"ابقى اسأل الحمار"، نكتة سياسية قيلت في عصر السادات تروي أن صاحب عربة يجرها حمار وقف على كوبري قصر النيل في وسط القاهرة والمرور معطل بسببه وحينما استوقفه شرطي المرور ليسأله لماذا تقف هكذا؟ رد عليه صاحب العربة أن ذلك بسبب الضباب، فتعجب الشرطي متسائلًا أين الضباب؟ فقال له صاحب العربة: ابقى اسأل الحمار، النكتة كانت تهكمًا على الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي كان يرجع العديد من مشكلات البلاد إلى حالة "الضباب السياسي" وهو ما منع مصر عن الحرب حسبما رأى الشارع في ذلك الحين، مصر حينها كان من المفترض أن تكون مصر في حالة حرب جزء منها محتل (سيناء).

كانت الدعابة منتشرة بحس سياسي، وأمور الحريات لم تكن هم السلطة في ذلك الحين قمعها نظرًا لانشغالها بأمور الحرب، وما إن انتهت من أمر الحرب حتى فرغت لتعقب النكت السياسية ومروجيها في انتفاضة الخبز سنة 1977.

******

الزمان: فبراير 2013 - عصرًا، المكان أحد المقاهي الشعبية بريف مصر، دار حديث بين مجموعة من المواطنين عن رئيس الجمهورية في ذلك الوقت بكل أريحية وذُكرت "أم" هذا الرئيس في معرض حديث أحدهم كنوع من الإمعان  في السخرية من السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، وما لبث أن انتهى هذا الحوار الممتع بين هذا الجمع وعاد كل إلى أدراجه.

******

خبر منشور في الجرائد المصرية بتاريخ 24/ 7/ 2014

ألقت قوات الشرطة من وحدة مباحث قسم شبين الكوم بالمنوفية القبض على أحمد إيهاب العزب، 22 سنة، طالب بالفرقة الرابعة بكلية الطب جامعة المنوفية، أثناء جلوسة على أحد المقاهي بشارع عاطف السادات بمدينة شبين الكوم وقيامه بترديد بعض العبارات التي تسخر من الجيش والشرطة، والتحدث عن شرعية الرئيس المعزول واعتصام رابعة وقتل المتظاهرين
انتهى الخبر.

******
عليك أن تعرف أن الضحك لم يعد مسموحًا به في مصر لأنه لم يعد من حق المواطن، بل احتكرت السلطة الضحك والكوميديا وفن "الإفيه" كما احتكرت كل شيء في البلاد، فلم يعد مستساغ أن يتدوال المصريون نكات تسخر من السلطة والقائمين عليها أو تندد بفشلهم، فالسلطة ورجالها كفيلون ببث النكات والكوميديا من خلال تصريحاتهم وتصرفاتهم خلال زياراتهم الرسمية ولقاءاتهم التليفزيونية.

فها هو ذا رئيس الجمهورية الرجل العسكري الذي يسبح بحمده الإعلام الحكومي والخاص يخرج بإفيه تتدواله صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لأيام وأيام ليصبح علامة فارقة في استحسان أوضاع البلد المعيشية وتروج له أبواق السلطة ألا وهو "مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق"، والمفارقة العجيبة أن هذه السلطة تخطو كل خطوات التحول لنموذج أسوأ بكثير من سوريا والعراق وذلك شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.

يأتي مسؤول آخر وهو وزير الخارجية ليتحدث عن علاقة مصر والولايات المتحدة التي لا تمثل نزوة عابرة وإنما هي علاقة حميمية كالزواج، أي سيناريست هذا الذي يدير المشهد المصري ليجعل الكوميديا صادرة فقط عن السلطة كأي شيء.

ولن نبتعد عن وزارة الخارجية كثيرًا لنعطي مثالًا آخر لفكاهية المشهد السلطوي المصري، حيث خرج السفير بدر عبدالعاطي المتحدث باسم الوزارة ليوضح أرقام الوزارة للمصريين العالقين في ليبيا لمساعدتهم، فيحاول المذيع تجربة رقم منهم على الهواء، وإذا بالسفير يردد سباب عبر الهاتف لا نعرف لمن ولكنه كان سبًا بالدين، ما يجعلك تشعر بمدى ضيق السفير من موقف حدث له على الهواء ولكننا لا نعرفه، وهذا لن يختلف كثيرًا عن وزير التعليم العالي الذي يطالب الشباب بأخذ الدكتوراة في السباكة والحلاقة مع الاحترام والإجلال للمهنتين العظيمتين، ولكن إذا كان رب البيت بالدف ضارب؛ فالقائد الملهم يبدو وأن حله لمشكلة البطالة كانت بعربات الخضار، فما العيب أن يخرج وزير التعليم العالي ليحل مشاكل الشباب عن طريق فتح الدراسات العليا بأقسام السباكة والحلاقة!!

******
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، البلد في حالة حرب ضد الإرهاب، يجب الاصطفاف خلف الزعيم الوطني الملهم  في حربه المزعومة، كيف تتجرأ وتسخر من الزعيم؟ مش وقته، السخرية لها حدود؟

عبارات ترددت عقب إعادة إذاعة برنامج البرنامج للمقدم الساخر باسم يوسف الذي ذاع صيته خلال عام من حكم زعيم آخر، لكن لم يكن هناك معركة فعلت أصوات السخرية منه حتى بلغت منتهاها.

هؤلاء الذين هللوا للنجم اللامع هم الذين حاصروا مسرحه أثناء إقامة عرضه الأسبوعي، الرجل ساهم بشكل أو بآخر ببزوغ نجم السلطة الحالية وإزاحة سابقتها، ولكن السلطة وأبناءها ضاقت به ذرعًا ولم تتحمل الضحك حينما يأتي من خارجها.

*******
يبدو وأن منع السيد باسم يوسف ليس هو المظهر الوحيد من مظاهر صمت الضحكة المصرية ويبدو أنه لم يلتفت لذلك هو الآخر فراح يمارس هوايته  بالسخرية من كل شيء، فلم تكن دماء الإسلاميين في الشارع قد جفت، ولم يخرج الآلاف من المعتقلين من زنازنيهم حتى لحظة إذاعة برنامجه فسادت حاله من الاستقطاب حتى على الضحكات حتى صمتت نهائيًا لينشغل كل تيار بمعتقليه داخل سجون السلطة، فترف الضحك لم يعد ممكنًا ولا ترف التظاهر ولا ترف الإضراب ولا أي شكل من أشكال الإزعاج للسلطة فقط راقب وشاهد القادة الملهمين وسوف تضحك ضحكة البكاء تلقائيًا، هذه الكوميديا المصرية التي صمتت كانت قد ساعدت المصريين على العيش في أحلك ظروف الفقر والمعاناة، ولكن السلطة الحالية تمنعها وترفضها باعتبارها وجه من أوجه المعارضة.

هذه الحالة جعلت أكثر مشاهير الكوميديا السياسية في مصر يغادرها بعد عدم معرفته أنه قد استخدم مرات ومرات ولم يعد له دور في اللعبة الجديدة، فليس ثمة ضحك في العهد الجديد، إنه البكاء على الدماء والمعتقلين ومشجعي الكرة والطلاب وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والعمال، فيبدو أن هذا تفسيرًا منطقيًا لسكوت المصريين هذه الفترة عن الضحك، ويبقى التساؤل علام سيضحك المصريون؟