رغم محاولة الكثير من الدول العربية إعادة النظام السوري إلى الواجهة من خلال تطبيع العلاقات معه، فإن ذلك لم يتم بحسب الخطة المرسومة لذلك، فالمحاولات الإماراتية والأردنية وغيرها المدعومة من روسيا لم تستطع إعادة النظام إلى الحضن العربي وهو ما يشكل أزمةً حقيقيةً لرؤوس النظام الذين ظنوا أن الأمور في صالحهم لبرهة من الزمن، خاصة أن خطر النظام ما زال قائمًا وبات تهديده أكبر مما قبل، حيث بات يغرق الدول العربية والأجنبية بالمخدرات التي أصبحت مصدر رزقه الأساسي.

كانت وزارة الخارجية الجزائرية قد أعلنت منذ أسابيع عدم مشاركة النظام السوري في أعمال القمة العربية القادمة المقرر عقدها في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ما شكل إحباطًا للدول الراغبة في عودة النظام السوري إلى الحضن العربي وأولها الجزائر، لكن عرقلة سعودية قطرية مصرية حالت دون ذلك، من أجل ذلك سارع النظام السوري إلى القول إنه هو من "لا يرغب بحضور هذه القمة" في محاولة لتلميع صورته بعد الفشل بالعودة إلى المؤسسة العربية.

ولأن الجهود التطبيعية ما زالت متعثرة بسبب تيار الدول القائل بأن إعادة العلاقات مع النظام ما زالت متعذرة لأن أسباب القطيعة ما زالت قائمة، يحاول النظام الترويج لنفسه من خلال عدّة قنوات لإعادة شرعيته وشعبيته، بعدما فقدها إثر قتله للشعب السوري بكل الأسلحة، ويساعده في ذلك شركات وحكومات من صالحها إعادة بشار الأسد إلى الحظيرة الدولية بعد عزله لأكثر من 10 سنوات.

التطبيع الفني

إحدى القنوات التي يعمل النظام من خلالها على إعادة تدوير نفسه هي الحفلات الفنية والترويج لمناطقه عبر استقدام مطربين مشاهير إلى مناطقه لإجراء الحفلات بعد انقطاعها عن البلاد، وفي هذا الإطار استقبلت دمشق هذا العام حفلات متعددة لمطربين عرب في الوقت الذي تنتظر فيه حضور فنانين آخرين لإجراء نشاطات لهم في العاصمة التي تعاني وتأن تحت وطأة الجوع والأوضاع الاقتصادية المتردية.

في هذا الإطار أجرت المطربة اللبنانية نجوى كرم حفلًا فنيًا في قلعة دمشق حضره الآلاف، نجوى كرم التي لم تغب كثيرًا عن سوريا قالت إنها "شمّت في سوريا رائحة النصر والفرح والنجاح"، لكنها لم تحدد عن أي نوع من النصر تتحدث، خاصة أن البلاد تمر بأقسى أزمة معيشة خاصة في العاصمة دمشق التي جلست فيها واستنشقت الفرح والنجاح!

بعد نجوى كرم، أتى إلى دمشق المطرب المصري هاني شاكر الذي أثار مجيئه موجه من الازدحام على شبابيك التذاكر، ما أدى إلى اشتباكات بالأيدي ومشاهد لم تعتدها دمشق، وكل ذلك لأن التذاكر كانت لا تتجاوز دولارًا واحدًا، وهو ما دفع شاكر للتصريح: "رغم سعادتي بالحفاوة، قلبي بيوجعني على مشاهد الازدحام والخناقات، وأتمنى أعمل 10 حفلات علشان الناس ما تتخانقش مع بعضها.. عاوز كل الناس تشوفني وتنبسط وماتضيعش فرصة عليهم لمشاهدتي".

إضافة إلى ما سبق، خلال الأيام الأخيرة أعلن الفنان المصري محمد رمضان إحياء حفل له في سوريا، لتسارع نقابة الفنانين التابعة للنظام السوري بتكذيبه في بيان، واصفة إعلانه عن الحفل بأنه "مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة"، وسط جدل بين السوريين لإقامة الحفل من عدمه، لكن رمضان أعلن أن حفله في دمشق سيجري بحسب الموعد المعلن عنه.

كانت مواقع إعلامية سورية قد كشفت أن هناك تنسيقًا يتم لاستقدام الموسيقي العالمي "ياني" إلى سوريا لإقامة حفل في العاصمة دمشق، وذلك بإشراف من زوجة بشار الأسد، أسماء الأسد، وقالت المصادر: "أسماء الأسد تُشرف على المراسلات مع متعهدي ومديري أعمال ياني بشكل مباشر، للتفاوض على موعد إقامة الحفل والمبلغ المالي المطلوب".

وكما ذكرنا فقد بدأ نظام الأسد بإطلاق هذا النوع من الحفلات للترويج لنفسه، ويأتي ذلك "بالتعاون مع جهات وشخصيات سياسية واقتصادية سورية تربطها علاقات مع النظام من جهة ومع الفنانين أصحاب الحفلات من جهة أخرى، يصفها متابعون بأنها خطة جديدة من خطط التقارب والتطبيع مع النظام في إطار ما يسمّى بالتطبيع الفني"، وفقًا لما أورده "تليفزيون سوريا".

الموسيقى الجنائزية الشامتة

في هذا الإطار يقول الفنان السوري المعارض عبد القادر المنلا: "كل حفلات الموسيقى التي تقام في سوريا اليوم، تنضوي في إطار ما يمكن تسميته بالفرح السياسي، بالنشاطات الدعائية ذات الطابع الفني، الموسيقى الجنائزية الشامتة باختناقات السوريين وعذاباتهم وانسداد أفقهم وضياع حاضرهم ومستقبلهم، والنغمة الوحيدة الحقيقية التي تعبر عن سوريا تتجسد في إيقاع الموت الروحي الذي يحاصر السوريين الناجين من الموت الجسدي".

ويشير المنلا إلى أن الفنانين الذين يقبلون دعوات الأسد، "هم إما مغيبون وإما متواطئون وإما انتهازيون لا يترددون في استثمار اللحظة السياسية مهما كانت تكلفتها الإنسانية والأخلاقية مرتفعة، وبعضهم لا يجد عملاً أو فرصةً لإقامة حفل في بلده أو في أي بلد آخر، فيجد في قدومه إلى سوريا فرصة مواتية للارتزاق والتكسب بصرف النظر عن مدى تلوث مكان الحفل ومدى إجرام القائمين عليه".

يشار إلى أن النظام استخدم فنانيه المحليين من أجل خدمة مصالحه والترويج لروايته منذ قامت الثورة عليه عام 2011، ولم يكتف بعض الفنانين المؤيدين بسلوك منهج التشبيح الفني، بل تعدى ذلك إلى أن بعضهم حمل السلاح ليقاتل أبناء شعبه.

السلام لم يعد

وفي إطار حملاته التلميعية عكف النظام السوري على استقدام مشاهير السوشيال ميديا للترويج لمناطقه التي يعتبرها "آمنة" ويدعو المواطنين للعودة إليها، ويسعى النظام من خلال هذا الدعم الفني بكل وسائله أن يعطي صورة جيدة عن أماكن حكمه وسيطرته رغم ما يعتريها من أزمات ونكبات، وكانت حكومة النظام السوري قد كثفت من استغلال طرق الدعاية خاصة مع جولات "اليوتيوبرز" الأجانب.

أصدر العديد من مشاهير موقع "يوتيوب" خلال الأشهر الماضية صورًا ومقاطع لجولاتهم في محافظات متعددة غالبها يتبنى رواية النظام السوري، بدورها تحاول وسائل إعلام النظام تضخيم هذه الزيارات والحديث عنها ببرامج خاصة بها، وتحدثت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية في تقرير لها عن "تجنيد النظام السوري لمؤثري اليوتيوب الأجانب لإظهار سوريا أنها دولة آمنة"، وأوضحت الصحيفة أنه "منذ إعادة فتح حدود البلاد، يسافر المزيد من مستخدمي اليوتيوب إلى سوريا، حيث يتم إخفاء خطاب نظام بشار الأسد الديكتاتوري".

وبين التقرير أن "نظام الأسد فهم مصلحة منح تأشيرات السفر لهؤلاء السياح والكاميرا في يدهم، حيث يعتبرها إستراتيجية حقيقية من جانبه، والفكرة هي تشجيعهم على السفر إلى سوريا ومن ثم نقلهم إلى أماكن محددة ليقولوا لهم: انظروا، انتهت الحرب وسوريا دولة طبيعية"، وأكد التقرير أنه "لم يعد السلام حقًا إلى البلاد، التي لا تزال تحمل ندوب الصراع الذي أودى بحياة ما يقرب من نصف مليون شخص".

يحاول النظام السوري ما أمكن الترويج لروايته عبر منصات وأشخاص عدّة، لإيهام الناس أن سوريا باتت آمنة وأن سيطرته باتت مستقرة ولا يعكر صفوها أي شيء، لكن الأرقام والإحصاءات تكذب فكرة الأمان وفكرة الاستقرار، فسوريا كلها ما زالت تقبع تحت الفقر والجوع، كما أن كل سوري مهدد بأن يعتقل أو يقتل على يد النظام السوري دون أن يدري به أحد، أما هؤلاء المشاهير والفنانين فإنهم من خلال حفلاتهم هذه يضربون بدماء السوريين وعذاباتهم عرض الحائط، واضعين نصب أعينهم مصلحتهم فقط.