لأول مرة اكتشف علماء الفلك وجود جزيئات عضوية تحيط بنجم واقع في القلب من منظومة شمسية لا تزال في طور التشكّل، ليكون اكتشافهم أول دليل على احتمالية نشوء الحياة حول نجوم أخرى غير الشمس، إذ أن الجزيئات العضوية، كما هو معروف، هي اللبنات الأساسية لكافة أشكال الحياة على الأرض، بدءًا من النباتات وحتى البشر.

وقد أثبت العلماء القائمون على الاكتشاف أن المركب الكربوني العضوي ميثيل السيانيد (CH3CN)، موجود في القرص المحيط بالنجم الوليد المسمّى MWC 489، والذي يصل عمره بالكاد إلى مليون سنة، بالإضافة إلى مركّب سيانيد الهيدروجين (HCN)، هذا ويُعَد القرص الذي تشكّل مؤخرًا حول النجم النواة التي عادة ما تؤدي إلى ظهور الكواكب حول النجم.

تم الاكتشاف عن طريق مرصد ألما ALMA (مصفوف أتاكاما المليمتري الكبير)، والذي أظهر احتواء أطراف القرص الباردة على الجزيئات العضوية، على بعد حوالي 4.5 إلى 15 مليار كيلومتر من النجم، وهي منطقة تماثل حزام كويبر في النظام الشمسي الذي نعيش فيه — وهو حزام الكويكبات الذي يقع بعد كوكب نيبتون.

لهذا السبب، ونتيجة احتواء المذنبات والكويكبات الموجودة في أي نظام شمسي على بقايا الجزيئات العضوية التي عبّدت الطريق لقابلية ظهور الحياة على أي كوكب، يهتم علماء الفلك بدراسة المذنبات والكويكبات الموجودة في النظام الشمسي الخاص بنا، كما تشي بذلك المهمة “رشيد” Rosetta، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي صوب المذنب المعروف بـ67P، والتي هبطت منذ عدة أشهر، وكذلك المهمة الفضائية “داون” Dawn التي أطلقتها ناسا نحو الكويكبين فِستا Vesta وسِرِس Ceres.

“تُظهِر لنا دراسة المذنبات والكويكبات أن السحابة التي أحاطت بشمسنا كانت غنية بالمياه والمركّبات العضوية، ونحن نمتلك الدليل الآن على وجود نفس تلك الطبيعة الكيميائية في مكان آخر بالكون مختلف تمامًا عن نظامنا الشمسي،” هكذا يقول كارين أوبِرج، عالم الفلك بمركز هارفرد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، والذي يلفت نظرنا إلى أن تركيز المركبات العضوية في النجم MWC 480، مشابه تمامًا للتركيزات التي وجدها العلماء في مذنبات المجموعة الشمسية الخاصة بنا.

على صعيد آخر، يبلغ وزن النجم MWC 480 ضعف وزن الشمس، وهو يبعد عنا بحوالي 455 سنة ضوئية فقط، ويقع في منطقة تشكّل النجوم بكوكبة الثور، كما أن القرص المحيط به لا يزال في مراحله المبكرة جدًا، إذ تكوّن مؤخرًا من قلب سحابة الغبار والغاز الباردة التي أحاطت بالنجم، ولا يزال على عاتق الباحثين بمرصد ألما البحث عن أي بوادر لانبثاق كواكب منذ هذا القرص.

يعرف العلماء أن سحب الغاز والغبار النجمية الباردة والداكنة هي معاقل لإنتاج المركبات العضوية المعقدة، بما فيها مجموعة السيانيد التي ينتمى لها المركب الكربوني موضع البحث، وهي مجموعة مهمة نظرًا لاحتوائها على روابط كربونية نيتروجينية Carbon-Nitrogen Bonds، وهي روابط ضرورية لتشكيل الأحماض الأمينية؛ العامود الفقري للبروتينات في أي كائن حي.

ما لا يزال خافيًا على العلماء هو كيف يمكن لهذه الأنواع من المركبات والروابط الكيميائية أن تظل قائمة لملايين السنين، ولا تنكسر أو تتفكك تحت تأثير الأشعة القوية المنتشرة في الكون، إذ تشير البحوث وعمليات الرصد أن تلك المركبات تستمر بشكل كبير، بل وتظل تتكاثر بسرعة بوجه تلك الظروف الكونية العصيبة، على سبيل المثال، توجد كميات من ميثيل السيانيد حول نجم MWC 480 بما يكفي لملأ كافة محيطات كوكب الأرض، وهو ما يجعل التفسير الوحيد المقبول حتى الآن أن عملية التكاثر تحدث بشكل سريع جدًا بالدرجة التي يستحيل معها أن تحصل العوامل القادرة على تفتيت الروابط الكيميائية على فرصة لتفتيت تلك العينات الكبيرة المتفرقة من المركّبات العضوية.

بينما يستمر نظامنا الشمسي في التطور، يعتقد علماء الفلك أن المركبات العضوية الموجودة داخل مذنباته وكويكباته قد تستطيع الانتقال إلى منظومات أخرى قد تكون إحداها أكثر قابلية للحياة، لتستطيع الحياة أن تنشأ عليها ولو بشكلها البدائي؛ في صورة بكتيريا وكائنات أحادية الخلية، وهو اعتقاد تدعمه الدراسات التي تجري حاليًا على الكواكب الخارجية (الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية)، والتي تعج بالمياه والصخور مثلها مثل كوكبنا، “نحن لسنا فريدين في هذا الكون، على الأقل فيما يخص الكيمياء العضوية، إنه خبر سعيد،” هكذا يقول أوبِرج.