ترجمة وتحرير نون بوست

لقد كان نضالًا طويلًا وشاقًا، ولكن نظرة إلى مختلف اقتصادات العالم المعنّفة نتيجة للأزمة الاقتصادية السابقة كافية لنعلن أن الحرب ضد الفوضى المالية والانكماش قد اُختممت؛ ففي عام 2015، وفقًا لصندوق النقد الدولي، وللمرة الأولى منذ عام 2007، جميع الاقتصادات المتقدمة ستتوسع، وسيتجاوز النمو في الدول الغنية 2%، للمرة الأولى منذ عام 2010، ومن المرجح أن يرفع البنك المركزي للولايات المتحدة أسعار الفائدة المتدنية التي كان يعمل وفقها.

ومع ذلك، فإن الاقتصاد العالمي لا يزال يواجه جميع أنواع المخاطر، من ملحمة الديون اليونانية إلى أسواق الصين المرتعشة، والتاريخ يذكر عددًا قليلًا فقط من الاقتصادات التي استطاعت المضي لأكثر من عشر سنوات دون الدخول في دورة الكساد الاقتصادية، والسبب بذلك، هو قانون مورفي، "إذا توفرت الإمكانية لشيء سيء لكي يحدث، فسوف يحدث"، لذا، عاجلًا أم آجلًا، صناع القرار سيتواجهون بإنكماش اقتصادي آخر، والخطر الكامن هنا، هو أن الحكومات والبنوك المركزية استخدمت كامل ترساناتها ضمن الأزمة المالية السابقة، وهذا ما سيجعلهم يتواجهون مع أزمة الركود المقبلة بدون ذخيرة كافية، وللمفارقة، فإن الحد من خطر الأزمة المحدقة بنا، سيتطلب الاستعداد للحفاظ على موقف الخسارة الذي نعيشه الآن لفترة أطول.

انقشاع دخان الأزمة

الأخبار الجيدة تأتي من أمريكا، الدولة التي تقود قطيع ذئاب العالم الغني، فالانكماش الأمريكي غير المتوقع في الربع الأول مر مرور الكرام، وذلك بسبب الكثير من العوامل مثل المناخ، وأحدث البيانات تُظهر ارتفاع مبيعات السيارات، وارتفاع أرقام العمالة، مما يدلل بقوة على أن وتيرة النمو في انتعاش مستمر، كما وظفت الشركات الأمريكية حوالي 280.000 عامل جديد الشهر الماضي، وأرباب العمل أصبحوا أخيرًا بحاجة إلى دفع المزيد من الأجور بغية العثور على العمالة التي يحتاجون إليها.

وفي أجزاء أخرى من العالم الغني الأمور في تحسن أيضًا، ففي منطقة اليورو معدلات البطالة آخذة بالانخفاض، والأسعار ترتفع مرة أخرى، ورغم أن التعافي والانتعاش في بريطانيا قد تأخر قليلًا، ولكن نمو العمالة المطرد يوحي بأن التوسع الاقتصادي سيستمر، كما أن اليابان حلّقت في مقدمة الصف في الربع الأول، حيث وصل معدل النمو السنوي لديها إلى 3.9%، وبمعنى آخر، التعافي الاقتصادي الواسع النطاق والمستمر في العالم ليس مجرد صدفة عابرة.

ولكن مع ذلك، لا تزال عوامل الهشاشة موجودة بالضرورة، فأوروبا ترزح تحت وطأة دين عميق، وتعتمد بشكل شبه كلي على الصادرات، واليابان عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمواجهة التضخم المطرد الذي يجتاحها، كما أن ارتفاع الأجور قد يعمل على تبديد أرباح وتقييمات الشركات في أمريكا، فضلًا عن الاقتصادات الناشئة، والتي تمثل الجزء الأكبر من النمو في سنوات ما بعد الأزمة، شهدت أيامًا أفضل من التي تعيشها الآن، ومن المتوقع أن تتقلص في هذا العام اقتصادات البرازيل وروسيا، والبيانات التجارية الضعيفة لدى الصين تدلل على أن الاقتصاد الصيني قد يتباطأ بشكل أسرع مما ترجوه الحكومة.

وإذا أدت هذه المخاوف إلى حدوث الانكماش العالمي، فحينئذ سيكون العالم في وضع متضعضع لا يسمح له بفعل الكثير لمواجهة هذا الانكماش، علمًا أنه نادرًا ما كانت أغلب الاقتصادات الكبرى متجهزة بشكل سيء لإدارة أزمات الركود، وتشير الإحصائيات التي قمنا بنشرها في موضوع بالإيكونوميست يناقش حيز المناورة في السياسة المالية لدى الدول، إن متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لدى الدول الغنية ارتفع بنحو 50% منذ عام 2007، وفي بريطانيا وإسبانيا الديون ازدادت بمعدل أكبر من الضعف، ولا أحد يعلم - حتى الآن - سقف هذا الدين، ولكن من المعلوم أن الحكومات التي تسعى للإنفاق بسخاء سوف تضطر إلى الظفر بأصوات الناخبين المتململين والدائنين العصبيين، والبلدان التي تشارك في سوق السندات بشكل خجول، كما هو الحال في البلدان الهامشية في منطقة اليورو، قد لا تكون قادرة على تحقيق تحفيزًا ماليًا كبيرًا.

السياسة النقدية لدى الدول لم تتعاف أيضًا، حيث إن آخر مرة رفع فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة كانت في عام 2006، وسعر الفائدة في بنك إنجلترا مستقر عند 0.5%، علمًا أن السجلات التاريخية منذ القرن الـ17 تُظهر أنه قبل عام 2009 لم تنخفض الفائدة في بنك إنجلترا بتاتًا عن 2%، وتشير أسعار العقود الآجلة أنه حتى مطلع عام 2018 سوف تبقى أسعار الفائدة في إنجلترا بحدود 1.5%، وهذا رقم ممتاز مقارنة مع أرقام منطقة اليورو واليابان، حيث من المتوقع أن تظل هذه الدول عالقة بمعدلات فائدة قريبة من الصفر في عام 2018، وبعبارة أخرى، عندما تواجه البنوك المركزية أزمة الركود الاقتصادي المقبلة، سوف لن تتمتع بأي حيز للمناورة لتعزيز اقتصاداتها من خلال خفض أسعار الفائدة، وهذا من شأنه أن يعرقل ويصعّب مهمة الفرار من الانكماش الاقتصادي القادم.

الحل المنطقي لعلاج هذه المشكلة هو بعودة أسعار الفائدة إلى وضعها الطبيعي في أسرع وقت ممكن، فكلما ارتفع سعر الفائدة، ستستعيد البنوك المركزية قدرتها على المناورة لخفض أسعار الفائدة مرة أخرى لمواجهة الأزمة، وكلما تم قطع الديون بشكل أسرع، كلما كان من الأسهل على الحكومات الاقتراض لدرء الكارثة الاقتصادية، ورغم أن المعادلات السابقة تبدو منطقية، بيد أنها وللأسف خاطئة.

كون رفع أسعار الفائدة في الوقت الذي تستقر فيه الأجور عند معدل مسطح، وفي الوقت الذي يصعب فيه على البنوك المركزية التحكم بمعدل التضخم، سيدفع الاقتصادات إلى حافة الانكماش، وسيعجل من حدوث الركود الذي تسعى هذه الاقتصادات لتجنبه؛ فمثلًا عندما رفعت البنوك المركزية معدلات الفائدة في وقت مبكر جدًا، كما فعل البنك المركزي الأوروبي في عام 2011، أحدثت ضررًا جسيمًا، اضطرها إلى تغيير اتجاه معدل الفائدة؛ لذا من الأفضل الانتظار حتى ثبات نمو الأجور، وعودة التضخم على الأقل إلى المستوى الـمُستهدف، خاصة وأن التضخم الكبير نسبيًا هو أقل خطورة على الاقتصاد من الرفع المبكر لأسعار الفائدة.

نظرًا لكون التعافي والانتعاش الأمريكي هو الأقوى ما بعد الأزمة المالية الأخيرة، فإن الجدل الدائر لدى صناع القرار هناك حول سرعة عودة السياسة النقدية إلى طبيعتها هو الأعنف، حيث ترى الأصوات المتفائلة في بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه مع معدل بطالة انخفض إلى أقل من 6%، ومع ارتفاع معدل التوظيف بشكل مستمر وبوتيرة عالية، فمن الواضح أن الوقت قد حان للبدء في رفع أسعار الفائدة، ولكن التماشي مع هذا الرأي، سيؤدي إلى تلازم بارتفاع الأجور والأسعار في المستقبل، ومن جهة أخرى، يرى البعض أن الإفراط في تخفيض معدلات الفائدة، سيعمل على تضخم أسعار الأصول وخلق مخاطر مالية على المدى الطويل، ولكن هذه المخاطر قابلة للتحكم بها، حيث يستطيع صناع القرار تخفيض مستويات التضخم في أسعار الأصول من خلال تشديد قواعد الرفع المالي والسيولة النقدية، خاصة وأن اقتصادًا يتمتع بنسبة عمالة كاملة، ومستوى صحي من التضخم، سيكون بوضع أقدر على تحمل موجة من عدم الاستقرار المالي العالمي.

أفضل طريقة لمواجهة الأزمة

من هذا المنطلق يمكن للحكومات أيضًا أن تقوم بواجبها للوقوف بوجه الكساد العالمي المقبل، فما زالت معدلات النمو في استثمارات البنية التحتية مخجلة، وأصابت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي منظمة مكونة من الدول الغنية في العالم، عندما انتقدت جورج أوزبورن وزير المالية البريطاني على اقتراحه لتخفيضات أخرى في الإنفاق العام، كون رفع معدلات النمو قادر على السيطرة على ديون البلاد بشكل أفضل من سياسة التقشف؛ لذا يتعين على الحكومات توجيه طاقاتها نحو إحداث إصلاحات في أسواق الانتاج والعمل؛ فعن طريق فتح أسواق المنتجات سيتم تشجيع قيام المشاريع، كما أن حرية توظيف العمال بموجب عقود مرنة، هي أفضل وسيلة للتخفيض من مستوى البطالة، وهذه الإصلاحات تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع الصدمة الاقتصادية المقبلة.

أخيرًا، نستطيع جميعًا أن نتفهم رغبة وحرص الحكومات والبنوك المركزية للعودة إلى الوضع المالي الطبيعي، بعد صد آثار الأزمة المالية المنصرمة، ولكن الوسيلة لتحقيق هذا الهدف حاليًا، تتمثل بالسماح بالتعافي والانتعاش بجمع قواه أولًا، قبل العودة بالاقتصاد إلى مستواه الطبيعي.

المصدر: الإيكونوميست