عارضة أزياء تعرض نموذجًا للحجاب واللباس الإسلامي في 30 يناير 2016 خلال أول عرض للمرأة المسلمة في داكار، عشية اليوم العالمي للحجاب (ا ف ب).

ترجمة وتحرير نون بوست

دائمًا ما يوجد شخص ما، في مكان ما، عادة رجل لا يفقه شيئًا عن الحجاب، يحوز رأيًا غريبًا حول لباس المرأة المسلمة، ومن بين أولئك الأشخاص سياسيون وممثلون ومصممو أزياء ورجال أعمال أيضًا.

يبدو أن العالم مهووس اليوم بالمحجبات، وربما ينجذب إلى ذلك نتيجة لحالة فخر غير معروفة المنشأ أو غير مرئية أو ناجمة كرد فعل على شيء معين؛ فنتيجة لعدم قدرة العالم على فهم ما يقبع خلف الحجاب، يستمر في توجيه الانتقادات له على أمل أن يسقطه في يوم ما.

قطب عالم الأزياء الفرنسي، بيير بيرج، هو أحدث شخصية تتحفنا برأيها حول الحجاب واعتنقاه، حيث زودنا بأفكاه تلك خلال مقابلة إذاعية مع الواشطن تايمز، وتشمل تلك الأفكار بأنه يرغب بتعليم "النساء المسلمات للتمرد على وضعهن، وخلع ملابسهن، ليتعلمن العيش مثل معظم النساء في بقية العالم"، كما انتقد ووبخ ماركات الأزياء الأخرى لتضمينها "الزي الإسلامي" المحتشم ضمن مجموعة خط انتاجها، قائلًا بأن تلك الماركات تشارك في "استعباد النساء".

لوضع الأمور في سياقها، يفترض بيرج بأن رأيه مهم لأنه الشريك المؤسس لشركة إيف سان لوران، الماركة العالمية التي أصبحت معروفة اليوم باسم سان لوران باريس، وقبل عشرين عامًا، وقبل أن تحصل مجموعة غوتشي على اسمها التجاري، كان بيرج يتربع على قمة عرش الموضة، حيث أسس رجل الأعمال الفرنسي شركة إيف سان لوران جنبًا إلى جنب مع مصمم الأزياء، إيف سان لوران، الذي كان خليله المثلي أيضًا.

إيف سان لوران (يسار) وبيير بيرج.

"مصممو الأزياء موجودون لجعل المرأة أكثر جمالًا، لمنحها حريتها، وليس لمساعدة هذه الدكتاتورية التي تفرض هذا الحالة المقيتة من تخبئة النساء وجعلهن يعشن حياة خفية"، قال بيرج.

على مدى العامين الماضيين، تبنت مختلف الماركات وعلامات الأزياء الشهيرة اتجاه "الموضة المحتشمة" بشكل كبير، حيث رأينا دورة الإصلاح الكاملة التي خضع لها مفهوم الملابس المحتشمة لتتحول هذه الملابس مما النظرة التقليدية التي تنظر إليها على أنها رثة أو ذات طراز قديم لتصبح شيئًا عصريًا وأنيقًا بشكل ملحوظ، وبدلًا من ظهور هذا الاتجاه أولًا لتعتنقه النساء بعدها، حدثت الأمور بشكل معاكس، حيث خلقت النساء الراغبات في ارتداء الملابس المحتشمة، النساء المسلمات، الذين يصممن ويطوعّن ملابسهن، الطلب على هذا النوع من الموضة.

بدأت هذه الموجة بمجموعة أزياء عرضتها شركة (DKNY) في عام 2014.

مجموعة الملابس المحتشمة التي أصدرتها شركة (DKNY).

وفي وقت سابق من هذا العام، انضمت شركة الموضة الإيطالية الشهيرة دولتشي آند غابانا إلى الركب من خلال عرضها لمجموعة أزياء مكونة من 14 عباءة مع أغطية رأس متطابقة معها.

بعض صور مجموعة دولتشي أند غابانا.

كما أن ماركات إتش أند أم، ماركس أند سبنسر، ويونيكلو ليست سوى عينة صغيرة من ماركات الأزياء المرموقة التي انضمت إلى موجة تلبية الطلب المتنامي على الأزياء المحتشمة.

عملت هذه الماركات على ترويج خط إنتاجها من الملابس المحتشمة لتشمل النساء المسلمات والأزياء الإسلامية، وهنا يتوجب علينا أن نتساءل، ألا يشكل قيام شركة لويس فويتون أو شركة هيرميس ببيع أوشحة الرأس، أو ارتداء فيكتوريا بيكهام لسترة فضفاضة، نوعًا من الترويج للأزياء المحتشمة؟ ربما تبزغ المشكلة بالنسبة لبيرج وباقي زملائه من المنتقدين للأزياء المحتشمة عندما يتم إدراج الإسلام والنساء المسلمات في قلب هذا الحوار فقط.

الجدير بالذكر هنا هو أن أحد المنضمين إلى فورة الهجوم على "الموضة الإسلامية" هما المصممان الفرنسيان أغنيس ب وجان شارل دي كاستال، اللذان تزامنت تعليقاتهما مع صدور التصريحات المنتقدة للأزياء الإسلامية من وزيرة حقوق المرأة الفرنسية.

الهجوم السياسي على الأزياء المحتشمة

في مقابلة منفصلة، انتقدت وزيرة حقوق المرأة في فرنسا، لورانس روسينول، ماركات الأزياء التي أدخلت الأزياء المحتشمة إلى خط إنتاجها، حيث علّقت الوزيرة على زي السباحة الإسلامي "بوركيني"، الذي طرحته ماركة ماركس آند سبنسر، واصفة إياه بأنه "يعزز من ظاهرة حبس أجساد النساء"، ونعتت مجموعة الأزياء المحتشمة تلك وأمثالها بـ"الغير مسؤولة"، مردفة بقولها: "مهما كانت تافهة أو غير ضارة، إلا أنك لا تستطيع أن تتجاوز حقيقة أن الماركات التجارية الكبرى تستثمر في السوق الذي يضع النساء المسلمات في حالة اضطرار لارتداء هذه المنتجات".

لباس السباحة الإسلامي "البوركيني" الذي روّجت له ماركة أزياء ماركس أند سبنسر.

ولكن من أين بالضبط حصلت الوزيرة على معلوماتها؟ الغالبية العظمى من النساء اللاتي يرتدين الحجاب أو الملابس "المحتشمة" يفعلن ذلك بمحض إرادتهن، كما أن استثمار الماركات في أي نوع من الملابس لا يجبر أي شخص على شرائها أو ارتدائها، وبعض النساء، سواء المسلمات، المسيحيات، اليهوديات، أو حتى اللادينيات، يرتدين بشكل منتظم ملابس يمكن اعتبارها محتمشة سواء أتم الترويج لها على هذا النحو أم لا.

لا أعرف تمامًا كيف تيقنت الوزيرة من رؤية الحبس الذي يُفرضه زي السباحة بوركيني على أجساد النساء، ولكن ربما امتلكت الشخصية التلفزيونية البريطانية، نايجيلا لاوسون، مفتاح تلك المحبسة المزعومة عندما اشترت زي البوركيني وارتدته على شواطئ سيدني!

نايجيلا لاوسون بلباس البوركيني على شواطئ سيدني.

وفي هذا السياق، وبالإضافة إلى تعليقات روسينول التي أدانت الأزياء المحتشمة على نطاق واسع، ذكرت الأخيرة في تصريحاتها بأن النساء اللاتي يرتدين الحجاب يتشابهن مع "الزنوج الذين يأيدون العبودية"، مستخدمة في تعبيرها كلمة نيجرو (negroes) التي تعد عنصرية للغاية لوصف العرق الأسود.

أثارت تصريحات الوزيرة ضجة هائلة في وسائل الاعلام الاجتماعية، التي دعتها للاستقالة، إلى جانب عريضة ما زالت تكتسب الزخم بعد وصولها إلى حوالي 30,000 توقيعًا، تدعو رئيس الجمهورية لاتخاذ إجراءات ضد الوزيرة التي شكلت تصريحاتها وصمة عار على الوظيفة الوزارية، ولكن مع ذلك، لم ينبس رئيس الوزراء، مانويل فالس، ببنت شفة حول الحادثة، ويمكننا أن نقول بأن مرور مثل هذه التعليقات دون رد فعل رادع، هي دلالة رمزية على المناخ السياسي المسموم والإسلاموفوبي السائد في فرنسا.

على الرغم من أن روسينول اعتذرت عن استخدام لغة التشهير والعنصرية في تصريحها، إلا أنها لم تعتذر عن رأيها الذي أعربت عنه، وهنا وبعد أن شاهدت فيلم لينكولن للمخرج ستيفن سبيلبرغ، وإثر تمضيتي لساعات طويلة وأن أقرأ التعديل الـ13 الأمريكي الذي ألغى العبودية، فوجئت بكم التحامل والتحيز الذي يحمله روسينول وبيرج والمقتبس من تلك الحقبة التاريخية، لدرجة أنهما لا يستطيعان رؤية ما يقبع خلف خوفهما الأعمى.

أشار بيرج في مقابلة له مع إذاعة أوروبا 1 بأن غاية مصممي الملابس من إطلاق موضة الملابس المحتشمة هي كسب المال فحسب، وربما نستطيع أن نفترض بأن المشاريع التجارية تهدف عمومًا إلى هذه الغاية؛ فالشركات تحتاج لكسب المال، وشركات الأزياء هي أعمال تجارية تسعى لتحديد اتجاهات الموضة، متابعة جديدها، وخدمة أذواق عملائها المتنوعين، وفي أحد الاقتباسات الأكثر شهرة التي أطلقها إيف سان لوران، قال المصمم الراحل: "شانيل حررت النساء، وأنا مكّنتهن"، ويمكننا القول بأن إيف سان لوران كان مبتكرًا في زمنه، حيث استطاعت أعماله تلخيص حرية روح النساء، ولكن التحامل المتجذر أدى إلى كره البعض لما تتضمنه حرية النساء اليوم سواء من حيث المنتجات أو الأشخاص.

بشكل عام، تمتلك فرنسا مشاكل مع الزي الإسلامي، سواء تبدى ذلك في صورة امتناع بعض الممثلين عن التمثيل في مسرح لأنهم شاهدوا وجود منقبات ضمن الحضور، أو في صورة حظر ارتداء الحجاب في الدولة الفرنسية، حيث يتم التعامل مع اللباس الإسلامي على أنه رمز إسلامي واضح للغاية يشكل تهديدًا للكينونة العلمانية للبلاد، ومن هذا المنطلق، حققت طفرة الأزياء المحتشمة ضمن الماركات العالمية نجاحًا صاخبًا ينبغي الإشادة به عالميًا؛ فالنساء المسلمات لا يجب أن يتسوقن في متاجر منفصلة، ولسن مضطرات ليشعرن بأن السوق لا يلبي رغباتهن، والنمو المستمر والمطرد لسوق الموضة المحتشمة يعني بأن بيير بيرج وأمثاله استيقظوا متأخرين على تغيّر مشهد الموضة العالمي، وبالكاد يحظون اليوم بجمهور يمتلك الوقت للاستماع لتنطاعتهم.

تخضع موضة الأزياء للابتكار المستمر، وتتحرك بشكل دائم إلى الأمام لتتكيّف مع العصر الحالي، ومن هذا المنطلق، تبدو خطوة إدراج الموضة "الإسلامية" المحتشمة بلا شك جزءًا من هذه الثورة، وعلامة من علامات العصر.

المصدر: ميدل إيست آي