استغرقتنا العاديات وأخذ منا تحليل الأمور الجارية وقتًا وجهدًا، ونكتشف أن ذلك ضيّع منا ملفات هامة وأمور أساسية لم نُولِها حقّها في القراءة، لقد كان الفرح بالحرية غامرًا حتى ظننا أن الحرية قد تحقّقت على الأرض، بحيث لا يمكن نقضها والارتداد عنها إلى وضع بائس كنا عرفناه قبلها واحتفلنا بنهايته. نحتاج في ظني إلى استئناف النقاش حول سؤال مؤسّس من نكون لنكون كما نحب أن نكون؟

دون الإيهام بإعادة اكتشاف العجلة أو تفسير الماء، أجد حاجة إلى طرح مثل هذا السؤال والدفع إلى جعله موضوع نقاش يومي في ساحة فكرية وسياسية، غلب عليها الفرح الكاذب والثقة الغبية بالنفس، أو هكذا أظن، فقد غلب الشك اليقين بكل شيء.

يا مرآتنا قولي لنا نحن الأجمل

ربّتنا مدرسة دولة الاستقلال على أننا شعب مستقل في دولة ذات سيادة. كل وسائل التنشئة الاجتماعية، بما في ذلك حديث آبائنا عن معارك الاستقلال، اشتغلت على إقناعنا بمجدنا في دولتنا تحت حكم زعمائنا وأبطالنا، والذين اشتغلوا مثلي بالتعليم واصلوا بثّ الفكرة في أذهان الأجيال المتتابعة، وعندما كنا نكتشف هشاشة ما نحن فيه كنا نهرب إلى المزيد من بثّ فكرة وجودنا في دولة، وفرضها أحيانًا بتواريخ ووقائع مصطنعة.

عندما حدث الانقلاب على المسار الديمقراطي الذي أسّسته الثورة، لم نقبل أن تتعرى هشاشة بنياننا السياسي، ولم نقبل أن نراه مخترقًا كغربال قديم، ما زلنا نفزع إلى تكذيب وضع الهشاشة السياسية كي لا نرى أننا أقل من دولة ذات سيادة، وقد حان آن أن نتوقف عن إيهام أنفسنا بكذبتنا الجميلة.

ليعترض من يشاء على هذا القول، وليعدّد لنا توفر كل العناصر الشكلية التي تثبت وجود الدولة، لكن الدولة أكبر من شكلها القانوني وأكبر من حديث السياسيين عن الدولة التي يودّون حكمها، فالدولة التي تقنع مواطنيها بالبقاء فيها وخدمتها وتطويرها لم تكتمل في النفوس والأجهزة الحاكمة، خاصة بعد أن عرّى الانقلاب جوهرها.

يمكن أن تدل الدولة على وجود جهاز ردع قوي، لكن جهاز الردع ليس الدولة، إنه أقرب إلى عمل العصابات ما قبل الدولة، وحتى الاستعانة بماكس فيبر لتنظير احتكار العنف لا يمكنها الإقناع بأن العنف الرسمي الذي عشنا ونعيش لم يرقَ إلى عمل دولة، بل نراه عمل جهاز حراسة متقدمة لمصالح فئوية ليست الدولة عندها إلا مدفن نفايات بمقابل.

لقد صنعنا مرآتنا الخاصة وقلنا لها أن تردَّ لنا صورتنا التي نحب أن نكون عليها لا صورتنا الواقعية. لدينا الآن كمّية من الفرح الغبي بأننا نطابق كل أفعال التفضيل التي احتوتها معاجم العربية، العربية التي نستهين بها فلا نعلّمها لأولادنا ونقول بوقاحة إنها لغة ميتة.

هاربون من معركة الاستقلال

إن السهولة التي وصل بها قيس سعيّد إلى سدّة الحكم، ثم بقاءه وفرضه لأجندته التي لا نجد لها وصفًا غير السخافة والتفاهة، لا تشكّل فضيحة ثقافية فحسب بل تكشف أننا هاربون من معركة أكبر وذات كلفة عالية، هي معركة نقد حقيقة استقلال بلادنا عن قوى الهيمنة وخاصة منها المحتل القديم، ثم العمل على إعادة فتح المعركة وليس بالضرورة بحمل السلاح. هل هو هروب الجاهل أم هروب الجبان؟

أحاذر في كل جملة أن أقف مزايدًا بالشجاعة، لكني أعاين ضعف الإيمان باحتمال الاستقلال عن الهيمنة الفرنسية أولًا، بل أقرأ لمن يرى ذلك مستحيلًا، وأن فرنسا قدرنا الوحيد.

يقول الجميع إننا في عالم متعدد الأقطاب، وأنه يمكن المرور بين هذه الأقطاب للاستفادة من تناقضاتها، لكن مشهد الرئيس الفرنسي يملي على رئيس تونس ما عليه فعله لم يُثِر حمية الفاعلين الذين يقودون المشهد السياسي في السلطة وفي المعارضة على السواء. وهل يكفي بيان استنكار لرفع العتب؟

يكتب البعض معجبًا ببعض ما يفعل الجزائريون بجوارنا بخصوص استبعاد اللغة الفرنسية من نظامهم التعليمي، وإخراج سوقهم من هيمنة المنتجات الفرنسية، لكن هذا الإعجاب لم يتحول إلى مشروع لا في الخطاب السياسي ولا في الممارسة، وهو ما يكشف الشهوة المحرَّمة أو التمني العاجز. ما سرّ هذا العجز؟

أقف حائرًا لا أسلّم باستخلاص سهل عن جبن النخبة وجهل الشعب، لذلك أميل إلى القول إن الوعي بحقيقة الهيمنة يفرض خطة للتصدي والشروع في المقاومة ولو بشكلها السلمي، وهذا بدوره يكشف الكلفة العالية التي على كل سياسي أن يتحمّلها ليقود معركة إعادة تأسيس السيادة عبر الاستقلال. كلفة قد يكون ثمنها الحياة.

كل الذين تصدّوا لإدارة البلد بعد الثورة تحركوا ضمن الموجود/ الموروث دون تغييره، يستوي في ذلك الإسلاميون واليسار والقوميون وفلول النظام القديم العائد عبر منافذ الديمقراطية، فهم واحد وإن تعددت أسماؤهم.

وبمقارنة فعلهم الآن بخطابهم السيادي قبل الثورة، نجد أنهم اكتشفوا الكلفة ونكصوا على أعقابهم في تجسيد مطلب الاستقلال الكامن ضمن مطالب الثورة الاجتماعية، لقد شهدوا جميعهم سفير فرنسا يملي على وزير التربية حجم اللغة الفرنسية في المقرر قبل العربية (اللغة الوطنية) ولم يحرّكوا ساكنًا.

من نحن الآن وهنا؟

كأننا شعب في كيان كأنه دولة، لكننا خليط غير متجانس حول حياة جماعية مشتركة، فينا قوميون عرب لا يدافعون عن اللغة العربية، وفينا إسلاميون يعظوننا في أمور عبادتنا ولا ينشغلون بأمور دنيانا، وفينا يسار مشغول بقضايا المثلية أكثر من قضايا العدالة الاجتماعية، وفينا ليبراليون يكتفون باقتصاد المناولة مع الشركات الفرنسية، والجميع لا ينطق من خوف وجهل باستقلال البلد.

نحن في هذه اللحظة مستسلمون لوضع تعدد زائف كأنه مطلوب لذاته ونظن أنه لا يكلفنا الكثير، والحقيقة أنه يكلفنا وجودنا نفسه، ونحن في محاولتنا التصدي للانقلاب لاستعادة الديمقراطية، لا نذهب إلى حد الاتفاق على أهمية الحرية السياسية التي تفرض طرح قضية الاستقلال، ولا نضع مطلب الديمقراطية ضمن مطلب الاستقلال، رغم اتضاح الرؤية بأنه لا ديمقراطية تحت الاحتلال.

إن معارضي الانقلاب يذهبون إلى باريس بفيزا فرنسية للحديث عن إسقاط الانقلاب برضا الدولة التي صنعته وحمته، رغم توفر كل الأدلة على هذا الدور، وحتى معارضي الانقلاب من داخله ينكشفون أمامنا بأنهم ينسّقون عملهم مع السفارة، وربما بتمويل منها قد تكشفه المحاكم.

الآن وهنا نحن جماعة بشرية بلا بوصلة سياسية، فإبرة البوصلة تشير إلى الاستقلال، وهذه طريق وعرة تقتضي مراجعات شجاعة، أقول بأسف مرّ إن ليس لها جنود. في مدى منظور ستقوم دولة الاحتلال بتغيير رأس السلطة برأس تختاره لنا، لنتحرك ضمن الهامش المتروك لشعب تحت الاحتلال. كل ما أتمناه في قادم الأيام والشهور أن تكذّبني الوقائع.