ابنة سبعة عشر ربيعًا، كان عمري آنذاك عندما اشتعلت الثورة، لم أكن جاهلة تمامًا بالأحوال السياسية في البلاد بسبب البيئة المحيطة بي والتي كان يكثر فيها نسبيًا الأحاديث السياسية وأخبارها وأثر نظامي مبارك وعبد الناصر على بعض المعارف.

شاركنا الثورة بكل ما أوتينا من مقدرة، ومنحتنا هي روح يناير التي انتشينا بها عامان، الأمل، كان كلمة السر لكل شيء، فكل الاحتمالات والآمال تتفتح، أصبحنا رواد عالم جديد ومجتمع أفضل، نحن أفضل ممن سبقونا، نحن نمتلك التغيير والثورة ونحن أعظم منهم، ومن يستطيع أن يسلب العنفوان والغرور والمراهقة لابنة سبعة عشر ربيعًا؟

رغم القتلى والخذلان والرمادية التي بدأت تصيب اللوحة، إلا أننا احتفظنا بقليل من الأمل والغرور في جعبتنا، أعظم ثورة وأعظم جيل، هكذا يصف الجميع، وهكذا ننتشي أكثر.

في الذكرى الخامسة لأعظم ثورة - على حد وصفهم - لم تعد ذكرى يمكن أن تقام لها الاحتفالات أو حتى التأبينات.

فالكاذبون يدعون انتصارها وأصحابها يتنصلون منها وأنا وحدي أبكيها على الأرصفة، فلا هي انتصرت فأسعد بذكراها ولا فشلت فأسبها وألعنها، لكن تركتنا معلقين بحبالها، لازالت الثورة قائمة.

لا أتعجل انتصار الثورة وصرت أخاف من ذكرها وأخشى القشة التي ستقسم ظهر البعير، لم تعد ثورة سعيدة وانتصارها لن ينبت ياسمينًا، ستنتصر بضعف الألم والتضحية، ستنتصر بأحبة آخريين تحت الثرى، والحقيقة تخبرنا أن الدماء التي تسال الآن ما هي إلا تمهيدَا لبحور دماء أخرى قادمة.

وأنه وإن أصبحنا والمشانق في الميادين منصوبة والحقوق تسترد، لم نعد جيلاً قادرًا على أن يحيا حتى يرى بذرة المستقبل تتفتح، لم نعد جيل الثورة، لكننا فقط كتب لنا أن نهيئ لها أو ننتصر بها ونرحل.

الربيع العربي، الوصف الذي خدرنا به الساسة والمحللين والكذبة الأكبر، أي ربيع هذا الذي لا ينبت زهرًا ولا يسقى إلا دمًا، أي زهر هذا الذي تفتح في جنات المحروسة الذي قطفته رياح الثورة قبل أن يقطفه عدوها.

عبارات التشجيع التي كنا نتبادلها قبيل الذهاب للميادين صارت الشهادتين والدمع، ما عادت ثورة تغيير بقدر ما أضحت ثورة انتقام، دموي، عنيف، لم نعد أطفالاً وصرنا نسعى للفوضى بحق وللتدمير بحق.  

أصبحنا نسعى لنسترد حق الثورة قبل أن نتفاوض في حق 60 عامًا أخرى، نسعى لاسترداد حق جيلنا هذا قبل أن نسترد حق أهالينا، حتى هذه اللحظة نرغب في الانتقام للثورة قبل الانتقام من الفساد، وأصبحت يناير ذاتها تسعى لحقها الشخصي بعد أن كانت أمل الحقوق السابقة، إيماننا غير كافٍ ليلهمنا السكينة ولكن إيمان من نوع آخر يكفينا لنحيا حتى ننتقم.

أقسى ما حدث هو الأمل الذي أنتزع منا غصبًا، حتى الانتصار لم يعد أملاً بل صار أمرًا مجبورين على إحداثه شئنا أم أبينا، سننتصر لأنه لا بديل آخر، وصارت الثورة فرض عين، فرضت علينا وأثقلت ظهورنا، أشابت رؤوسنا ومزقت أرواحنا، وصرنا الآن متيقنين تمام اليقين أنه لا ثورة سعيدة ولا رفاهية، ولكننا أحق بها من غيرنا وأحق بدمائنا عن سوانا وأنه نحن لا غيرنا القادرين على الانتصار بها.

الأرض لا تعرفنا والوطن لم يحبنا، ولكن أحبتنا أحق بوطن منا، ونحن أحق بهذه الأرض منهم، حتى وإن لم تعطينا ما يكفى من الحب لكنها تظل مستقبل أبنائنا ولسنا بالقسوة التي تجعلنا نفقدهم أحب ما فقدنا، الأمل.

فقدنا المجتمع وكرهناه، وصار عدونا الأول، كل ما عانيناه هو وحده الملام عليه وهو السبب الأول للصورة الحزينة التي تشكلت في نفوسنا، حتى صورة الثورة العذراء التي امتلكناها اغتصبوها أمام أعيننا وتعلقوا برقابنا ليسوقونا لمستنقع الجحيم بجانبهم وأخرسوا ألسنتنا وسلبونا كل ما امتلكنا، ولكن لازلنا هنا ولازال لدينا مايكفى لننتصر.

لم أعد طفلة ولم أصبح فتاة في مقتبل العمر، بل كامراة عجوز شمطاء غاضبة حانقة كارهة، صرت هكذا وصار ألف غيري، ولا ثورة تنتصر بهذا الغضب واليأس، ليت روح الحب تمسنا مرة ونشوة الأمل تحيطنا مرة وليتنا لا نتصر ونحن هكذا، ليت ثورة حب تنتصر فينا أولاً وليت نظرتنا القاصرة تعود مرة وليت سذاجتنا الحالمة تعود مرة.

أفراحنا منقوصة وإنجازتنا الشخصية غير كافية وكأن حياتنا وكل ما أحاطنا ينتقص منه فشلنا الأكبر في تحقيق أمر واحد يتجاوز ذاتنا وزماننا هذا، انتصار عظيم لأمر أعظم، نفني فيه حياتنا الفانية ونحيا به مادام حيًا.

على الرغم من الألم واليأس والوجع الذي صاحب الثورة وتذيل بأعمارنا، إلا أننا لازلنا ندين بدين الثورة وندعو الله أن يتقدس اسمها في السموات والأرض وننصرها أينما كانت، بأي أرض حلت وفى أي ثوب أطلت، لكن صرنا نراها بعين النضج، ليست ثورة سعيدة، لكنها عملاً يستحق بقدر ألمه أن نتقرب به لله.