دار جدل واسع في الأوساط المصرية لا سيما الشبابية منها على خلفية طرح مسودة قانون "الجرائم الإلكترونية" من خلال النائب اللواء المتقاعد تامر الشهاوى، لمجلس النواب، وهو ما دفع بحالة من اللغط الشديد بين الأوساط الأمنية المعنية بتنفيذ القانون والحقوقية التي تعتبره تقييدًا للحريات، رغم أن البرلمان حينها لم يكن قد انتهى من مناقشة مسودة القانون.

أما الآن فقد أصبح القانون واقعًا بعد تمريره من خلال لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب المصري، كما قررت اللجنة إحالة اقتراحات القانون إلى لجنة مشتركة من لجنتى الشؤون التشريعية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات للبدء في تنفيذه.

مقدم القانون ضابط المخابرات الحربية السابق يرى أن هناك حاجة ملحة لإصدار تشريع يجرم ويكافح ما يُسميه "الجريمة الإلكترونية"، ويضيق الخناق على كل العناصر والكيانات من الوصول إلى أهدافها وإجهاض تحركاتها.

 حيث يختص القانون المقترح بمكافحة جرائم تقنية المعلومات وتنظيم حماية الفضاء الإلكترونى ومكافحة الجريمة الإلكترونية وأمن الفضاء المعلوماتى والجرائم المعلوماتية، دون تحديد صريح لما يُعنى بكل هذا الكم من المصطلحات.

 جدير بالذكر أن هذا القانون ليس هو السابقة الأولى في مصر التي تحاول فيها السلطات الأمنية بسط النفوذ على الفضاء الإلكتروني، حيث قرر مجلس الوزراء في فبراير من العام 2015 تشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات برئاسة وزير العدل السابق وعضوية الجهات الأمنية، وهو الأمر الذي لاقى معارضة أيضًا حينها.

القانون الجديد قد يقودك إلى الإعدام دون أن تدري

ذكرت عقوبة الإعدام في القانون حال امتنعت شركات تقديم خدمات الإنترنت عن تنفيذ قرارات محكمة الجنايات بحجب أحد المواقع أو الروابط، وترتب على هذا الامتناع وفاة شخص أو إضرار بالأمن القومي، بالإضافة للإعدام تفرض غرامة مالية ما بين 5-20 مليون جنيه، أما في حال الامتناع بدون التسبب بوفيات فإن العقوبة تصل إلى السجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات وغرامة مالية تتراوح ما بين 1-2 مليون جنيه.

فيما طالب مقترح القانون، العقاب بالسجن المؤبد لكل من أنشأ أو استخدم موقعًا بغرض إنشاء كيانات إرهابية أو الترويج لأفكارها أو تبادل الرسائل والتكليفات أو التمويل أو حيازة ونقل وتوفير أموال أو أسلحة أو ذخائر أو متفجرات أو خلافه.

كما تضمن المقترح، حق جهات التحرى والتحقيق حال رصد قيام مواقع تبث من داخل الجمهورية أو خارجها من شأنها تهديد الأمن القومى أن تتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بحجب الموقع طبقًا للإجراءات الفنية والقانونية بمعاونة جهات الاختصاص الأخرى فى الدولة.

هذه أبرز ملامح القانون التي اعتبرها حقوقيون هُلامية لا يمكن السيطرة على تنفيذها، حيث تعاني من الإفراط في استخدام مصطلحات مطاطة بحسب أوصاف بعضهم، من بينها مسألة الإضرار بـ"الأمن القومي" التي يتهم كافة النشطاء السياسيين بها من جانب النظام دون وجه حق.

وهو الأمر الذي من شأنه أن يعرض كل من يدون على الإنترنت بغير رغبة النظام لعقوبة الإعدام إذا ما اتهمه الأمن بالإضرار بالأمن القومي، وكذلك مصطلح الكيانات الإرهابية الذي يستخدم لوصف المعارضة في مصر، في هذا الوقت يصبح كل من يدون من خلال الإنترنت من جبهة المعارضة معرضًا للحبس أو الغرامة بعد أن تلصق به تهمة "الترويج لكيان إرهابي"، علمًا بأن النظام المصري يعتبر جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وكذلك حركة السادس من أبريل، وكذا روابط الأولتراس.

ويعطي القانون أيضًا الحق للدولة في أن تغلق المواقع والصفحات بتهمة غير مفهومة معناها وهي الإضرار بالأمن القومي للبلاد.

يتضح من هذا القانون المقترح أن هدفه ليس مكافحة الجريمة الإلكترونية كما يُروج مناصروه على الإعلام الموالي للنظام، وإنما يهدف إلى السيطرة على الفضاء الإلكتروني المتاح للمعارضة المصرية وللنشطاء الشباب الذين نقلوا تفاعلهم مع المجال العام المصري إلى الإنترنت، وقد أحدث هذا الأمر للنظام أكثر من مأزق مؤخرًا كان أبرزهم في قضية الجزيرتين تيران وصنافير، وكذلك في قضية القبض على فرقة "أطفال الشوارع" الفنية، وفي  مجال الدفاع عن الحقوق والحريات في مصر.

ويؤكد هذا أيضًا وجود تشريعات قديمة في مصر كافية لمكافحة الجريمة الإلكترونية بمفهومها الجنائي مثل قانون الاتصالات رقم 10 لسنة 2013 ، وقانون التوقيع الإلكترونى رقم 15 لسنة 2004، وقرار رئيس الجمهورية رقم 276 لسنة 2014 بشأن انضمام مصر إلى الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، وإضافة مثل هذا القانون في هذا التوقيت دليل واضح على رغبة السلطات المصرية في تحجيم النشاط المعارض على الإنترنت.

عقيدة عداء الإنترنت

أجهزة الدولة المصرية وبالتحديد النظام الحالي لديهم إرث طويل من العداء للإنترنت ورواده، بداية من اعتقادهم أن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كانا لهما الدور الأبرز في الإطاحة بالرئيس المخلوع حسني مبارك إبان ثورة يناير 2011، ومما يظهر فرضية العداء هذه ما حدث من قطع لكافة الاتصالات في الأيام الأولى من الثورة المصرية بقرار أمني.

فيما تتواتر الدلائل على الرقابة المشددة التي تقوم بها أجهزة الأمن والاستخبارات المصرية على الفضاء الإلكتروني، عبر الاستعانة بشركات تجسس عالمية لإحكام السيطرة على مواقع بعينها أو تتبع النشاط السياسي، وقد سجلت العديد من القضايا المتعلقة بنشر أصحابها أراء معارضة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم هذا القانون الجديد يصر على فرض الرقابة بشكل أكثر صرامة مع إضفاء نوع من الشرعية القانونية على انتهاك الخصوصية للمواطنين، إذ إن شركات الاتصالات ومزودي خدمات الإنترنت في مصر باتوا مجبرين طبقًا للقانون بالرقابة الجماعية لكل مستخدميها عن طريق اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التقنية اللازمة لحفظ وتخزين محتوى النظام المعلوماتي أو أي وسيلة لتقنية المعلومات، وكذلك حفظ وتخزين بيانات خط السير كرسائل البيانات وحركتها، وذلك لمدة ستة أشهر.

كل هذا يمثل عقيدة "عداء الإنترنت" المتجذرة لدى النظام في مصر، والتي تروج عبر رأسه في رئاسة الجمهورية الجنرال عبدالفتاح السيسي، الذي حذّر في غير حديث، مما أسماه بحروب الجيل الرابع والخامس، حيث قال: "في حروب، وكتائب إلكترونية، وقصة كبيرة بتتعمل"، على حد قوله.