حلاوة الحديث الفرنسي التي تملأ الكتب وتفيض من الأكاديميات عن الديمقراطية ما زالت تخدع الكثيرين، فقد خدعت أجيالًا كثيرةً منذ قرنين وكأن ضحايا هذه الخديعة لا يتعلمون من نكباتهم، لن نستعيد فظائع الاحتلال الفرنسي لكن سنمر إلى القرن الواحد والعشرين حين تدخلت فرنسا بكل ما أتيح لها من وسائل في تجارب بناء الديمقراطية في شمال إفريقيا وخربتها وأعادت إلى الحكم النخب التي ربتها على هواها في الجامعات الفرنسية، ورغم بشاعة ما ارتكبته فإنها لا تزال تروج لخطاب ديمقراطي وتزعم مساعدة الديمقراطيين على بناء تجاربهم.

فرنسا بلد معتدٍ

كان ذلك واضحًا من تحريض عسكر الجزائر على إلغاء نتائج انتخابات عام 1989 وفرض حكومات بشخصيات فرانكفونية تولت محق الإسلاميين وردم التجربة التعددية، وفي أثناء ثورة الربيع العربي وقفت فرنسا مع نظام بن علي في تونس حتى الساعات الأخيرة وعرضت الدعم بالمال والسلاح، وبعد أن ركب الطائرة هاربًا من شعبه رفضت فرنسا استقبال طائرته وطردته من سمائها، ثم وجدناها ترسل حكومةً جاهزةً من شخصيات ربتها في مؤسساتها وجامعتها لتحل محل حكومة بن علي.

في مصر كانت من أول الدول التي أعلنت ترحيبها بالانقلاب ودعمته سياسيًا في أوروبا وأسكتت الأصوات المنافقة التي تعيش من خطاب التنديد بالعسكر، ولا تزال تخرب في ليبيا، فقد دخلت على مسار الثورة الليبية منذ انطلاقها وحاولت تجييرها لمصلحتها وكانت نيتها في إخفاء علاقتها مع القذافي هي ما وجه تدخلها العسكري على الميدان، ولاحقًا كانت تقف علنًا مع حكومات طرابلس التي تحركت تحت شرعية الأمم المتحدة، فيما خبراؤها العسكريون ينظمون صفوف عسكر حفتر، وقد قبض على بعضهم هاربًا عبر التراب التونسي بعد سقوط قاعدة الوطية في يد حكومة طرابلس، ولا تزال تخرب الوضع الليبي حتى تحصل شركاتها قسط الأسد من نفط ليبيا.

في عمليات ترتيب الوضع السياسي الجارية الآن في المتوسط وفي ظل تعاظم الدور التركي وتأثير تنسيق الموقف السياسي بين الولايات المتحدة والأتراك خاصة في ترتيبات وضع تونس وليبيا، نزلت فرنسا بنصف حكومتها في الجزائر لتقطع الطريق على أي ترتيبات لا تضمن لها وجودها في الجزائر ولا تضمن حقها في ممرات الطاقة والمعادن من إفريقيا.

وما يثير الاستغراب في كل هذا ليس ما ترغب فيه فرنسا، بل في سرعة استجابة حكومات بلدان شمال إفريقيا لرغباتها، وهنا ينكشف عمق الاختراق الفرنسي للنخب بكل تصنيفاتها، لقد احتلت فرنسا النخب منذ مرحلة الاحتلال العسكري وهي لا تزال تحكم مستعمراتها القديمة دون أي كلفة، فالنخب المتفرنسة تتكفل بإلحاق دولها وشعوبها بفرنسا، وهذا شكل جديد من الاحتلال لم يصنع مثله أي بلد أوروبي مارس الاحتلال خارج حدوده.

احتلال العقول اختصاص فرنسي

كل الاحتلالات نسيت تقريبًا وإن كانت تركت لغتها في مستعمراتها (مثل المستعمرات الإنجليزية في آسيا)، لكن فرنسا تركت أكثر من اللغة، لقد ربت نخبًا تخدمها بعقولها وإراداتها ومواقعها وهي تحظى بدعمها منذ إعلان الاستقلالات الشكلية في الخمسينيات، وقد اشتغلت طويلًا حتى قبل خروجها العسكري على برامج التعليم وبرامج الثقافة لزرع نموذج فرنسي في كل عقل يقترب منها بلغتها، فهي توفر منح الدراسات الجامعية في الاختصاصات التي تريد وهي مانحة الدعم المالي للمنتجات الثقافية وتعتبر نخبة السينما التونسية نموذجًا مثاليًا لدراسة عمليات صناعة النخب التابعة المخلصة لمن مولها.

إن فرنسا هي من يضع النخب المتفرنسة في مواقعها، لذلك لا غرابة في أن تكون وزارات التعليم والثقافة دومًا تحت إشرافها (من المدارس الابتدائية إلى الجامعات) وكل من استوزر فيها لم يتوان في خدمة اللغة والثقافة الفرنسية، لذلك فهي تفشل في ليبيا فتستخدم قوتها العسكرية المباشرة، فالليبيون لم يدخل ثقافتهم لفظ فرنسي لذلك ظلت عقولهم مستقلة عن هذا النموذج.

بهذه النخب تحكم فرنسا مستعمراتها القديمة ومنها تونس والجزائر وبلدان إفريقية كثيرة دخلت الآن مرحلة التمرد على فرنسا بعد اكتشافها مقدار الخراب الذي جرته التبعية لفرنسا، لقد دخلت إفريقيا مرحلة حساب الزمن المتبقي لفرنسا على ترابها ولا نراه يطول.

ماذا عن الديمقراطية في تونس؟

لن تبنى تجربة ديمقراطية في تونس في وجود فرنسا ونخبها، فقد كان من حسن ظن ثوار 17 ديسمبر/كانون الأول أن تقدموا ضد بن علي دون أن يعرفوا حقيقة النظام الذي ورثه عن بورقيبة والآن وبعد 12 سنة من العذاب في طريق الديمقراطية تتضح الصورة، لقد خربت فرنسا التجربة وإذا كانت هناك نية أو عزيمة لإعادة إطلاق عملية بناء ديمقراطي فيجب أن تتجه ضد فرنسا ونفوذها عبر ضرب نخبها في مواقع القرار التي يحتلونها بأمر منها أحيانًا أو بدعم مباشر وغير مباشر أحيانًا أخرى.

سيكون هذا قانون سوسيولوجي: السير في طرق الديمقراطية في مستعمرات فرنسا يبدأ أولًا بالتحرر النهائي من الثقافة الفرنسية والنخب التابعة لهذه الثقافة قبل التحرر من العسكر، قبل التحرر الاقتصادي وجب التحرر الثقافي بعملية تصفية جذرية بوسائل الثورات للنخب التي زرعتها فرنسا في شرايين مستعمراتها القديمة، وهي للصدف الغريبة كلها نخب حداثية ويسارية لا تفهم من اليسار إلا خدمة رأس المال الفرنسي في بلدنها.

هذا ما لم يحدث وما كان له أن يحدث زمن إعلان السعادة بخروج الجيوش من المستعمرات، لقد قامت النخب المتفرنسة بما لم تقم به الجيوش، لقد وضعت بلدانها تحت النير الفرنسي راضية وسعيدة.

سبب فشل الثورة التونسية في إرساء نموذج ديمقراطي حتى الآن ليس فقر البلد، بل تدخل فرنسا ونخبتها التي فرضت على الثورة كل المعارك الخاطئة ومكنت للنقابة بجائزة نوبل فكسرت مسار الخلاص الاقتصادي بمطلبية تعجز دونها أقوى الموازنات، والوضع الكارثي الذي يعيشه البلد بعد الانقلاب هو صناعة فرنسية بامتياز.

كم كان لفرنسا من نفوذ وتأثير في انقلاب قيس سعيد؟ ليس لدي تفاصيل استخبارتية لكن الانقلاب باق حتى اللحظة بسند فرنسي وقد يجد منافذ للبقاء بتدخلات فرنسية في الجوار الدولي لحمايته من فشله الداخلي.

نختصر ونختم: من يرغب في بناء تجربة ديمقراطية سليمة وقادرة على البقاء والنجاح والتطور، فليحارب فرنسا ونخبها أولًا ثم يفكر في بناء الديمقراطية، فبلد مر برأسه يد النخاس الفرنسي هو بلد محتل دومًا، ولا يمكن بناء أي تجارب ديمقراطية تحت الاحتلال.