أدانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"معهد البحرين للحقوق والديمقراطية" في تقرير مشترك لهما مسار التقاضي داخل المحاكم البحرينية، متهمين إياها بإصدار أحكام جائرة بالإعدام، استندت في المقام الأول إلى اعترافات تم نزعها بالإكراه وتحت وطأة التعذيب بحسب شهود عيان.

التقرير الذي جاء تحت عنوان "المحكمة تطمئن إلى سلامة الاعتراف": أحكام الإعدام في البحرين بعد التعذيب ومحاكمات صُوَرية" الصادر في 54 صفحة، في 10 أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ، كشف العديد من الانتهاكات الكامنة وراء الإدانات والأحكام الصادرة بحق 8 مدانين محكوم عليهم بالإعدام من بين 26 شخصًا في انتظار تصديق القرار لتنفيذه بعد انقضاء مراحل التقاضي الاستئنافية المختلفة.

ليست المرة الأولى التي تواجه فيها المنامة تهم الانتهاكات الحقوقية الممنهجة، فالسجل الحقوقي للمملكة خلال السنوات الـ12 الأخيرة تحديدًا حافل بالجرائم والممارسات المدانة من الجميع، في ظل إصرار مشدد من القيادة الحاكمة على مواصلة هذا النهج الذي تحول مع مرور الوقت إلى سياسة ثابتة لترسيخ أركان الحكم ووأد أي متنفس للإصلاح والمطالبة بالتغيير.

وبينما كان عدد من الحقوقيين والخبراء يعولون على ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة، الذي عين رئيسًا جديدًا للوزراء، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، في أن يسير عكس اتجاه الراحل خليفة بن سلمان الذي كان يتمتع بسمعة سيئة حقوقيًا وله تاريخ معروف في التنكيل بالمعارضين، إلا أن الأمور لم تتغير، فالوضع على ما هو عليه، انتهاكات بالجملة واستهداف ممنهج للنشطاء والمعارضين.

نزع الاعترافات بالتعذيب

يشير التقرير إلى أن المملكة منذ 2017 أعدمت 6 أشخاص وذلك بعد إلغائها قرار وقف عقوبة الإعدام الذي لم يستمر إلا 7 سنوات فقط، فيما ينتظر 26 آخرين من المحكوم عليهم مصادقة الملك حمد بن عيسى آل خليفة على أحكام الإعدام الصادرة بحقهم لتنفيذها فورًا.

المتهمون الثماني في توثيق المنظمتين لشهادتهم أكدوا أن الاعترافات التي بمقتضاها حكمت عليهم المحكمة بالإعدام جاءت تحت التعذيب ووحشية المعاملة، وهي الشهادات التي أكدها الأطباء بعد توقيع الكشف الطبي عليهم، إلا أن النيابة العامة لم تحقق في تلك الادعاءات وهو ما يثير شكوك ذوي المتهمين.

كما أن المحكمة لم تكلف نفسها مشقة تقصي ومناقشة أقوال المتهمين، معتمدة على قرار النيابة وتقرير أجهزة الأمن، لينتهي قرارها بأن الإجراءات سليمة وأنه لم يكن هناك أي سوء معاملة، وبالتوازي مع ذلك حرمتهم من الاستعانة بمحام في أثناء عملية الاستجواب بما يخالف نص القانون، لتضفي المحكمة أجواءً قاتمةً على مسار التقاضي الذي بات واضحًا أنه يفتقد للحد الأدنى من معايير العدالة.

وفي ضوء ما سبق جاءت الأحكام بالإعدام عكس ما استقر في مجلدات القانون والدستور بحسب تقرير المنظمتين وشهادات الشهود، حتى إن الأحكام الصادرة مليئة بالتناقضات وفي بعض الحالات هناك تعارض واضح بينها وبين أدلة مسلم بها، ما حول شكوك فقدان التقاضي للنزاهة إلى واقع لا يمكن التشكيك فيه.

وأورد التقرير شهادة أحد المحكوم عليهم بالإعدام ويدعى "زهير إبراهيم جاسم عبد الله" الذي ألقي القبض عليه في 2018 بتهمة قتل شرطي، يقول المتهم إن المحققين جردوه من ملابسه كاملة وهددوه بالاغتصاب واغتصاب زوجته أمامه، كما أنهم عرضوه لصدمات كهربائية على صدره ومناطق حساسة بجسده، وهو ما أجبره في النهاية على الاعتراف على نفسه تحت وطأة هذا التعذيب.

وفي أبريل/نيسان من العام ذاته قدم المتهم شكوى لتظلمات وزارة الداخلية يشكو فيها من تعرضه للتعذيب وأن الاعترافات جاءت بالإكراه، غير أن المحكمة لم تأخذ بشكواه، وكتبت في حكمها النهائي أن "التحريات.. تضمنت مقومات جديتها التي تبعث على الاطمئنان لصحة ما جاء بها"، لتصدر حكمها في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بإدانته والحكم عليه بالإعدام بناء على "اعترافه"، ورغم أنه استأنف على هذا الحكم، فإن ما حدث في المحكمة الأولى تكرر في محكمة التمييز والإدانة التي أيدت الحكم في يونيو/حزيران 2020.

في تعليقه على شهادات المحكوم عليهم بالإعدام يقول نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، مايكل بيج: "عادةً ما يعلن المسؤولون البحرينيون أن الحكومة تحترم حقوق الإنسان الأساسية، لكن في قضية تلو الأخرى، اعتمدت المحاكم على الاعترافات القسرية على الرغم من ادعاءات المتهمين الموثوقة أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة. الانتهاكات الحقوقية العديدة التي تكمن وراء أحكام الإعدام هذه لا تعكس نظامًا للعدالة، بل نمط من الظلم".

فيما استنكر المستشار بالمنظمة وكاتب التقرير، جوشوا كولانجيلو، هذا التغريد عكس اتجاه العدالة، قائلًا: "من المروع الحكم على الناس بالإعدام لا سيما في ظل مزاعم التعذيب وبعد محاكمات جائرة. ينبغي للملك حمد فورًا تخفيف جميع أحكام الإعدام وينبغي للحكومة إعادة الوقف الفعلي للإعدامات".

اتهامات لحلفاء المنامة

الاستمرار في هذا النهج المعاكس للنزاهة القضائية يحمل بين طياته تهديدًا مباشرًا للمئات من القابعين في السجون البحرينية، الذي من الممكن أن يزج بهم نحو مقاصل الإعدام عبر اعترافات يتم نزعها نزعًا بأسواط التعذيب والتنكيل، وهو ما حذر منه الحقوقيون ممن طالبوا بتدخل قوي وسريع لوقف تلك الممارسات الوحشية الممارسة بحق المتهمين.

مدير المناصرة في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، سيد أحمد الوداعي، أشار إلى أن النتائج التي خرج بها التقرير تدق ناقوس الخطر وتحمل تبعات مدمرة على النزلاء المحكوم عليهم بالإعدام، مناشدًا حلفاء البحرين وعلى رأسهم بريطانيا والولايات المتحدة بالتدخل واتخاذ خطوات حاسمة للوقوف مع الضحايا قبل فوات الأوان.

وتتعرض بريطانيا إلى انتقادات حادة كونها شريكًا أساسيًا في الانتهاكات الحقوقية البحرينية، وأحد الداعمين البارزين للسلطات الأمنية في المملكة، إذ تبلغ مساعداتها لوزارة الداخلية البحرينية 1.8 مليون جنيه إسترليني مقدمة من وزارة الخارجية البريطانية.

وتكشف "هيومن رايتس ووتش" تلقي وزارة الداخلية البحرينية مساعدات من دافعي الضرائب البريطانية، من خلال صندوق الإستراتيجية الخليجية السري التابع لوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، (في السنة المالية 2021-2022، منح الصندوق البحرين 710.028 جنيه إسترليني، ارتفعت إلى مليون و800 ألف جنيه إسترليني في العام المالي الحاليّ) وقد بررت لندن تلك المساعدات بأنها تستهدف توفير الأمن على المدى الطويل من خلال "دعم تنفيذ قانون العدالة للأحداث وإصلاح العدالة الجنائية وبناء قدرات هيئات الرقابة المستقلة في البحرين".

وتتخوف الخارجية البريطانية من اللجوء إلى سياسة "سحب التمويل" المقدم للسلطات الأمنية البحرينية، لافتة إلى أن ذلك سيكون له نتائج عكسية، إما على مستوى العلاقات بين البلدين من جانب وإما من رد الفعل الأمني إزاء المتهمين، وهو المرجح أن يحمل صيغة انتقامية مباشرة ربما تعرضهم لتهديد أكثر مما هم فيه اليوم.

وتعد البحرين أحد حلفاء أمريكا وأوروبا و"إسرائيل" الموثوقين في الشرق الأوسط، وهو ما ساعد سلطاتها على المضي قدمًا في سياسة الانتهاكات والتنكيل بالمعارضة والنشطاء، دون أي اعتبارات لمساءلات دولية أو استهداف بالعقوبات من المجتمع الدولي، ما وضعها وحلفاءها في مرمى الانتقادات الحقوقية عامًا تلو الآخر.

الملف الحقوقي الأسود

تواجه المملكة الخليجية انتقادات لاذعة بسبب سجلها الحقوقي المشين، ففي بداية العام الماضي قدمت 20 منظمة حقوقية، من بينها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، رسالة مشتركة إلى مسؤول السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل والممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان إيمون جيلمور، اتهموا خلالها الحكومة البحرينية بانتهاج سياسات قمعية خلال الفترة الماضية، ومحذرين من استمرار هذا النهج الذي يبدو أنه لن يتوقف.

المنظمات العشرين في رسالتهم طالبت قادة أوروبا بإعادة النظر في علاقات بلادهم مع المنامة، وكان ذلك تعليقًا على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، إلى بروكسل في 10 فبراير/شباط 2021 ولقائه بعض مسؤولي الاتحاد.

كما وجّه 11 نائبًا في مجلس العموم البريطاني العام الماضي رسالة إلى وزير خارجية بلادهم طالبوا فيها باتخاذ مواقف حازمة وإجراءات صارمة ضد البحرين بسبب استهداف المعارضين والنشطاء والتنكيل بهم، فضلًا عن جرائم القتل خارج القانون التي تزايدت في الفترة الأخيرة بصورة مقلقة بحسب الرسالة.

وكانت "منظمة العفو الدولية" قد أصدرت في سبتمبر/أيلول 2016 تقريرًا عن الأوضاع الحقوقية في البحرين جاء تحت عنوان: "لا أحد يستطيع حمايتكم: عام من قمع المعارضة في البحرين"، كشف بعضًا من الانتهاكات التي تتعرض لها المعارضة البحرينية في الداخل والخارج، واستهدافها الممنهج من السلطات، وهو التقرير الذي لاقى حينها اهتمامًا إعلاميًا دوليًا كبيرًا.

وهكذا تواصل الدولة الخليجية نهجها القديم الذي يتخذ من كبت الحريات واستهداف المعارضين وتضييق الخناق سبيلًا واحدًا لترسيخ أركان الحكم وغلق كل الأبواب والنوافذ أمام أي بصيص أمل يسمح بدخول شمس الإصلاح والتغيير، حتى لو كان ذلك على حساب جثث وأشلاء وأرواح وحرية الشعب البحريني نفسه.