ازدادت الأزمة المالية والهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد التونسي حتى وصلت إلى أنظمة التقاعد والصناديق الاجتماعية وباتت تهدد بعدم القدرة على صرف معاشات المتقاعدين في السنوات القليلة القادمة، حيث تعاني أنظمة التقاعد من عجز مالي بلغ نحو 700 مليون دينار، وتشير البيانات المالية الرسمية أن عجز الصناديق التقاعدية سيتجاوز ملياري دينار (مليار دولار) خلال السنوات الخمس المقبلة إذا لم يتم معالجة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد المتمثلة بالتجاوزات المالية للمؤسسات وأصحاب العمل وظروف التشغيل.

المشكلة الاقتصادية في تونس

تعاني الحكومة التونسية من قصور في مصادر التمويل بسبب شح التحصيل الضريبي والتوسع في السوق غير الرسمية التي استحوذت على 50% من مختلف النشاطات الاقتصادية في البلاد، وبحسب دراسات فإن نسبة التشغيل غير المنظم بلغت نحو 32% من إجمالي الوظائف التي يوفرها الاقتصاد التونسي حتى نهاية العام الماضي 2015 وهذه النسبة تعادل مليون عامل بدون تغطية اجتماعية.

بسبب قلة فرص العمل وارتفاع نسب البطالة إلى أكثر من 15% من عدد السكان، يجد الشباب التونسي نفسه مجبرًا على قبول أشكال التوظيف غير القانوني؛ حيث تذكر دراسات أن سوق العمل التونسي يعاني من "هشاشة مفرطة" ولا يتجاوز نسبة العاملين بعقود غير محددة المدة 45% من مجموع العاملين في عام 2011، بينما يبلغ عدد المشتغلين بعقود محدودة المدة وعدد المشتغلين بدون عقد 55%، ولا يتوقع خبراء الاقتصاد تحسنًا في سوق العمل التونسي بسبب ضعف نسبة النمو وتراجع حجم الاستثمارات يرافقه نسبة الوافدين الجدد على سوق العمل من خريجي الجامعات ومدارس المهن.

وقد عملت الحكومة التونسية في الأشهر الماضية على جملة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية فضلًا عن العديد من الزيارات إلى الدول العربية والأجنبية التي قام بها الباجي قايد سبسي بهدف عرض ما يمكن أن تقدمه تونس للمستثمرين العرب والأجانب والمحفزات التي تقدمها، وهذا يصب في إعادة تأهيل الاقتصاد التونسي وتجهيزه للخروج من الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها البلاد، وقد أبدت العديد من البلدان العربية والمؤسسات المالية الدولية سعيها لتوسيع قاعدة الاستثمار في تونس في مختلف المجالات، وذهبت مؤسسة كارنيغي في تقرير مطول لها لإرسال نداء للدول الخليجية والأوروبية للتوجه إلى تونس وإسعافها بالاستثمارات الضرورية للمضي في اقتصادها وتحريك النمو فيها.

رغبة الحكومة في رفع سن التقاعد


ترغب الحكومة التونسية في رفع سن التقاعد بداية من يناير/ كانون الثاني 2017، حيث ترى أن رفع سن التقاعد سيخفف من العجز المتوقع خلال ثلاث سنوات مقبلة بنسبة 50%.

وتستند رغبة الحكومة في رفع سن التقاعد للمأزق المالي الذي تعيشه الصناديق الاجتماعية وما قد يحمله المستقبل للمتقاعدين، لذا فإن رفع سن التقاعد بنحو خمس سنوات إضافية أي من 60 إلى 65 سنة سيحقق التوازن المالي في الصناديق الاجتماعية، إلا أن تلك الرغبة تصطدم مع الاتحاد العام التونسي للشغل الرافض لهذا التغيير، وترفع منظمة الشغالين التي تمثل أكثر من مليون عامل في حملتها ضد القرار الحكومي شعار "لا للترفيع في سن التقاعد" فهذا التغيير على حد وصفها يغذي أزمة البطالة ويزيد من حدتها فضلًا عن أنه يلغي ما يقرب من 16 ألف فرصة عمل سنويًا في قطاع الوظيفة العمومية.

وتخشى منظمة الشغالين من عواقب خطوة زيادة سن التقاعد، فالقطاع الخاص غير مؤهل بعد لاستيعاب كم الشباب المؤهل للعمل فهو لا يخلق فرص عمل بالقدر المطلوب كما أن رقمًا عاليًا من التونسيين الشباب يعملون بشكل غير نظامي ولا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية.

وبينما تدعو الحكومة لرفع سن التقاعد هناك العديد من النقابات تناضل مع الحكومة لخفض سن التقاعد لصالح سلك التعليم بحجة أن مهنة التعليم هي مهنة شاقة وتقترح تقليص سنوات العمل إلى 55 سنة فقط.

النقابات والمعارضون يحتشدون

ردًا على الحكومة وخططها في إقرار قانون العمل الجديد، قررت النقابات التونسية البدء بالحشد الشعبي، حيث دعا الاتحاد العام التونسي للشغل - المنظمة النقابية الأكثر ثقلًا -، إلى تجمع عمالي اليوم السبت أمام مقر المنظمة وسط العاصمة تونس لتوجيه رسالة إلى البرلمان والحكومة بأن مشروع القانون مرفوض من قبلهم ولا يمكن أن يمر.

وقد سبق لاتحاد الشغل قبل التغيير الوزاري في يناير/ كانون الثاني الماضي إقناع وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك بتوقيع اتفاق يجعل من الزيادة في الإحالة على المعاش التقاعدي في سن 65 اختياريًا، وقال الأمين العام المساعد في منظمة الشغالين عبد الكريم جراد "إن الاتفاقات التي تمت بين الاتحاد والوزير كانت بخصوص مدة الزيادة في سن التقاعد، حيث تم الاتفاق على إعطاء الموظف إمكانية اختيار الزيادة في سن التقاعد بسنتين أو بخمس سنوات، إلا أن الحكومة اللاحقة ممثلة بالوزير الجديد رفضت هذا التعديل واعتبرته لاغيًا لأنه تم دون الرجوع للحكومة".

وتطالب النقابات مع الأطراف المعارضة إلى تكثيف الحملات على المؤسسات المخالفة وتشديد العقوبات عليها عوضًا عن تقليص عجز الصناديق الاجتماعية معلنة رفضها للترفيع في سن التقاعد إلى أكثر من 60 عامًا.