجومية لغسل العار بالدم"، بل حث الروس على استخدام السلاح النووي للحفاظ على صورتهم العسكرية، مضيفًا "في رأيي أنه ينبغي اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، وصولًا إلى إعلان الأحكام العرفية في المناطق الحدودية واستخدام أسلحة نووية محدودة القدرة".

النووي والضم.. مناورات بوتين لحفظ ماء الوجه

لا يمكن قراءة تصعيد بوتين الأخير المتعلق بالتلويح باستخدام السلاح النووي وضم المزيد من الأراضي الأوكرانية لروسيا بمعزل عن تطورات المشهد العسكري، فالخسائر التي يتعرض لها الروس في مقابل التصعيد الغربي، عقوبات اقتصادية وتسليح الجيش الأوكراني، ستضع بوتين في زاوية ضيقة للغاية، ربما تدفعه لفعل أي شيء للحفاظ على ماء وجهه، وفق ما ذهب إليه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقال له.

وأوضح فريدمان أن بوتين بضمه للمناطق الأوكرانية قد أطلق مسار تحويل بلاده إلى "كوريا شمالية كبرى ذات 11 توقيتًا زمنيًا، وذات ترسانة عسكرية تضم آلافًا من الرؤوس الحربية النووية"، بحسب مقاله المنشور بصحيفة "نيويورك تايمز"، منوهًا أن هذا التطور لا يمكن النظر إليه على أنه تهديد جيوسياسي فقط، "بل سيكون كذلك مأساة إنسانية كبرى تقتل الطاقات البشرية الروسية التي لطالما أبهرت الإنسانية بإبداعاتها في مجالات مختلفة، من بينها الثقافة والفن والصناعة" على حد قوله.

كلما زاد الخناق على الروس داخل أوكرانيا، صعّد بوتين بخطوات تهورية، ربما تصل في بعض الأحيان إلى وضع اليد فوق الزر النووي في انتظار القرار الأخير الذي في الغالب يتوقف على حجم المناورة الممنوحة له من الغرب التي تدفع الجميع نحو الجلوس على مائدة حوار واحدة

ويرى الكاتب الأمريكي ويتفق معه آخرون أن الخطوات التي يتخذها بوتين من إعلان تعبئة جزئية عسكرية والتعامل مع الاستفتاءات على أنها انتصارات والتلويح باستخدام النووي لابتزاز الغرب ليست إلا محاولة من الرئيس المصاب بجنون العظمة لإرضاء حلفائه الغاضبين من "الإذلال العسكري" الذي عاشته القوات الروسية في أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة.

وفي السياق ذاته ربما يحاول بوتين من خلال تلك الممارسات تقوية موقفه، بحثًا عن مسار تفاوضي جديد ينقذه من هذا المأزق دون التفريط أكثر في ماء الوجه المفتقد مع كل معركة يخسر فيها ميدانيًا، ولن يكون ذلك إلا بضم المزيد من الأراضي للتفاوض بشأنها مستقبلًا.

لا شك أن موسكو لا تريد الاستمرار في تلك الحرب التي كانت تتعامل معها بداية الأمر على أنها نزهة لن تستمر إلا بضعة أيام، لكنها اصطدمت بدعم عسكري غربي غير مسبوق غير قواعد اللعبة، كما أنها ليست على استعداد لاستمرار النزيف الاقتصادي المستمر جراء تلك المعركة، الذي تعزز بالعقوبات الاقتصادية ووقف عوائد تصدير الغاز بعد تعطيل أنابيب النقل ومعاقبة بعض دول الغرب بمنع الإمدادات النفطية الروسية، وهو ما سيجعل روسيا شريكًا غير موثوق به لدى زبائنها الغربيين، حاليًا ومستقبلًا.

في ضوء ما سبق، فإن الأجواء الآن ربما تكون مواتية لمزيد من التقدم للأوكرانيين، إلى الحد الذي يمكنهم من استعادة كل الأراضي المحتلة روسيًا، حتى تلك المسيطر عليها في 2014، هكذا يرى بعض الخبراء، لكن مع الوضع في الاعتبار أنه كلما زاد الخناق على الروس داخل أوكرانيا، صعّد بوتين بخطوات تهورية، ربما تصل في بعض الأحيان إلى وضع اليد فوق الزر النووي في انتظار القرار الأخير الذي في الغالب يتوقف على حجم المناورة الممنوحة له من الغرب التي تدفع الجميع نحو الجلوس على مائدة حوار واحدة.. وحتى يتحقق ذلك فمن المرجح أن الوضع سيستمر وفق تلك المتوالية السجالية الساخنة بين موسكو والغرب حتى إشعار آخر.