لا يكون الحديث عن المرأة إلا بالألون، ولا يتم ذكر مصطلح "النسوية" إلا بإرفاق صورة أو صورتين باللون الوردي، ربما لأن المرأة من الكائنات التي خلقها الله لتساعدنا على رؤية جمال الألوان، أو لأنها من أكثر المخلوقات حرصًا على التفرقة بين الألوان وأكثرها حُبًا لها، ما سبق يمكن اعتباره من الافتراضات، أما المؤكد هنا أن العالم قرر هذه السنة أن يكون للمرأة لونٌ جديد، وهو البرتقالي.

أطلقت الأمم المتحدة في الذكرى العشرين لمنظمات دعم المساوة بين الجنسين حملة "فلنجعل العالم برتقاليًا"، تحت شعار "قل لا للعنف ضد المرأة"، في إحدى الحملات التي تستمر من 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر 2015، ليكون هدفًا من أهدافها وضع حدًا للعنف تجاه المرأة في العديد من البلاد النامية، ومساعدة المرأة على عدم التراجع عن أهدافها، كما أن مشكلة عدم المساوة بين الذكر والأنثى والتفرقة العنصرية بينهما في العديد من المجتمعات ستكون محل نقاش واسع المدى قد وضعته الحملة أحد الأهداف الأساسية التي تعمل من أجله.

لا تقتصر "النسوية" على الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات غير الحكومية التي تعتمد اعتمادًا كليًا على التمويل الأجنبي، ولا تقتصر قضايا حقوق المرأة على حملات الأمم المتحدة فحسب، بل إن نصيب الشرق الأوسط في هذا المجال وخاصة من قِبل المرأة فيه له حظٌ وافر من المشاركة الإقليمية والعالمية، فإذا أردنا الحديث عن النسوية في الشرق الأوسط، ستسطع لنا العديد من الأسماء اللامعة من النساء المسلمات ممن قضين حياتهن في الدفاع عن حقوق المرأة المهضومة في المجتمعات النامية، ومحاولة فرض قضية عدم المساوة بين الرجل والمرأة على ساحة النقاش الحكومي والمجتمعي.

 إلا أن الحركة النسوية في الشرق الأوسط والعربية منها بخاصة عانت من العديد من الانهزامات والتخبطات منذ بداية عصر العولمة، فبعد أن برزت النسوية العربية في بدايتها كحركة قومية تدافع عن قضايا المرأة على يد "هدى شعراوي"، والتي تحوّلت فيما بعد من مجرد حركات غير منظمة إلى اتحاد سُمي بالاتحاد العربي النسائي عام 1944، إلا أنه تم فضّ هذا الاتحاد بالتزامن مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وتدخلت السياسات المتغيرة في تلك المنطقة من الشرق الأوسط في سياسات المنظمات التي ترعى شؤون وحقوق المرأة على عكس ما يحدث في نظيرتها الخاصة بالأمم المتحدة، وبالتالي كان الحل في الجهود الفردية والمنظمات غير الحكومية والتي في الأغلب تستقطب تمويلها من المصادر الأجنبية لعدم اهتمام السلطات في الشرق الأوسط بتمويل مثل هذه المنظمات.

النسوية الإسلامية ومحاربة التفرقة العنصرية من خلال الإيمان

ستختلف الآراء هنا حول كلمة الدفاع عن الشريعة الإسلامية من خلال محاربة التفرقة العنصرية بين الرجل والمرأة، وبين محاربة الشريعة ذاتها من أجل القضاء على عدم المساواة الجنسين، حيث تواجه "النسوية" في الشرق الأوسط اتهامات عدة منها أن الإسلام هو أساس التفرقة بين الرجل والمرأة، وأن مبادئ الشريعة التي ينص أحدها على قوامة الرجل على المرأة "سيطرة الرجل على المرأة" هي السبب الأساسي في الحد من تأثير وأهمية النسوية في الشرق الأوسط، إلا أن هناك العديد من الأمثلة التي تردّ على تلك الادعاءات، العديد من الأمثلة التي تحاول أن تجعل العالم "برتقاليًا" أو ورديًا أو كيفما كان لون العدالة الاجتماعية بالنسبة للمرأة، ومنها "فاطمة مرنيسي" الكاتبة المغربية.

فاطمة مرنيسي

إحدى الناشطات في مجال النسوية الإسلامية، كاتبة وعالمة اجتماع، والتي خسرها المغرب والعالم يوم الإثنين من الشهر الماضي، إذ وافتها المنية بعد حياة حافلة من الدفاع عن حقوق المرأة والمشاركة في العديد من المشاريع الخاصة بتعزيز مكانة المرأة وخلق فرص لها لتكون على درجة كبيرة من المساواة مع الرجل في المغرب وفي البلاد النامية.

تم ترجمة كتب فاطمة مرنيسي إلى ما لا يقل عن 24 لغة، والتي تدافع فيها عن النسوية العربية من وجهة نظر إسلامية، حيث تدعو فيها إلى تحقيق العدالة وفهم الشريعة الإسلامية بطريقة موضوعية خالية من التأثيرات الحزبية أو السياسية، حيث كان هدفها هو توضيح الفرق بين الشريعة غير القابلة للتغيير، وبين القانون الإسلامي الذي تم تناقله بين الناس حتى وصل إلى يومنا هذا، والذي تدخل فيه مصالح شخصية تبعًا للتغيرات السياسية التي مرّ بها الإسلام منذ وفاة النبي محمد وحتى يومنا هذا، نال كتابها "Dreams of Trespass" أحلام الخطيئة، وكتاب ما خلف الحجاب "Beyond  the Veil"،  شهرة عالمية للنسوية الإسلامية يعود الفضل فيها للكاتبة فاطمة مرنيسي.

"إذا كانت حقوق النساء مشكلة تزعج الرجال المسلمين في هذا العصر، فلا تعود جذور المشكلة للقرآن، ولا للرسول، ولا للتقاليد الإسلامية، بل تعود ببساطة إلى عدم توافق هذه الحقوق مع المصالح الشخصية لتلك النخبة من الرجال" فاطمة مرنيسي.

زيبا ميرحسيني

عالمة اجتماع إيرانية وإحدى كاتبات النسوية الإسلامية، حيث نشرت في ذلك المجال العديد من الكتب منها "الإسلام والديموقراطية في إيران"، "الزواج للمحاكمة: دراسة في القانون الاجتماعي الإسلامي"، تتميز زيبا ميرحسيني بمدافعتها للنسوية الإسلامية من خلال التفرقة بين الشريعة الإسلامية والتقاليد الإسلامية، والتركيز على الفرق بين التقاليد والحداثة، حيث تتبى فكرة أن التقاليد الإسلامية ما هي إلا من خلق التاريخ والإنسان، ولهذا السبب نواجه العديد من المدارس الإسلامية والمذاهب الإسلامية المتطاحنة حول إقحام التقاليد الإسلامية في النص التشريعي للإسلام.

لا ترى زيبا ميرحسيني في كتابتها المجهود المبذول من قِبل السلطات الحكومية في البلاد المسلمة في الاهتمام بمنظمات حقوق المرأة، فلا تعتقد أن تلك المنظمات لها نصيبًا من أموال السعوديين القادمة من البترول من أجل دعم المساوة بين الرجل والمرأة.

النسوية لا تقتصر على الشرق أو الغرب، ولا تختص بالمجتمعات المتقدمة ولا النامية، وإن كان تأثيرها يشمل الشرق والغرب، هل هي ظاهرة؟، بالطبع لا، النسوية برزت للعالم منذ زمن وإن لم يكن لها حضورًا قويًا إلا منذ عام 1991، ولكن المؤكد أن انتشارها الواسع والمُلفت للانتباه عبر "الفضاء الإلكتروني" هو ما يجعلها ظاهرة لبعض الأذهان، النسوية تحاول كسر ما بناه الماضي والتقاليد من حواجز، وتحاول أن تعزز من دور المرأة في كافة المجالات التي تم هضم حقوقها فيها والتقليل من دورها وأهميتها، كما تحاول النسوية الإسلامية في الشرق الأوسط على إعادة توضيح الفهم الصحيح من الآيات القرآنية الخاصة بالمرأة، ومحو أي أكاذيب تاريخية أو قصص مختلقة عن أحكام وواجبات على المرأة قد سادت في عديد من المجتمعات الإسلامية حتى الآن، كما تعمل على التركيز على النصوص الدينية التي توضح الفرق بين الرجل والمرأة في كل من القرأن والحديث.

ما يواجه النسوية في الشرق الأوسط هو مدى حجم التقاليد المغروسة في جذور تلك الأجيال لقرون والتي لا يمكن محوها بسهولة وإن أردنا، كما أن تجاهل وجودها لن يجعلها تختفي بين ليلة وضحاها، ولا يقتصر الأمر على ناشطات النسوية الإسلامية فحسب، بل العلمانيات منهن يدافعن عن الحقوق ذاتها، فالمرأة تعاني من التفرقة العنصرية في العمل، في المنزل، في الشارع، ولكن مفهوم العدالة الاجتماعية أمر نسبي للعديد من المجتمعات، وهذا ما تتحمله النسوية في المشرق منذ نشأتها وحتى الآن.