تاريخ النّسوية في مصر

بدأ مصطلح النّسوية "Feminism" في أن يكون له وقع مألوف على الأذن في أوائل القرن العشرين في مصر على يد هدى شعراوي، إحدى أبرز النّسويات في التاريخ المصري الحديث، فقصتها في النضال من أجل تحرير المرأة بعد عودتها من روما هي من أول قصص ونظريات تحرر المرأة في مصر، نادت هدى شعراوي بخلع الحجاب مواكبةً للثقافة الغربية التي كانت تُهيمن على مصر في ذلك الوقت منذ أيام الاحتلال الإنجليزي، وإلى إنعاش دور المرأة المصرية في كل من مجال التعليم والعمل ومساواتها بالرجل بعد هضم حقها لحقبة كبيرة من الزمن.

ومع رحيل الاحتلال البريطاني ومرور مصر بالعديد من التغيرات السياسية بداية من ثورة الضباط الأحرار إلى وصول أنور السادات للحكم، ومع تطبيق سياسة الانفتاح الخارجي التي تبناها السادات، ظهرت حركة "الصحوة" الإسلامية في مصر، بما تحتويه من مختلف الجماعات الإسلامية من جماعة الإخوان المسلمين، حركة الإسلام السلفي، والجماعات الجهادية التي غاب وجودها تمامًا في فترة حُكم جمال عبد الناصر، وبدأت النّسوية الإسلامية في التعبير عن رأيها ومعتقداتها الفكرية بشكل أوضح وأكثر حرية من ذي قبل في الثمانينات من القرن الماضي.

مظاهرات نّسوية ضد الحجاب في عام 1919

مصطلح الهوية المصرية كذبة يحبها الجميع

في التسعينيات من القرن الماضي لعب الإعلام المصري دورًا كبيرًا في حصر المرأة المصرية في هوية لا تُعبر عنها، وهي الهوية الليبرالية المتحررة المتمثلة في عائلة حسني مبارك الحاكمة وقتها وزوجته النصف إنجليزية سوزان مبارك، على الرغم من تنوّع المجتمع المصري الثقافي الذي يحتوي على أكثر من هوية يمكن التعبير بها عن المرأة المصرية من المرأة الريفية أو النوبية أو البدوية والصعيدية وصولًا إلى المرأة المدنية في القاهرة وغيرها من المحافظات المتطورة نسبيًا، إلا أن في التسعينات وبداية الألفينات من القرن الحالي قرر الإعلام المصري تهميش كل ما يتعلق بالتنوع الثقافي التي تتمتع به مصر ليحصرها في شكل المرأة المتحررة، مُتناسيًا ما تتمتع به المرأة المصرية على أرض الواقع بالفعل؛ ليكون كل ما هو عكس المرأة المتحررة غريبًا على المرأة المصرية، بما في ذلك الزي الإسلامي والذي يرتديه نسبة كبيرة جدًا من نساء المجتمع المصري، بالإضافة إلى هيمنة "النسويات" على أرجاء المجتمع المدني بأنشطتهن الاجتماعية التي قادت العديد منها سوزان مبارك فيما يتعلق بمشاريع القراءة أو صحة المرأة والطفل وغيرها من المجالات التي كانت ملكًا لما يُطلقون على أنفسهم "نسويات ليبراليات".

الكاتبة نوال السعداوي

الكاتبة نوال السعداوي هي من أبرز الناشطات النسويات المطالبة بحقوق المرأة في مصر، واجهت عقوبة السجن وتهديدات بالموت وسحب الجنسية المصرية منها في العديد من المرات خلال مسيرتها في المطالبة بالحرية للجميع وحملاتها المناهضة لختان المرأة في مصر.

تقول نوال السعداوي: تواجه النّسوية في العالم ردود فعل عنيفة بسبب صحوة الأديان، بالنسبة لي النّسوية هي العدالة الاجتماعية، العدالة السياسية، والعدالة الجنسية، أعتقد أنها الرابط بين الأدب والاقتصاد والسياسة والطب والتاريخ، إن لم تفهم أنها الرابط بينهم، فلن تفهم النسوية أبدًا".

في عام 2012  وبعد نجاح محمد مرسي في أول انتخابات ديموقراطية عاشها الشعب المصري، عاد مصطلح "الصحوة الإسلامية" إلى الأذهان بالسلب في معظم الحالات، إذ كان يقترن بعودة مصر إلى العصور الوسطى، وأن من يحكم مصر الآن مجموعة من الهمج، كما عادت كذبة "الهوية المصرية" مجددًا، مُهاجمة زوجة الرئيس محمد مرسي في ذلك الوقت لارتدائها الزي الإسلامي، إذ عادت الإشاعات تلّف البلاد عن أن من يحكم مصر الآن هم جماعة ليسوا على نفس الدرجة من التحرر الفكري والثقافي كما كانت تتمتع مصر أيام حسني مبارك، حيث لعب الإعلام المصري مجددًا دورًا محوريًا في جعل جماعة الإخوان المسلمين وجماعة السلفيين متمثلة في حزب النور والجماعات الجهادية كيان واحد في ذهن المواطن المصري، فتم التركيز الشديد بل وأحيانًا المبالغة المفرطة في تصوير حقائق لا علاقة لها بالواقع وتصوير الإشاعات بأخبار مؤكدة تملأ المواطن المصري بمشاعر الكره لهذا الكيان، كما حدث في إشاعة تقليل سن الزواج في مصر أو فرض الحجاب في أماكن معينة أو تحليل بعض المحرمات.

كما كان هناك دورًا كبيرًا للـ "نّسويات التقليديات" في تحريك الشعب ضد الإخوان المسلمين بتصوير حياتهم أنها تحت التهديد في ظل حكم الإخوان المسلمين، إذ نشر البعض العديد من المقالات بعنوان "غُرباء في بلادنا"، وهاجم الكثير منهن عبارة الشريعة الإسلامية هي شريعة الدولة المصرية وأشاروا إلى أنها تجعل حياتهم مهددة طوال الوقت، إذ أنهم بدأوا يشعرون بالخوف من الإسلام نفسه "Islamophobia".

بعد رحيل مرسي لا داعي لنا في المشاركة السياسية

بعد انقلاب 3 يوليو بقيادة الجيش المصري الذي أطاح بحكم الإخوان المسلمين في مصر، فقدت الحركة النّسوية رونقها، فتلك الطبقة من المجتمع ترى أنه بعد رحيل الإخوان لم يعد هناك تهديد على حياتهم، وبالتالي لا داعي للمشاركة السياسية لهم كما كانت من قبل، إلا أن النسويات دورهم لا ينحصر على المشاركة السياسية فهي تمتد إلى الدور الاجتماعي أيضًا والذي يغفله الكثير منهن في الوضع الحالي بالنسبة للمرأة في مصر.

وضع المرأة في مصر بعد الانقلاب

تُصنف مصر كأسوأ بلد عربي في التعامل مع المرأة؛ حيث يقدرعدد الإناث اللاتي تعرضن لعملية الختان إلى 27.2  مليون أنثى، كما ارتفعت نسبة التحرش الجنسي بالنساء من 93% إلى 99.3% مؤخرًا .

جرائم التحرش الجماعي وجرائم الاغتصاب الجماعي والاعتداءات الجنسية الجماعية في المناطق التي تشهد ازدحام وأجواء احتفالية مثل ميدان التحرير، حيث تم توثيق أكثر من 250 حالة وقعت بين نوفمبر 2012 ويناير 2014، بالإضافة إلى حالة الاغتصاب التي وقعت أثناء الاحتفالات بالرئيس المصري في 3 يونيو 2014 والتي تم إذاعتها على الهواء مباشرة من قِبل بعض قنوات التلفزيون أثناء نقل الاحتفالات.

لم تسلم النساء من انتهاكات الشرطة المصرية في المسيرات والمظاهرات، ففي الذكرى الرابعة لثورة الخامس والعشرين من يناير، نظّم حزب التحالف الشعبي الاشتراكي مسيرة في يوم السبت الموافق 24 يناير 2015 انطلقت من مقر الحزب لتتوجه إلى ميدان التحرير في ذكرى ثورة 25 يناير، وفوجئ المشاركون في المسيرة - طبقًا لشهود عيان - بقيام قوات الأمن بتفريقها باستخدام قنابل الغاز وطلقات الخرطوش في محيط ميدان طلعت حرب، فأصابت إحدى الطلقات شيماء الصباغ وأردتها قتيلة، وتم الحكم بالبراءة على قاتل شيماء الصباغ، إذ قررت المحكمة أن سبب الوفاة كان نحافة شيماء مما جعل طلقات الخرطوش أن ترديها قتيلة.

إسراء الطويل

إسراء الطويل بعد إصابتها بطلق ناري فى يناير 2015

في 25 يناير 2014 أصاب إسراء طلق ناري في مظاهرة بميدان مصطفى محمود، سافرت على إثره للعلاج، ثم عادت، لتبقى فترة قعيدة، إسراء الطويل تعاني من ضمور شديد في عضلات الفخذ والساق، تم اختطاف إسراء الطويل قسرًا منذ شهرين وإيداعها سجن القناطر بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية، لا تتلقى إسراء أي رعاية طبية داخل السجن؛ مما أدى إلى تدهور حالتها الصحية مع رفض الأطباء المستمر لدخول الأدوية اللازمة لها والأجهزة الطبية التي تساعدها على الحركة.

نساء سيناء يسترحمن السيسي

الإهانات مستمرة ضد نساء سيناء إثر الحملات العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري لتطهير سيناء، حيث تشكو نساء عديدات في سيناء من "الإهانة" التي يتعرضن لها من قِبل الجنود حيث يتم معاقبتهم إذا لم يجد الجيش أي رجال في المنزل الذي يتم تفتيشه، حيث يتم التفتيش في ممتلكاتهم وبين ملابسهن الخاصة، وسحب هواتفهن المحمولة،  كما يتعرض البعض منهن للضرب على الوجه، ويتساءلن "إلى أين نذهب لنعيش؟"

الانتهاكات ضد المرأة في السجون المصرية

شهدت سجون الانقلاب عدد كبير من الاعتقالات السياسية للمرأة في سابقة في تاريخ مصر، حيث بلغ عدد الفتيات المعتقلات القُصّر 75  فتاةً داخل السجون المصرية، و522 فتاةً وسيدةً أكبر من 18 سنة، ليس هذا فحسب، بل تتعرض السجينات للإهانة الجسدية والجنسية داخل المعتقلات، ومنع من الزيارات ومنع دخول الطعام أو الأدوية الخاصة بهن إلى داخل السجن، وحبسهن في أماكن لا تليق بالاستخدام الآدمي، كما أن هناك عدد كبير منهن لا توجد عليهن تُهم حقيقة بأدلة كاملة.

الفحص المهبلي وفحص الشرج

يتم توقيع الفحص المهبلي من قِبل أطباء وطبيبات في مجال النساء والتوليد لأسباب مختلفة من بينها متابعة مسار الحمل لدى النساء، أو للكشف عن أمراض تناسلية معينة، وفي العادة تلجأ السجانات إلى توقيع الفحص - ليس لغرض طبي أو بطريقة طبية سليمة - بغرض الكشف عن أي مخدرات أو أسلحة قد تخفيها النساء بداخل فتحات المهبل أو الشرج، وذلك بدعوى الحفاظ على أمان باقي السجينات، طبقًا لشهادة إحدى معتقلات أحداث مسجد الفتح والتوحيد يوم 16 أغسطس 2013، يتم إجراء ذلك الفحص عن طريق استخدام كيس بلاستيكي واحد لجميع النساء، وهو إجراء خطير جدًا حيث يسهّل من تناقل الأمراض بين السجينات، ويتم تطبيقه كإجراء اعتيادي على جميع السجينات الوافدات، سواء كن متزوجات أم لا، ويمتنعون عن ممارستها فقط عند تدخل مأمور السجن.

كشوف العذرية؛ تم توقيع كشف العذرية على المدافعات عن حقوق الإنسان اللاتي تم اعتقالهن من قِبل قوات الجيش من ميدان التحرير يوم 9 مارس 2011، من قِبل أطباء وضباط بالجيش خلال فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بهدف تحديد العذريات منهن بدعوى عدم قيامهن بالادعاء بأنه تم اغتصابهن من قِبل قوات الجيش، وتم توقيع الكشف في ظروف مخلة تمامًا بخصوصيتهن وحقهن في سلامتهن الجسدية.

هذا كله يشير إلى السلبية غير المبررة من قبل النّسويات، وعدم مدافعتهن عن حقوق المرأة الجسدية والاجتماعية وعدم كشفهن الانتهاكات الواضحة ضد المرأة المصرية والتي زادت معدلاتها بشكل جنوني منذ عام 2013، مما يدل على مدافعة النسويات في مصر عن حقوق المرأة الشكلية فقط سواء كان الزي زي إسلامي أم زي المرأة المتحررة، وسلبيتهن الواضحة ضد انتهاكات وجرائم بشعة تحدث في المجتمع المصري حتى وقتنا الحالي.