تمهيد

الأحداث التي مرت على جماعة الإخوان المسلمون منذ الانقلاب العسكري والممتدة حتى هذه اللحظة، أحدثت حالة من السيولة الفكرية غير المسبوقة داخل الصف الإخواني، وساهمت تلك الحالة في تولد رغبة حقيقية لدى قطاع عريض داخل الإخوان بإجراء مراجعات على مستوى الفكر والرؤية والاستراتيجية، وربما كانت المطالبة بتلك المراجعات والتي غابت عن جماعة الإخوان لعقود طويلة انشغلت بها الجماعة على المستويات التنظيمية والتنفيذية هي نقطة الأصل للأزمة الداخلية التي تشهدها الجماعة في الوقت الحالي، والتي كان أبرز ما نتج عنها، أزمة شرعية القيادة وما ترتب عليها من أزمات تنظيمية ولائحية فيما بعد، إلا أن تلك المراجعات وذلك التغيير الذي يرغب فيه قطاع عريض من أبناء جماعة الإخوان، يقابل بمعوقات وصعوبات كثيرة ربما أشدها وأقساها غياب قيادة فاعلة تدرك أبعاد الأزمة ومن ثم تقود الجماعة في مواجهة صراع طاحن مع منظومة الانقلاب في مصر.

والمتابع للثورة المصرية وتغيراتها بدقة يدرك أن جماعة الإخوان - برغم ما وجه إليها من ضربات - لازالت تمثل السهم المشدود إلى قوس الثورة، ويراهن عليها كثير من أبناء الوطن لقيادة الثورة المصرية بالمشاركة مع القوى الثورية الأخرى، وإسقاط تلك المنظومة المستبدة التي لا تزال جاثمة على صدر الوطن، إلا أن الأزمة الداخلية للإخوان فرضت واقعًا مغايرًا على المشهد في الآونة الأخيرة، وتسببت في إضعاف واضح لمسار الثورة المصرية.

سيناريوهات الأزمة

نحاول هنا طرح سيناريوهات للأزمة الداخلية للإخوان بهدف التحقق من سلبيات وإيجابيات كل سيناريو على حدة، ومن ثم مدى ملاءمته لواقع جماعة الإخوان وتقاطعها مع المشهد المصري والإقليمي المتأزم، وربما ستكون أول الصعوبات التي يمكن أن تواجهنا في هكذا حال من التعقيدات والتداخلات هو بناء السيناريوهات استنادًا إلى فلسفة محددة عن جوهر الأزمة، حيث إن طرح سيناريوهات الأزمة اعتمادًا على فلسفة فاعلية وشرعية القيادة الحالية كجوهر للأزمة ربما يكون مختلفًا بدرجة ليست بالقليلة عن طرح سيناريوهات اعتمادًا على فلسفة الرؤية الفكرية والاستراتيجية كجوهر للأزمة.

في حين يبدو واضحًا عدم تبلور شكل التغيير داخل الجماعة، ويدلل على ذلك كثرة العناوين المتعلقة بالتغيير سواء كانت متعلقة بالقيادة أو الجانب التنظيمي واللائحي أو جانب الرؤية والاستراتيجية أو الجانب الفكري والشرعي، ومع خلو أغلبها لمحتوى حقيقي عن شكل ونمط التغيير المنشود، مما يجعل من الأجدى في هذه الورقة طرح سيناريوهات الأزمة ارتكازًا على فلسفة الرؤية الفكرية والاستراتيجية كجوهر للأزمة الداخلية.

صراع بين منهجيتين

يمكننا أن نحصر الخلاف بين طرفي الأزمة داخل الإخوان في شكل منهجيتين لإدارة الصراع مع منظومة الانقلاب، الأولى ترى أن أولوية الجماعة في الوقت الحالي هي الحفاظ على جسد التنظيم الذي تلقى ضربات قاسية والعودة إلى منهج الجماعة في السنوات التي سبقت الثورة من حيث العمل الدعوي والإصلاح المتدرج، في حين أن الطرف الثاني يرى بوجوب إجراء مراجعات على المستوى الفكري والاستراتيجي والإداري، معتقدًا أن الأمة تشهد حالة حراك يجب أن تستثمر في صالح القضاء على الأنظمة المستبدة من خلال مسارات تكون نتاج تلك المراجعات، ولا شك أن اختلاف بين أصل المنهجيتين ليس بالهين، وربما كانت نظرة مبدئية إلى مآلات كل منهجية تشير إلى حجم الاختلاف بينهما وعمق الأزمة.

وفي حال انتصار منهجية على الأخرى وهو ما يعني تنازل أحد الطرفين عن منهجيته لصالح الطرف الآخر، سيكون هناك احتمالين:

انتصار الطرف الذي يتبنى منهجية المراجعات عن طريق بلورة رؤية واضحة لإدارة الصراع مع منظومة الانقلاب وإقناع شريحة كبيرة داخل الإخوان بتلك الرؤية، وفي ظل إخفاق الطرف الذي يتبنى منهجية الحفاظ على التنظيم في إقناع شريحة مماثلة داخل الإخوان برؤيته.

  • إيجابيات

الحفاظ على شريحة ضخمة من شباب الإخوان داخل التنظيم وهو ما يعني تماسك الجماعة واستمرار فاعليتها على المدى القريب.

  • سلبيات

على المدى البعيد ستكون الجماعة مهددة بشكل حقيقي ما لم تمتلك معرفة دقيقة بمآلات وتداعيات هكذا رؤية على وجود الجماعة في مصر والأقطار الأخرى وكيفية التعاطي مع حجم التحديات المحتملة.

انتصار الطرف الذي يتبنى منهجية الحفاظ على التنظيم عن طريق إقناع شريحة كبيرة داخل الإخوان برؤيته، وفي ظل فشل الطرف الذي يتبنى منهجية المراجعات في بلورة رؤية واضحة لإدارة الصراع مع منظومة الانقلاب.

  • إيجابيات

حفاظ الجماعة على المكتسبات التي حققتها خلال السنوات الماضية في الأقطار الخارجية وعدم الدخول في مساحات اختلاف مع سياسات تلك الأقطار.

  • سلبيات

حدوث عدة انشقاقات داخل جسد الجماعة في حين ستستمر الجماعة على المدى البعيد كتنظيم لكن دون وجود فاعلية.

حل وسط

ربما تكون الحلول الوسط لها حضورها الفعال في الخلافات الإدارية والتنظيمية إلا أن الخلافات عندما تتعلق بالفكر والرؤية يصبح من الصعب أن يكون للحلول الوسط دور يذكر، لكن بفرض الوصول إلى حل وسط بين الطرفين فهذا يعني أننا أمام تهدئة لن تدوم طويلاً، وربما يكون من إيجابياتها إعطاء مزيدًا من الوقت لإنضاج الأفكار والرؤى، إلا أن هذا النوع من الحلول يؤول غالبًا في النهاية إلى تغليب الطرف الذي سيستطيع امتلاك أكبر قدر من أدوات الإدارة داخل الجماعة وفي المقابل ذوبان الطرف الآخر.

بقاء الأمور كما هي

عدم قدرة الطرفين على إقناع شريحة كبيرة داخل الإخوان برؤية كلا منهما، وربما إدراك حجم تعاطي أعضاء الجماعة مع القيادة بشكل عام، يمثل العامل الأبرز في ترجيح سيناريو بقاء الأمور كما هي، لاسيما أن قطاعًا ليس بالقليل من أعضاء الإخوان أصبح الشعور السائد لديه هو حالة تململ بشكل عام من أطراف الأزمة الداخلية وربما يكون الإخفاق في إدارة الصراع مع منظومة الانقلاب وتعثر المسار الثوري هما أبرز الأسباب الدافعة لتولد هكذا شعور عند قطاع كبير داخل الإخوان.

إلا أن ثمة مشهد آخر برز أثناء الأزمة لا يمكن إغفاله في تعميق هذا الشعور وهو حجم الأخطاء القيمية والإدارية المتعددة والتي قد تكون ذات أوزان نسبية مختلفة بين الطرفين، ولكن خطورة هذا الشعور تظل قائمة ولا يمكن تغافلها في إدارة الأزمة بل ربما تكون من الخطورة التي لا يصلح معها أي فعل من أفعال تبييض الصورة الذهنية لدى أي طرف منهم والتي يلزم معها وجود قيادة جديدة ليست محملة بأي إرث من خطايا الماضي البعيد أو القريب على حد سواء، ويحمل هذا السيناريو في طياته عدة احتمالات:

  • انشقاق متزن

بقاء الأمور كما هي في ظل تسارع الأحداث الإقليمية، ربما يدفع الطرفين إلى الإصرار على المضي قدمًا في إجراءات لائحية وتنظيمية بعيدًا عن إي توافق بينهما وهو ما يعني حدوث انشقاق رسمي متزن داخل جماعة الإخوان، ووصف الانشقاق هنا بالمتزن يعود إلى استناده إلى إجراءات لائحية وتنظيمية تخص جماعة الإخوان، وربما يكون من إيجابيات هذا الاحتمال الخروج من دائرة الصراع بين طرفي الأزمة والوصول إلى أدوار تكميلية بين الطرفين دون وجود تنسيق بينهما، ويمكن حصر سلبيات هذا الاحتمال في:

اهتزاز الصورة الذهنية للجماعة لدى جمهورها ومحبيها الذين يرون في الجماعة الملاذ الأخير لحماية الثورة المصرية والوقوف أمام منظومة الانقلاب، ويعتبرون أن انقسامًا داخل جسد الجماعة هو بمثابة رصاصة الرحمة الأخيرة للثورة المصرية.

محاولة استمالة القوى الإقليمية لكل طرف على حدة، وهو ما يعني دخول أزمة الإخوان في حيز الصراع الإقليمي الحالي وما يستتبعه من المردود السلبي على الثورة المصرية.

التأثير على أنشطة المؤسسات الإسلامية القريبة من جماعة الإخوان خارج مصر.   

  • حالات تفكك خارج السيطرة

بقاء الأمور كما هي ربما تدفع أصحاب رايات التغيير المختلفة باتخاذ خطوات الانفصال عن الجماعة وتكوين كيانات صغيرة قائمة على رؤية كل فريق للتغيير المنشود، وربما يكون هذا السيناريو هو الأخطر مقارنة بالسيناريوهات الأخرى حيث سيؤدي إلى حالات تفكك متعددة خارج السيطرة داخل جسد الجماعة.

  • حالة استنزاف

وهي يعني استمرار الأزمة ومعركة البيانات دون التحرك في أي اتجاه لحل الأزمة مع استمرار تعثر المسار الثوري، وهو ما سيكون له تأثيرات سلبية على المستوى القريب:

1- اتساع مساحة فقدان الثقة في قطاع الشباب داخل الجماعة، والذي لا يزال ينتظر تحقيق خطوات ناجحة على المسار الثوري ولا يعول كثيرًا على الأزمة الداخلية ومآلاتها.

2- التأثير على شبكة العلاقات بين أفراد الجماعة مما يجعل ترميمها من الصعوبة بمكان فيما بعد.

خلاصات

بات من الصعب التغاضي عن تيار جارف داخل الإخوان يرى بوجوب إجراء مراجعات ينتج عنها رؤى واستراتيجيات تنعكس على طريقة إدارة الصراع مع منظومة الانقلاب، وتمتد إلى إصلاحات تتعلق بنظم ولوائح الجماعة وتنتهي إلى تطوير آليات المحاسبة والمراقبة، بحيث تنتقل الجماعة إلى طور يتناسب مع واقع يختلف عن السياق الزمني لتأسيس الجماعة منذ ما يقرب من قرن مضى، وهو ما يجب أن تتعامل معه القيادات التاريخية للإخوان بحنكة تقدر خطورة الموقف ودقة الحدث، وقدرة استيعابية لمحاولات الإصلاح والتغيير الداخلي، تستطيع من خلالها المرور بالجماعة من أزمة داخلية عميقة إلى تأسيس جديد يحافظ على وحدتها ولا ينقض أي جزء من مكوناتها ويعيد إليها الحيوية اللازمة لجسد قارب عمره أن يتجاوز المائة عام، وإلا فإن اعتبار الحفاظ على التنظيم هو واجب الوقت والمعركة المقدسة، والتغافل عن تفاعلات وتغيرات داخل الجماعة لاتزال حاضرة وبقوة، ربما يكون نتاجه تفتت تماسك هذا التنظيم وتحوله إلى جماعات صغيرة متشظية تتلاعب بها الأطراف الإقليمية.

 وعلى الوجهة الأخرى فعلى من لا يزال متمسكًا بالمراجعات والإصلاح الداخلي أن يدرك مدى أهمية  بلورة رؤية فكرية واستراتيجية وإقناع قطاع عريض من أعضاء الجماعة بتلك الرؤية،  قبل الانجرار والتسرع إلى إجراءات تنظيمية ولائحية ستفقده الكثير من مقومات نجاحه وتأثيره داخل الجماعة وربما تقحمه في متاهات الاستقطاب الحاد بين أعضاء الجماعة.

يصبح لزامًا على من يدرك طبيعة المرحلة في هكذا توقيت بالغ الحساسية ويشعر بوطأة الأزمة، أن يكون معنيًا بالبحث عن حلول ناجعة، لعلها تستطيع أن تعبر الأزمة بما يحقق الصالح لجماعة الإخوان والثورة المصرية على حد سواء، وتدفع بجرعة أمل في عروق أبناء الجماعة التي باتت في أمس الحاجة إليها، وإلا فإن المعركة ستنتقل بالكلية من جبهة مواجهة منظومة الانقلاب المستبدة إلى جبهة أخرى ستكون المواجهة فيها داخلية بامتياز، تستهلك فيها طاقات أبناء الجماعة في معركة ستطول وستزداد شراستها يومًا بعد يوم، لتصبح المعركة الأصل مع منظومة الانقلاب في عداد ذكريات ثورة قد انتهت.