بعد تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية من قِبَل دول مجلس التعاون الخليجي، باتت تسمع أصوات عربية من هنا وهناك تطالب بضرورة استكمال الخطوة وإدراج حماس كمنظمات إرهابية أيضًا، وهي الخطوة التي يرونها ضرورية لضرب جميع الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية، وهنا لا بدَّ من التأكيد على نشوز هذه الدعوات التي تحاول أن تضع حزب الله بسلة واحدة مع حماس، متغافلين عمدًا أو جهلًا أو تواطؤًا عن الفارق الكبير بينهما في الأهداف والمنطلقات وحتى في الوسائل والأدوات، وإذا كان لا بدَّ من طريقة لإبعاد حماس عن إيران فهي حتمًا ليس عن طريق تصنيفها كمنظمة إرهابية بل باحتضانها لأهميتها في الدفاع عن الأمن القومي العربي في وجه العدو الأساسي للعرب ألا وهو الكيان الصهيوني.  

تعتبر خطوة تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية متناغمة تمامًا مع الجهود الخليجية والسعودية منها على وجه الخصوص في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، فالحزب قد أثبت - ومنذ توغله في الأزمة السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، ومن ثم دوره في الأزمة اليمنية من خلال الدعم اللوجستي الذي يقدمه للحوثيين، ومن قبل ذلك دوره في تأجيج البعد الطائفي في مظاهرات المملكة البحرينية، وليس آخرًا دوره المُعطل في لبنان باختطافه القرار السياسي وتعطيل عمل الحكومة - أنه عبارة عن مجموعة مرتزقة بيد الإيرانيين الذين يستخدمونه في تنفيذ أهدافهم في المنطقة العربية، كما وأثبت بأن الدعم العسكري والمالي الذي يتلقاه من طهران لم يعدَّ مطلقًا موجهًا لمقاومة إسرائيل كما كان يدعي سابقًا، بل أصبح موجهًا فقط وبشكل حصري لقتل أبناء الأمة وتمزيق وحدتها.

وعليه وبكل اطمئنان يمكن الحديث عن أن الحزب لم يعد لبنانيًا ولا عربيًا بل هو حزب إيراني بامتياز، ويجب أن تكون السياسة معه قائمة على الاجتثاث من الأساس، مع ضرورة عدم الخلط بين الحزب وبين الطائفة الشيعية في لبنان، فالطائفة الشيعية في لبنان مكون مهم من مكونات الدولة اللبنانية، ولا بدَّ من العمل على إخراج الطائفة الشيعية من عباءة الحزب، فالحزب لا يختطف لبنان كدولة وحسب بل ويختطف الشيعة كطائفة.

أما حماس فهي على النقيض تمامًا من ذلك، فالحركة أثبتت أنها عربية وفلسطينية بامتياز، فبالرغم من الدعم الإيراني الكبير لها طيلة الأعوام السابقة (قبل الأزمة السورية التي سنأتي على ذكرها لاحقًا) لم تستخدم الحركة هذا الدعم إطلاقًا ضد أي دولة عربية أو ضد أي نظام عربي، بل كان سلاحها وسياستها موجهة نحو هدف واحد فقط هو فلسطين وتحريرها من الاحتلال الصهيوني، وعلاقة الحركة مع إيران لا تعدو أن تكون ضمن السياسة العامة للحركة التي تستقبل الدعم لفلسطين من أي طرف عربي أو إسلامي، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي أو منطلقاته الدينية أو الأيديدولوجية، وذلك لإيمان الحركة الراسخ بأن تحرير فلسطين هو جهد الأمة الإسلامية ككل، والحركة تشكل رأس حربة متقدم في هذا الجهد، وعليه فإن كل الأمة لا بدَّ وأن تساهم في دعمها من أجل تثبيتها على الأرض، وانتقالها خطوات إلى الأمام في مشروع التحرير.

وربما أوضح دليل على عدم ارتهان حركة حماس للقرار الإيراني هو خروجها من سوريا بعيد انطلاق الأزمة بالرغم مما كانت تمثله لها الساحة السورية من ثقل سياسي وعسكري وشعبي، وقد مثل خروج الحركة هذا خسارة فادحة لها، فعمليًا خسرت الحركة محورها السابق المتمثل بالدعم الإيراني المباشر، وقاعدتها الشعبية والتنظيمية واللوجستية في سوريا، كما وعرضت وجودها في لبنان لخطر كبير، في المقابل لم يكن هناك محور آخر يمكن أن يشكل لها بديلاً عمليًا عمَّا خسرته؛ فإذا كانت مصر مرسي قد مثلت بارقة أمل، فإن انقلاب السيسي قد عمل على تأزيم وضع الحركة إلى أبعد حد، فالحركة التي خسرت محورها السابق قد وجدت نفسها في صراع مع المحور المقابل الذي صنفها على تيار الإسلام السياسي - الإخواني؛ وعليه فلابدَّ من القضاء عليها وتصفيتها، وربما تشكل حرب إسرائيل على غزة عام 2014 مثلًا بارزًا على محاولات القضاء على حماس، فقد كانت هناك ضغوطًا تمارس على إسرائيل من بعض الدولة العربية لإطالة أمد الحرب على أمل إنهاء حكم الحركة في القطاع.

ولفهم أكثر عمقًا لموقف الحركة الحرج جدًا فإن المحور الأول المتمثل بإيران لم يقف على الحياد معها بل أخذ يعمل على مناكفتها، فبالاضافة إلى تجميد أي دعم عسكري أو مالي للحركة حتى في ذروة الحرب على غزة عام 2014 فإن الإيراني مافتئ يحاول قدر الإمكان شق صف الحركة من خلال اللعب على تناقضات الداخل - الخارج، والسياسي - العسكري داخلها، في سبيل تجاوز القيادة السياسية الحالية أو إجبارها على تقديم تنازلات، ولولا القوة التنظيمية المتينة للحركة لكنا رأينا الآن أكثر من حماس واحدة في الساحة الفلسطينية.

وحتى نكون أكثر دقة في وصفنا للعلاقة بين حركة حماس وإيران فإننا نقول بأن الدعم المالي والعسكري قد توقف فعلًا، أما العلاقة السياسية فلم تنقطع، فقد كانت هناك عدة زيارات للحركة إلى إيران ولكنها كانت على قاعدة الاحترام المتبادل، فرغم الأزمة المالية التي تمر بها الحركة لم تقدم أي تنازلات تمس استقلالية قرارها السياسي والعسكري، وقد كان منطق الحركة طيلة هذه الزيارات يقوم على أساس تحصيل الدعم للقضية الفلسطينية، وتدعيم صمود الشعب الفلسطيني تجاه الألة العسكرية الصهيونية ومخططات إسرائيل التهويدية والتقسيمية، وقد واجه قياديو الحركة الذين زاروا إيران مؤخرًا بقوة الحجة والمنطق نظراءهم الإيرانيين، حيث بينوا لهم الضرر الذي تتسبب به سياساتهم في المنطقة على وحدة الأمة وتماسكها؛ فالحركة أثبتت غير ذي مرة أنها حركة غير متملقة (وهنا أتحدث عن الموقف الرسمي للحركة، أما تصريحات بعض أفرادها فليس بالضرورة أنها تمثل موقف الحركة بل تمثل موقف أصحابها).

كلمة أخيرة للأصوات النشاز التي تطالب بمعاقبة الحركة على علاقتها بإيران أقول: إن الحركة لها كامل الحق في بناء علاقات مع أي طرف كان ما دام يخدم مصالحها، إن هذا المنطق هو من أبجديات الممارسة السياسة، وهو المنطق ذاته الذي تمارسه دولكم، وإذا كانت علاقة الحركة مع إيران تغيظكم فعليكم النظر إلى الدوافع من وراء توجه الحركة إلى إيران، والذي يعتبر السلوك العربي تجاهها من أبرز هذه الدوافع؛ فالنظام المصري على سبيل المثال يحارب الحركة ليس بسلاحها وتمويلاها بل بقوت مليون وثمانمائة ألف نسمة يسكنون القطاع من خلال تشديد الحصار عليهم وتدمير كل الأنفاق المدنية منها والعسكرية، وأظن أنه لا يخفى على أحد دور النظام المصري وسلطة عباس في وأد أي فكرة يمكن أن ترفع المعاناة عن أبناء القطاع والتي كان آخرها مشروع إنشاء ميناء بحري مع القطاع لتسهيل نقل البضائع منها وإليها.

بالاضافة إلى أن هناك انتفاضة وشهداء وبيوت تهدم، وهناك المسجد الأقصى الذي يُقسم، وهناك ما تبقى من الأرض الفلسطينية التي تقضم بالاستيطان والتهويد، كل ذلك ولا نجد من الدول العربية من يقدم 7 آلاف دولار لكل عائلة شهيد، ولا 30 ألف دولار لكل بيت تهدمه قوات الاحتلال الصهيوني، مع العلم أن الانتفاضة هي انتفاضة الشعب الفلسطيني وليست انتفاضة حركة حماس!

إن التصدي للنفوذ الإيراني يجب ألا يكون على حساب القضية الفلسطينية، وإن كان يغيظ بعض العرب استخدام إيران للقضية الفلسطينية في تحقيق أهدافها الإقليمية، فعليهم أن يكونوا أذكى منها من خلال تبني القضية ودعم صمود أهلها، ففي آخر المطاف إسرائيل وليست إيران هي من تمثل الخطر الحقيقي للأمن القومي العربي.