أظهرت النتائج الأخيرة التي أُعلنت اليوم الثلاثاء في ميانمار سيطرة المعارضة على غالبية المجالس الإقليمية إلى جانب حصولها على أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة القادمة ما منح أونج سان سو كي (بطلة الديموقراطية كما تصفها وكالة رويترز) سلطات واسعة قد تغير المشهد السياسي في البلاد.

وستقود سو كي الحكومة متجاوزة الرئيس الذي سيكون بلا صلاحيات حسبا صرحت هي ظهر اليوم.

الانتخابات تاريخية بالنسبة للمتابعين الدوليين والعالم، فقد أقر حزب التضامن والتنمية المُشكل من قبل المجلس العسكري الذي حكم البلاد لخمسة وعشرين سنة بدون انتخابات تنافسية، ويتزعمه ضباط جيش متقاعدون، أقر بهزيمته في الانتخابات التي توصف بأنها حجر الزاوية في مسار ميانمار المضطرب ومحاولات البلاد الانتقال من الحكم الديكتاتوري إلى الديموقراطية.

وعلى مدار سنوات الحكم العسكري وشبه المدني في ميانمار، عانت البلاد بشكل كبير من نقص الخدمات والفقر. فمن بين 55.7 مليون نسمة هم عدد سُكان ميانمار، يعيش 70٪ في المناطق الريفية ويعملون غالبا في القطاع الزراعي.
وتبلغ نسبة الفقر في ميانمار 26٪ من عدد السكان، إلا أن هذه النسبة تتضاعف في المناطق الريفية. أما بالنسبة للخدمات فإن الكهرباء، على سبيل المثال، تصل فقط إلى ربع السُكان، ولم يغير وجود الجيش في السلطة من هذا الواقع شيئا.
 
التصويت كان عقابيّا بالنسبة لسكان ميانمار، والمقابل الصاعد هو الرابطة القومية من أجل الديموقراطية، وهي جبهة معارضة أسستها سو كي مع 89 حزبا يتنافسون على 330 مقعدا في البرلمان المكوّن من 440 مقعدا. لكن الدستور الذي وضعه المجلس العسكري السابق ينص على الاحتفاظ بربع مقاعد المجلس للجيش دون انتخاب وبالتعيين المباشر.

لكن هذه الانتخابات “التاريخية” ليست تاريخية كفاية بالنسبة لمسلمي البلاد المضطهدين. فزعيمة الرابطة القومية الحائزة على جائزة نوبل للسلام تجاهلت تمثيل المسلمين بشكل كامل، في الترشح على قوائم الرابطة.

فبحسب أحد المصادر الذي صرح للجزيرة الإنجليزية بأن سو كي أمرت بالتخلص من أي شبهة إسلامية داخل الرابطة، بهدف تهدئة الخطاب المعادي للمسلمين الذي يغذيه المتطرفون الهندوس.
الأمر يبدو صارخا حيث أنه من بين 1151 مرشحا للرابطة في الانتخابات المحلية والبرلمانية ليس هناك مرشح واحد مسلم، على الرغم من وجود حوالي 5 مليون مسلم في البلاد، يشكلون ما بين 4٪ إلى 10 ٪ من السكان.

بالطبع لا يوجد مرشح مسلم واحد على قوائم حزب التضامن والتنمية المدعوم من قبل الجيش، فهذا الحزب أيد بأشكال عدة عملية التمييز العرقي الممنهجة ضد مسلمي بورما من الروهينجا. وبحسب مصادر عدة فقد رفضت لجنة الانتخابات عشرات من المرشحين المسلمين على خلفية قانون إداري يسمح للجنة برفض المرشحين من أبوين لا يحملان جنسية ميانمار.
وكان المجلس العسكري والحكومة السابقة قد نزعا الجنسية عن مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا في ميانمار (بورما).

من الواضح أن سو كي تخشى من “ما با تا”، ولذلك فقد قامت بحجب المسلمين عن الرابطة القومية.
و “ما با تا” هي جماعة يتزايد تأثيرها بشدة، تتكون من قوميين بوذيين متطرفين. الحركة تُعرف أيضا باسم “رابطة حماية العرق والدين”، والتي تُعرف بدمويتها تجاه الأقلية المسلمة من الروهينجا.

وكان حزب “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية” قد ظهر عام 1988 كقوة سياسية معارضة وسط موجة من الاحتجاجات المناهضة لسياسات الحكومة دفعت المجلس العسكري لإجراء انتخابات مبكرة قادتها “أون سان سو كي”، وفازت وحزبها بنسبة 80% من مقاعد البرلمان، لكن المجلس العسكري ألغى النتيجة وشكل حكومة عسكرية جديدة وحظر الحزب وقبض على أعضائه، ووضع “سو كي” تحت الإقامة الجبرية.

وفي 1991 حصلت سو كي على جائزة نوبل للسلام كمناضلة سلمية من أجل الديموقراطية.

لكن هذا الأمر لم ينعكس على أوضاع المسلمين، فقد صمتت المناضلة العالمية حيال تجريد مئات الآلاف من المسلمين من جنسيتهم ومن وضعهم في مخيمات لاجئين بعد تهجيرهم، وهو ما جلب عليها العديد من الانتقادات.

كما أن الحكومة، في وقت مبكر من هذا العام، قامت بتجريد أكثر من 700 ألف مسلم من حقهم في الانتخاب، حيث قالت بأن حاملي “البطاقات البيضاء” لا يمكنهم التصويت، في حين كان من حقهم أن يصوتوا في انتخابات عام 2010.

الحكومة الميانمارية تعتبر مسلمي الروهينغا دخلاء ولا تعتبرهم عرقية أصيلة في البلاد، فتمنحهم بطاقات بيضاء بدل الهوية الوطنية التي منعوا من اقتنائها منذ فرض قانون المواطنة في العام 1982، والذي بموجبه انتزعت الجنسية من مسلمي الروهينغا، البطاقات البضاء الصالحة مدة عامين فقط كتب عليها أن حملها لا يعني المواطنة، وأنه يمكن أن يخضع للتحقيق في هويته، ومن لا يحملها مهدد بالطرد كما يمنع من التنقل بين الأحياء والقرى المجاورة، وتحاول السلطات بتلك الهويات أن تسحب اعتراف من حامليها أنهم محض دخلاء غير شرعيين.

المسلمون بالأراضي الميانمارية كذلك لا يحظون بحق تملك عقاراتهم وأراضيهم، ويضيق عليهم في ممارسة أعمال التجارة خاصتهم، وتقوم الحكومات المتعاقبة بمصادرة أراضيهم وممتلكاتهم وقوارب الصيد خاصتهم دون سبب، كما تمنعهم من تطوير مشاريعهم الزراعية،  ويحرمون من تقلد وظائف بهيئات حكومية وكذا الجيش، وبالطبع حق تكوين وتأسيس المنظمات أو ممارسة الأنشطة السياسية ليس من نصيب هؤلاء، فيعيشون كالسجناء في مخيمات أو قرى معزولة مقيديين الحركة منها وإليها.

وفي يونيو من العام 2012 بدأت شرارة العنف العنصري ضد مسلمي الروهنيغا، واشتدت أعمال العنف البوذي من أقلية الراخين البوذية ضد مسلمي الروهينغا ما أوقع نحو 280 قتيل غالبيتهم مسلمين، فيما نزح أكثر من 140 ألف ليعيشوا في الدول المجاورة التي نزحوا إليها في مخيمات بالية وظروف صعبة، وأعقب ذاك إعلان من الحكومة بإغلاق المئات من مساجد الروهينغا، ومنعهم من أداء الشعائر الدينية، وظلت السلطات من حينها ترفض منح مسلمي الروهينغا تراخيص لإعادة بناء مساجدهم، حتى تلك التي تتضرر من الفيضانات التي تشهدها البلاد مؤخرًا، ويكون مصير من يحاول ترميمها الملاحقة الأمنية من السلطات.