"غزة ستغدو غير قابلة للحياة في عام 2020"، هكذا أعلنت تقارير الأمم المتحدة الصادرة مؤخرًا عن الوضع الحالي في قطاع غزة، بعد أن دام الحصار الإسرائيلي أكثر من 8 سنوات، منذ انسحاب إسرائيل من مستوطناتها في عام 2005، وتعزيزها للحصار في عام 2007 بعد سيطرة حماس على القطاع، تنذر الأمم المتحدة بنتيجة سلبية بسبب استمرار منع إسرائيل دخول المواد الغذائية ومواد البناء للقطاع، بالإضافة إلى تخوفات المستثمرين الأجانب من الاستثمار في منطقة حرب، مع المشاركة غير الرسمية من جانب مصر لحصار غزة بغلقها معبر رفح، المعبر البري الوحيد لغزة، تحذر الأمم المتحدة من كارثة اقتصادية في غزة لتجعلها مكانًا غير قابل للحياة في 2020.

شهدت غزة 3 اجتياحات عسكرية من جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ فرض الحصار، كان آخرها في العام الماضي في شهر يوليو، والتي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي "الجرف الصامد"، راح ضحيته 2250 فلسطينيًا منهم 530 طفلًا (81% مدنيين)، 10870 جريحًا، منهم 3330 طفلًا و2101 امرأة، بينما ثلث الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة، 145 عائلة فلسطينية فقدت ثلاثة أو أكثر من أفرادها في حدث واحد وإجمالهم 755 فردًا من نفس العائلة، أكثر الأيام دموية هو 1 أغسطس حيث قُتل 160 شخصًا، أما من الجانب الإسرائيلي قُتل 72 شخصًا منهم 6 مدنيين.

فقد الغزاويون الأمل في إعادة بناء غزة بعد الحرب الأخيرة؛ حيث إن العدو الصهيوني لا يسمح لهم بفترة للتعافي مما تدمره وتلحقه بهم الحرب من خسائر اقتصادية أو نفسية، في نفس السياق صرح المؤتمر الدولي للتجارة والتنمية بكارثة اقتصادية ستحدث في القطاع عما قريب، حيث يُعاني قطاع غزة من أزمة في كل من الكهرباء والمياه، على الرغم من اعتماد سكان غزة على المياه الجوفية كمصدر أساسي للمياه النظيفة، إلا أن المؤتمر أقر بأن 95% من تلك المياه غير آمنه للاستعمال البشري، بالإضافة إلى دمار البنية التحتية كليًا، والذي نجحت فيه الحرب الأخيرة بشكل موّسّع، حيث تم تدمير 20.000 منزل في غزة، بالإضافة إلى 148 مدرسة و45 مشفى، إضافة إلى تدمير معظم مراكز الإسعافات الأولية الموجودة داخل القطاع، يزيد عليه تدمير معظم المصانع التي يحتوي عليها القطاع وهم 247 مصنعًا، تم تدمير البعض كليًا والباقي جزئيًا، بالإضافة إلى التدمير الجزئي لـ300 مركز تجاري.

كما أعلن المؤتمر عن الضرر الواضح الذي لحق بمحطة توليد الكهرباء بغزة، والخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي كذلك، بالإضافة إلى مستوى المعيشة الذي هبط إلى مستويات متدينة مقارنة بالعقدين الماضيين، بحسب تقارير الناتج المحلي الإجمالي للفرد "Per-capita GDP"، حيث وصلت نسب عدم الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية 72%، كما زاد عدد العائلات المعتمدة على المساعدات الغذائية التي توفرها الأمم المتحدة من 72.000 عائلة في عام 2000 إلى 868.000 في مايو 2015.

أثّر الحصار بشدة على نسبة البطالة في قطاع غزة، وذلك قبل العمليات العسكرية التي اجتاح فيها الجيش الإسرائيلي القطاع؛ حيث وصلت نسبة البطالة في غزة في عام 2014 إلى 44%، منها 60% بين الشباب، وهي أعلى نسبة وصلت إليها غزة منذ عقود، كما وصلت إلى أعلى نسبة بطالة في العالم عام 2014، بالإضافة إلى العاملين بدون أجر بسبب تردي الأحوال الاقتصادية، حيث تم حظر معظم التعاملات التجارية من داخل غزة لخارجها، كما أن استيراد العملة الأجنبية وتحويلها تم تعطيله بشكل كبير من قِبل قوات الاحتلال. 

استطاعت إسرائيل في الشهور الأولى من عام 2015 تحصيل مبلغ قدره 700 مليون دولار من الضرائب المفروضة على الفلسطينين على البضائع المستوردة، بالإضافة إلى تحكم الاحتلال الكامل في ضرائب الغزاويين، وعدم سماحه للسلطة الفلسطينية بالحصول على مستحقاتها منها، بحسب ما ذكره تقرير المؤتمر الدولي للتجارة.

أطفال غزة يعانون من اضطرابات نفسية دائمة

 الاضطرابات النفسية التي يعاني منها كل من الاطفال والبالغين صارت جاذبة للانتباه وواضحة للعيان منذ حرب 2014، الحرب الجسدية والنفسية التي تمارسها إسرائيل على غزة لا تُنذر إلا بالمخطط الصهيوني في جعل الفلسطنيين يبحثون عن حقوق المعيشة قبل التفكير في تحرير الأرض، حيث حلم أي مواطن فلسطيني في غزة الآن بالهجرة إلى البلاد التي تتمتع بالاستقرار والأمان، حتى من لهم أعمالهم الخاصة أو مسؤولين في السلطة الفلسطينية، فهم يتشاركون جميعًا في حلم الهجرة، وانتظار فتح مصر لمعبر رفح ليرحل معظمهم.

أصدرت اليونيسيف بعد الحرب تقرير بعنوان "بعد ستة أشهر من الحرب، أطفال غزة تحت تأثير الصدمة النفسية"، مشيرة إلى قصة فتاتين احتموا مع عائلاتهم في مدارس الأمم المتحدة، وشهدوا مقتل والدهم وباقي عائلتهم في المدرسة، بعد أن أُصيبوا بجروح عميقة إثر القصف، تقول والدتهم في التقرير إن الفتاتين رفضوا الذهاب للمدرسة بعد انتهاء الحرب لمدة ستة أشهر، لقد رأوا في المدرسة أعنف المشاهد الدموية، المدرسة لا تُمثل لهم مكانًا آمنًا بعد الآن، إسرائيل لم تعد تحترم المستشفيات أو المدارس، لا يوجد مكان آمن واحد في غزة أثناء الحرب.

أشار اليونيسيف في تقريره أن أطفال غزة يحتاجون إلى إعادة تأهيل نفسي وتعليمي لكي يستطيعوا متابعة حياتهم، إلّا أن مدارس غزة تم تدميرها بشكل كامل في الحرب الأخيرة، وما تبقى منها يعاني من تدمير جزئي، بالإضافة إلى معاناة المعلمين أنفسهم من اضطرابات نفسية، ففي النهاية لا أحد بعيد عن ضرر الحرب النفسية التي تشنها إسرائيل.

كما أشارت نون بوست في تقرير حديث لها بعنوان "أطفال غزة يتوقون إلى الأقلام والحقائب المدرسية" أن مدارس غزة تفتقر إلى المعدات الأساسية للتعليم، في ظل ضغط الحصار ومنع الفلسطينين من حصولهم على أساسيات المعيشة أولًا قبل المعدات المدرسية.

غزة تُعد من أكثر الأماكن المزدحمة بالسكان في العالم، فمساحتها 362 كيلومترًا مربعًا، ويقطنها 1.8 مليون من السكان، بمُعدل 5000 شخص في الكيلومتر المربع الواحد، لذلك تعذّر هروب العائلات وقت حرب 2014، حيث لا مكان للهروب في مكان مكتظ بالسكان كغزة، أحيانًا يمتنع الاحتلال عن قصف البيوت التي يمتلأ سطحها بالمدنيين، واستخدم الأهالي - ممن رفضوا ترك بيوتهم - تلك الحيلة في منع قصف البيت ليتجهوا إلى سطح المنزل مع جيرانهم في محاولة لمنع الاحتلال من إطلاق القذيفة، إلا أن محاولتهم لم يُكتب لها النجاح في حرب العام الماضي على غزة، وقصف الاحتلال عائلات مجتمعة معًا فوق أسطح المنازل.

غزة، كما يصفها الكثير من الغزاويين، هي أكبر سجن جوي في العالم، وكونهم غزاويين هو سبب كاف للمعاناة النفسية والتعذيب النفسي الواقع عليهم، بعد عام من الحرب الأخيرة على غزة، يعتمد الغزاويون على جهودهم الشخصية في إعادة البناء شبه المستحيلة، نظرًا لمنع إسرائيل دخول مواد البناء لدواعي أمنية، ومنع إستيرادها من مصر كذلك لنفس السبب، ولا يصل من المواد المطلوبة للبناء إلا 5% فقط، الوضع المأساوي الحالي لقطاع غزة ومما سبق ذكره من أسباب يُنذر بعدم قابلية الحياة في القطاع بحلول عام 2020، وأكثر من ذلك، والسبب الأهم في نظر الفلسطنيين؛ وهو نسيان الغزاوين القضية في سبيل الوصول إلى سبيل من سُبل الحياة الكريمة، وهو ما يتوق إليه الاحتلال منذ زمن.