ترجمة وتحرير نون بوست

باشرت الآلاف من المدارس العربية في إسرائيل إضرابًا مفتوحًا يوم الاثنين الماضي، مجبرة طلابها، البالغ عددهم حوالي 450.000 تلميذ، على البقاء في منازلهم، بالتوازي مع شحذ الحكومة الإسرائيلية لهمتها استعدادًا لمواجهة كبرى مع أكبر أقلية فلسطينية ضمن إسرائيل.

ما أجج حملة الإضراب هو قرار الحكومة الإسرائيلية بحرمان 47 مدرسة مستقلة، تم تأسيسها أصلًا من قِبل الكنائس العالمية، من التمويل الحكومي الذي كانت تحصل عليه منذ عقود.

هذه المدارس، التي تعد من بين أفضل المرافق التعليمية في البلاد، اضطرت على نحو فعال لإغلاق أبوابها إلى أجل غير مسمى، تاركة حوالي 33.000 تلميذ ضائعين وغير واثقين متى سيعودون إلى صفوفهم، أو حتى إذا كانوا سيعودون إليها أساسًا.

يوم الأحد الماضي، اجتمعت الآلاف من العائلات القادمة من مختلف أنحاء إسرائيل، من مدن مثل الناصرة وحيفا ويافا والرملة والقدس الشرقية المحتلة، حيث توجد تلك المدارس، لممارسة احتجاج صاخب خارج مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ترزح هذه المدارس تحت وطأة الديون الضخمة منذ بدأ المسؤولون عن القطاع التعليمي في الحكومة الإسرائيلية بتخفيض ميزانياتها منذ سبع سنوات، حيث تم تخفيض التمويل الممنوح للمدراس الحكومية من 75% ليصبح اليوم 29% فقط، علمًا أنه لمباشرة هذا العام الدراسي، تحتاج هذه المدارس إلى مبلغ يقدر بحوالي 50 مليون دولار؛ تقدم الحكومة منه 5 مليون دولار فقط.

المحادثات والنقاشات التي استمرت على مدى الـ18 شهرًا الماضية مع وزارة التعليم الإسرائيلية لم تفضِ إلى أية نتيجة، وكما تبين من حملة إضراب التضامن يوم الاثنين، فإن حكومة نتنياهو لا تواجه بقرارها مدارس الكنيسة والشعب المسيحي الصغير، المؤلف من حوالي 150.000 نسمة، بل إنها تواجه المليون ونصف المليون مواطن فلسطيني في البلاد، والذين يشكلون خُمس عدد السكان.

إسرائيل من خلال نهجها هذا تخاطر أيضًا باحتمالية مواجهتها لمحنة دبلوماسية مع الفاتيكان والكنائس الدولية الأخرى؛ ففي الأسبوع الماضي أثار البابا فرانسيس هذه المسألة خلال زيارة الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، للكرسي الرسولي، وريفلين تعهد حينها بإيجاد حل، رغم أن الحكومة الإسرائيلية ذاتها لم تظهر أي علامات على استعدادها للتزحزح عن قرارها.

القادة المسيحيون في إسرائيل لمّحوا إلى احتمالية إغلاق المقدسات الهامة في فلسطين، مثل كنيسة البشارة في الناصرة، وجبل التطويبات بجوار بحر الجليل، انتقامًا من النهج الإسرائيلي، آملين من خلال ذلك أن يلفتوا انتباه الحجاج والسياح، بما قد يضمن تحقيق المزيد من الضغط على إسرائيل.

دوافع شريرة

من اللافت للنظر بأن المسؤولين عن القطاع التعليمي في إسرائيل، يأملون أن يحدّوا من دعم هذا المدارس من خلال طرحهم لحجة قد تبدو معقولة ومنطقية، حيث يذهبون إلى القول بأنه في حال كانت مدارس الكنيسة تسعى للحصول على أموال الحكومة، فينبغي عليها أن تنضم إلى النظام التعليمي للدولة.

ولكن مع ذلك، وعلى أرض الواقع، يلاحظ مراقبون بأن هذه الخطوة التي انتهجتها الحكومة الإسرائيلية ليست نابعة من أسس اقتصادية، بل يوجد دوافع شريرة تقف خلف هذه الحملة الشعواء على مدارس الكنيسة، حيث يحذر نديم الناشف، مدير منظمة بلدنا، وهي منظمة في حيفا تسعى لتعزيز حقوق الشباب الفلسطيني، من أن الهدف الرئيس لحكومة نتنياهو يتمثل بإنهاء الاستقلالية التعليمية لهذه المدارس.

"إنهم يسعون لتشديد الرقابة"، يقول الناشف لصحيفة ميدل إيست آي، ويتابع "حتى لو خففت الحكومة في نهاية المطاف من التخفيضات، فإن المعركة ستكون قد بعثت برسالة واضحة للغاية للمعلمين في تلك المدراس، تصرفوا كعرب صالحين وسنعمد إلى إقفال مدارسكم".

هذا التحرك يرتبط بتدابير طويلة الأجل اتخذتها الحكومة الإسرائيلية تهدف إلى إضعاف الأقلية المسيحية، وجعل الطبقة الوسطى الفلسطينية الفتية في إسرائيل أكثر اعتمادًا على الدولة، وهي ذات الدولة التي أثبتت بشكل ممنهج ومرارًا وتكرارًا معاداتها لسكانها من غير اليهود.

الحجج التي تتبناها الحكومة لتبرير موقفها بشأن تخفض التمويل، يسهل تفنيدها؛ فإذا كان القضية تتعلق بمجرد تحديد الطرف الذي سيعمد إلى تمويل مدارس الكنيسة، كما تتحجج وزارة التعليم الإسرائيلية، فلماذا إذن تصر الحكومة على منع المدارس من تعويض العجز في الميزانية عن طريق فرض مبالغ أكبر على الطلاب؟

من خلال تكبيل يد هذه المدارس، فإن وزارة التربية تعمد، على حد تعبير مدارس الكنيسة، إلى توجيه الضربة القاضية لهذه المدارس، بشكل يجعل استمرار وجود هذه المدارس بشكلها المستقل أمرًا مستحيلًا ضمن الظروف الحالية.

الكيل بمكيالين

وبالمثل، إذا كانت القضية تتعلق بعدم عدالة دعم الدولة للتعليم الديني، وهي إحدى الحجج التي تم التمسك بها أيضًا، فلماذا تعمد الحكومة بعدئذ إلى تمويل المدارس الدينية الخاصة التابعة لليهود الأورثوذكس المتعصبين بشكل كثيف؟

فعلى النقيض من الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع مدارس الكنيسة، تحصل المدارس الدينية المتشددة التابعة لليهود الأرثوذكس على تمويل يبلغ 100% من احتياجاتها.

ولا تقتصر الأمور على ذلك، بل تتجاوزها لتناقضات أخرى مدهشة، فعلى النقيض من مدارس الكنيسة التي تدرّس المنهج الوطني، فإن مدارس اليهود الأورثوذكس تخالف القانون من خلال امتناعها عن تدريس المواد الأساسية مثل اللغة الإنجليزية والرياضيات، وعلى عكس السجل الرائع الذي تحوزه مدارس الكنيسة، فإن المدارس الدينية اليهودية المتطرفة تعاني من إخفاقات أكاديمية هائلة.

وأيضًا، على عكس المدارس الدينية اليهودية المتطرفة التي تقتصر بتقديم خدماتها على اليهود المتدينين، فإن مدارس الكنيسة تفتح أبوابها أمام جميع شرائح الأقليات الفلسطينية، حيث إن نصف عدد طلاب هذه المدارس هم من المسلمين، ولهذا السبب فإن الدعم الذي تحصل عليه هذه المدارس ينبع من جهات أو فئات غير متوقعة، فيقول القيادي في الحركة الإسلامية الجنوبية، مسعود غنايم ، بأن "مدارس الكنيسة هي من بين أفضل المدارس في المجتمع العربي، وبالتالي نضالهم هو نضالنا".

بالإضافة إلى ما تقدم، تفشل الحكومة أيضًا بتبرير تعويل نظام التعليم في إسرائيل على سياسة الفصل الصارم، حيث تتم ممارسة سياسة الفصل ما بين التلاميذ اليهود والعرب، وما بين اليهود المتدينين والعلمانيين، وفي عام 1954، وضمن قضية الحقوق المدنية الشهيرة لبراون ضد مجلس التعليم في توبيكا، قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأن نظام فصل المدارس ما بين السود والبيض هو نظام غير عادل بطبيعته، ولكن مع ذلك، ومنذ تأسيسها، تصر إسرائيل على ممارسة سياسة الفصل، وكما حذر قضاة الولايات المتحدة، فإن النتيجة الإجمالية لهذا التمييز في النظام التعليمي أصبحت ملموسة على جميع المستويات بين الأغلبية اليهودية والأقلية الفلسطينية.

نقص يبلغ 6000 فصل دراسي

تظهر الدراسات بأنه وسطيًا يحصل التلاميذ اليهود على تمويل ينوف بخمسة أضعاف التمويل الذي يحصل عليه التلاميذ العرب، 1100 دولار لكل تلميذ يهودي بالمقارنة مع 192 دولارًا لكل تلميذ عربي، كما أن النظام العربي يعاني من نقص هائل في الفصول الدراسية يبلغ أكثر 6000 فصل دراسي، ونقص هائل بالهيئة التدريسية يصل إلى 4000 مدرس، فضلًا عن أن المدارس اليهودية تتمتع بضعف عدد أجهزة الكمبيوتر التي تمتلكها المدراس العربية واللازمة لحسن سير العملية التدريسية.

ولكن المفارقة الأكثر إحداثًا للضرر، كما يقول الناشف، تتمثل بأن المدارس العربية لا تحوز أي سيطرة على مناهجها، التي يتم تحديدها من قِبل المسؤولين اليهود، وذلك في الوقت الذي تمارس به الشرطة الإسرائيلية السرية، الشاباك، رقابة لصيقة على تعيينات المدرسين والنظام التعليمي في المدارس العربية، مؤسسة بذلك لمناخ قمعي رهيب.

تبعًا لجميع ما تقدم، فإن مدارس الكنيسة المستقلة توفر الطريق الوحيد ربما للهروب من هذا الواقع، على الأقل بالنسبة للأسر الفلسطينية في إسرائيل الذين يستطيعون دفع تكلفة الدراسة ضمنها.

تظهر معدلات شهادة الثانوية العامة لمدارس الكنيسة مدى نجاحها في العملية التعليمية، فالكثيرون ضمن القيادة الفلسطينية، وكذلك ثلث خريجي الجامعات من الأقليات، ومعظم المهندسين التكنولوجيين، تلقوا تعليمهم في هذه المدارس.

ويقول أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة في البرلمان الإسرائيلي، وهو ذاته أحد خريجي مدارس الكنيسة أيضًا، بأنه "من المستحيل التحدث عن التنمية وتكافؤ الفرص من جهة، وهم يقومون على الجهة الأخرى بإحداث الضرر بالمدارس ذاتها التي نجحت في كسر السقف الزجاجي".

على أرض الواقع، عمل الآباء الذي يرسلون أولادهم لمدارس الكنيسة وهذه المدارس بحد ذاتها إلى دعم النظام التعليمي ككل، حيث استطاعت هذه المدارس تخريح بعضًا من أفضل التلاميذ تعليمًا في البلاد، ولكن قد يكون هذا الأمر بحد ذاته هو جزء من المشكلة من وجهة النظر الإسرائيلية.

الخوف من الطبقة المتوسطة

خلال حرب عام 1948 والتي أودت إلى تأسيس دولة إسرائيل، أفرغت الميليشيات اليهودية المدن الفلسطينية من معظم سكانها الفلسطينيين، إلا في مدينة الناصرة المقدسة الحساسة، التي بقيت بعيدة نسبيًا عن هذه الممارسات.

أول رئيس وزراء لإسرائيل، دافيد بن غوريون، أشاد بالمدن الفلسطينية التي كانت موطنًا للطبقات الوسطى الفلسطينية، ومراكزًا للحياة الفكرية والنشاطات السياسية؛ لذا فإذا كانت إسرائيل ستواجه في أي وقت مضى أي مقاومة فلسطينية منظمة، فإنها كانت ستخرج من هذه المدن، ولهذا السبب أكد بن غوريون على ضرورة مسح هذه المدن، حيث أدت أنظمة المراقبة الصارمة، وممارسات التمييز الهائلة إلى تحويل هذه الأقليات إلى شرائح ضعيفة ومنقسمة.

على مدى العقود العديدة الماضية عمد المجتمع الفلسطيني لإعادة بناء نفسه ببطء، وفي السنوات الأخيرة بدأت الطبقة الوسطى بالظهور من جديد ضمن هذه المدن، وخاصة في الناصرة، مدعومة لدرجة كبيرة من قِبل مدارس الكنيسة.

وكما كان يخشى بن غوريون، أثبتت الفئات الأكثر تعليمًا في كثير من الأحيان بأنها من بين النقاد الأكثر قسوة على إسرائيل، والأكثر تنظيمًا للمطالبة بحقوقهم، والأكثر تعبيرًا ونجاحًا في الوصول إلى الجماهير الخارجية، بما في ذلك مجموعات التضامن المسيحية، وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، اختصارًا (BDS).

وقد لا يكون من قبيل المصادفة بأن السياسية الأكثر كرهًا من قِبل الجمهور اليهودي الإسرائيلي لمواقفها القومية، حنين زعبي، هي امرأة مسلمة تخرجت من مدرسة الكنيسة في الناصرة.

الضغط للترحيل

من خلال إجبار مدارس الكنيسة على الإغلاق أو إجبارها على الانضواء تحت سيطرة الدولة، فإن إسرائيل ستعمل على إزالة حجر الزاوية من الهيكلية الداعمة للطبقة الوسطى الفلسطينية الفتية، وخصوصًا سكان المناطق الحضرية من المسيحيين.

"إن الجيل القادم من النخب الفلسطينية، بما في ذلك المسيحيين، سيكون أكثر اعتمادًا بكثير على الدولة من الجيل الذي سبقه، ومن المرجح أن يكون هذا الجيل الجديد أكثر حذرًا حول نشاطه السياسي"، يقول الناشف من منظمة بلدنا.

المراقبون، مثل الناشف، يعتقدون بأن خطوة الحكومة الإسرائيلية بتخفيض التمويل لمدارس الكنيسة، يجب أن يُنظر إليها كخطوة تتعلق بمبادرة أخرى أطلقتها الحكومة مؤخرًا، وهي الخطوة التي تهدف بشكل واضح إلى خلق انقسامات ضمن الأقليات الفلسطينية، حيث تعمل الحكومة اليوم على ممارسة الضغط على الشباب المسيحي، وليس المسلم، في إسرائيل للخدمة في الجيش الإسرائيلي.

الخوف يتمثل اليوم بقيام إسرائيل بفتح الشباب المسيحي الفلسطيني ببطء أمام الخيارات المتوفرة أمامهم في المستقبل، وهو المستقبل الذي يضمن لهم العيش كأقلية محاصرة وضعيفة، معادية لجيرانها من المسلمين، وتعتمد على الدولة التي تجبرهم على طاعتها، رغم أنها توفر الامتيازات لمواطنيها من اليهود فقط.

وبمعنى آخر، الطبقات الوسطى المسيحية يجري إعدادها للاختيار من بين أمرين أحلاهما مر، إما إثبات الولاء للصهاينة، أو التعايش مع الحياة التي ستصبح أشد صعوبة بالنسبة لهم داخل إسرائيل.

في الأسبوع الماضي، وفي خضم مظاهرة في الناصرة، حذر أسقف كاثوليكي بارز، يدعى جياسينتو بولس ماركوزو، من أن "تهديد المدارس المسيحية، سيعمل على المدى الطويل على تهديد الوجود المسيحي بحد ذاته ضمن إسرائيل".

لطالما كانت مدارس الكنيسة مرتكزًا للمواطنين الفلسطينيين المسيحيين في إسرائيل، حيث تدعم تقاليدهم الدينية، وتزودهم بهوية منفصلة ومختلفة عن تلك الهوية القميئة التي تروج لها الدولة، وتمنحهم فرصة للازدهار الاقتصادي، ولكن كل ذلك أصبح في خطر اليوم.

الإضرابات، كالإضراب التضامني الذي حصل يوم الاثنين، والضغط الممارس من قِبل الفاتيكان، قد يجبر الحكومة الإسرائيلية في النهاية على تخفيف موقفها جزئيًا، ولكن مع ذلك، فإن العديد من المسيحيين في إسرائيل بدأوا بالتشكك من أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت حربًا منخفضة المستوى ضدهم.

أخيرًا، ومع فرار إخوانهم في الدين من الدول المجاورة في المنطقة كونهم يواجهون حروبًا أهلية وتهديدات اضطهادية، يجب علينا الاعتراف بأن سوء معاملة المسيحيين في إسرائيل يتمثل بشكله البيروقراطي أكثر من شكله الجسدي، ولكن كما يحذر ماركوزو، على المدى الطويل، من المرجح أن تؤدي هذه الممارسات إلى إحداث نتائج ملموسة.

المصدر: ميدل إيست آي