عبر وفد فلسطيني من حركة حماس في قطاع غزة يترأسه نائب المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية إلى الأراضي المصرية عبر معبر رفح، هذا الوفد من المقرر له إجراء لقاءات مع الجانب المصري قبل أن يتجه إلى عدة زيارات خارجية من بينها زيارات إلى دولتي قطر وتركيا، وقد أتت التوقعات أن يزور الوفد أيضًا السعودية وإيران.

وعن جانب لقاءات الوفد في القاهرة فستعقد عدة جلسات بين الوفد ومسؤولين مصريين من جهاز المخابرات العامة بالتحديد، لمناقشة العديد من القضايا المتعلقة بالقطاع والحدود مع مصر، وقد أتت أنباء عن مناقشة أمر التنسيق بين الجانبين في الحرب على "ولاية سيناء" فرع تنظيم داعش في مصر عبر عمليات ضبط للحدود من الجانبين، كما يُعتقد أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة ستكون أيضًا على رأس هذه المناقشات، خاصة مع طرح آخر المستجدات في المباحثات المختصة بالتهدئة طويلة المدى بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس في قطاع غزة.

نجاح حماس في إخراج مثل هذا الوفد من القطاع بضغوط إقليمية هدفه بالأساس جمع المكتب السياسي للحركة لمناقشة المستجدات التي طرأت على عروض التهدئة مع الاحتلال وأبرزها عرض الممثل السابق للجنة الرباعية الدولية "توني بلير" المقدم بشأن إقامة تهدئة طويلة الأمد بين الحركة في القطاع وإسرائيل.

كانت حركة حماس قد عقدت مؤخرًا عدة لقاءات مع الفصائل الفلسطينية بالقطاع قبيل إرسال هذا الوفد، وذلك لشرح نتائج لقاءاتها بالخارج مع أطراف أوروبية ودولية، بشأن "التهدئة" مع إسرائيل، سبق هذه اللقاءات عقد اجتماعًا طارئًا لمجلس شورى حماس في غزة لبحث آخر مستجدات هذه المحادثات التي عقدها رئيس المكتب السياسي للحركة في الخارج "خالد مشعل" مع توني بلير في قطر، وتكاد تكون هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها حركة حماس بشكل رسمي عن عروض بلير بشأن التهدئة.

الجدير بالذكر أن توني بلير قدم عرضًا مكتوبًا إلى الحركة ينص على ضمان إنشاء ممر بحري بالقطاع وفتح المعابر المغلقة لتسهيل حركة الفلسطينيين ونقل البضائع من داخل القطاع وإليه مقابل تهدئة عسكرية طويلة الأجل نسبيًا بين الجانبين.

هذا العرض تناولته بعض وسائل الإعلام باعتباره عرضًا إسرائيليًا بالأساس جاء على لسان بلير وتأتي تفاصيله بإنشاء ممر بحري تحت إشراف دولي يربط قطاع غزة بجزيرة قبرص، ولم يتطرق عرض بلير إلى مسألة إعادة تأهيل مطار غزة الدولي حسبما طالبت حماس في السابق، وهو الأمر الذي ربما ستجري حماس مناقشات داخلية حياله.

ليست هذه تفاصيل العرض فحسب ولكنه من المفترض أنه يقضي برفع الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال على القطاع وبشكل كامل، كما يقضي بالسماح لعمال غزة بالدخول إلى اتجاه أراضي 48 كما هو حال الضفة، في المقابل العرض يُلزم حركة حماس بإيقاف حفريات الأنفاق الهجومية على الحدود بالإضافة لتهدئة عسكرية شاملة يُمنع فيها إطلاق الصواريخ أو أي شكل من أشكال التصعيد لمدة ثمانية أعوام مقبلة.

محللون يرون أن استعدادات حماس العسكرية الآن تجبر الجانب الإسرائيلي على الإسراع في الوصول إلى اتفاق مبدئي ينهي حالة الشحن لدى الجانبين، فقد أتت تحذيرات من جانب جهاز المخابرات الإسرائيلي الداخلي (الشاباك) من اختراق عدة أنفاق هجومية لحماس للحدود مع الجانب الإسرائيلي وذلك ضمن استعدادات الحركة للمواجهة القادمة مع دولة الاحتلال، يأتي هذا بالتزامن مع إعلان الحركة عن عدة إنجازات عسكرية التي تأتي في إطار الشحن المعنوي في القطاع.

بينما يرى بعض الإسرائيلين أن تهديدات حكومتهم لحماس لن تستطيع الحفاظ على الهدنة المتربصة الحالية، فقد تحدث محرر الشؤون العسكرية في القناة العبرية العاشرة "ألون بن دافيد"عن تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"  لحركة حماس التي أكد فيها أن حكومته لن تسمح لحماس باستمرار حفر الأنفاق، والواقع يقول بتأكيدات من الشاباك الإسرائيلي أن حماس تواصل حفرها وتمتلك اليوم أعداد ليست بالقليلة من الأنفاق الهجومية التي ستستخدم في أي حرب مقبلة.

وعن الجانب الإسرائيلي تحدثت الصحف الإسرائيلية عن الوساطات التي تقودها الأطراف المختلفة على المستوى الإقليمي والدولي بشأن عملية تهدئة طويلة الأمد مع حركة حماس في قطاع غزة، إذ ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أمس أن بنود اتفاق التهدئة كانت محور اللقاء الذي جمع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في زيارته لأنقرة الأسبوع الماضي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وتشير المصادر إلى أن دولة الاحتلال أبدت عدم ممانعة في أمر إنشاء الميناء البحري في قطاع غزة غير أنه لابد وأن يكون مرتبط بميناء آخر قبرصي يتم من خلاله عملية الرقابة وتفتيش البضائع الواردة إلى غزة لمنع نقل الأسلحة إلى غزة من خلاله، وسيقوم الجانب التركي وربما اليوناني بهذه المهمة، ولكن رفض الإسرائيليون بصورة قاطعة مطلب إعادة إعمار المطار الدولي في غزة .

هذا الأمر أكده مستشار رئيس الوزراء التركي "ياسين أقطاي" في تصريحاته عن وجود تقدم في مسألة إنشاء ميناء بحري في القطاع، كما توقع أقطاي قرب التوصل الى اتفاق نهائي بشأنه بين الجانبين، مؤكدًا على تنفيذ تعهدات بلاده في حالة إنجاز ملف التهدئة.

هذا التقدم في ملف التهدئة بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي يثير حفيظة بعض المحللين الذين أكدوا أنه بالفعل هناك تحركات في اتجاه إنجاز شئ ما غير واضح المعالم حتى الآن، لكن موافقة الجانب الإسرائيلي على ما هو مطروح في وسائل الإعلام أمر غير مؤكد وربما لن تكون دولة الاحتلال جادة في ذلك الأمر.

وجهة النظر هذه تنطلق من كون دولة الاحتلال مستفيدة من التهدئة بشكلها الحالي لأنها تتكئ على مبدأ تهدئة حمساوية مقابل تهدئة إسرائيلية خاصة وأن الوضع الداخلي في قطاع غزة مرشح للانفجار في أي وقت بسبب الحصار المفروض على القطاع بتنسيق مصري إسرائيلي، لذلك يرى البعض أن إسرائيل لن تعطي حماس أي شيء يقلل من أزمتها الداخلية وستستمر في ضغط الحركة، والتوقعات تتجه نحو مماطلة ومراوغة إسرائيلية لإطالة أمد حالة الاستنزاف الحالية لحماس بدون دفع أي ثمن في مقابل استمرار التهدئة، وجل ما يمكن أن تقدمه إسرائيل هو مجرد تسهيلات يمكن منعها بعد ذلك بسهولة كأمر حرية مرور الفسلطينيين من وإلى القطاع عبر المعابر المختلفة مع السماح لبعض البضائع بالدخول إلى غزة لتسكين الوضع وليس لحله.

في المقابل على الجانب الحمساوي يشهد اختلافًا في الرؤية حول هذا العرض فبينما يرى البعض أنه من قبيل أفضل الفرص للخروج من الواقع الحالي المأزوم في القطاع بسبب تبعات الحرب من جهة والحصار من جهة أخرى، يرى هذا الفريق المتحمس لهذا العرض أيضًا أنه ليست هناك فرصة تلوح في الأفق لتخطي الخلافات مع حركة فتح بشأن حكومة الوفاق الوطني، كما أن المشاكل الداخلية والحياتية في القطاع تمثل عبئًا على حماس في ظل تجاهل حكومة فتح في رام الله الوضع الإنساني الكارثي في القطاع.

وترى مجموعة أخرى في حماس بقيادة إسماعيل هنية أن المضي في هذا الاتفاق قد يكون هدف إسرائيلي لإقامة دولة بغزة وهو ما تردده وسائل الإعلام الموالية لحركة فتح مؤخرًا بعد علمها بأمر التهدئة، وهو الأمر الذي ترفضه حركة حماس تمامًا والتي أكدت عبر تصريحات لإسماعيل هنية على مضيها في هدفها وهو تحرير كافة الأراضي الفلسطينية وليس بعزل قطاع غزة عن بقية أراضي فلسطين، كما ترى بعض هذه القيادات أن في عقد هذا الاتفاق بعيدًا عن الجانب المصري خطرًا ماثلًا على حركة حماس.

 حيث أشارت مصادر في وزارة الخارجية المصرية أن مصر ليست طرفًا في هذه المرحلة في التفاهمات الجارية بين دولة الاحتلال وحركة حماس، وهو ما يراه هنية ومجموعة من قيادات الحركة خطر فقدان الجانب المصري بعد نزع بوصلة التفاوض منه لأطراف دولية قد تنحاز لإسرائيل بشكل كبير في الأوقات القادمة، ويرى هذا الرأي ضرورة الحفاظ على الجانب المصري كوسيط حتى ولو أبدى الجانب المصري تعنتًا في هذه المرحلة، لكن يبدو أن الأمر حُسم داخليًا بموافقة الأغلبية على المناقشة على عرض بلير، وينتظر الأمر المناقشة مع المكتب السياسي خارجيًا وهو الهدف الرئيسي لخروج الوفد الحمساوي من قطاع غزة.

وقد تُدلل تصريحات نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية الأخيرة، بأن مرحلة الانفراج لقطاع غزة اقتربت، والفترة المقبلة ستكون إيجابية وهامة لسكان القطاع على اتجاه الحركة في القبول بعرض بلير.

وفي هذا السياق يرى متابعون للشأن الفلسطيني تجارب مفاوضات المقاومة الفلسطينية بشكل عام مع الوسطاء الغربيين سلبية بصورة كبيرة ما عدا حالات نادرة، ولكن يروا عدم الالتفات إلى المزايدات الفتحاوية مع المضي في هذه المفاوضات مع عدم التعدي على الثوابت الفلسطينية، وبالتالي سيكون أمام حركة حماس فرصة تاريخية لانتزاع بعض حقوق الفسلطينيين في قطاع غزة فيما يتعلق بعملية رفع الحصار عنهم باعتباره قضية فلسطينية بحتة وليست متعلقة بحركة أو فصيل.

يبدو أن الاتفاق بات وشيكًا ولكن تفاصيله الدقيقة هي المعضلة التي لم تتجاوزها الأطراف حتى الآن، ولكن الشواهد الدولية تؤكد السعي لحل قنبلة قطاع غزة الموقوتة عبر عرض بلير الذي يبدو وأنه التقى خلال الأسابيع الماضية عدد من الأطراف الفاعلة في ملف غزة على رأسهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس جهاز استخباراته العامة اللواء خالد فوزي، ومستشار الملك الأردني للشؤون الأمنية، الفريق أول فيصل الشوبكي، بالإضافة إلى لقاءاته المكثفة على الصعيد الإسرائيلي مع رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" وعدد آخر من المسؤولين الأمنيين في سياق التشاور على طبيعة الصيغة النهائية التي يمكن التوصل إليها في اتفاق التهدئة مع حركة حماس.