ربما كان من بين أهم الانتقادات التي تُوجَّه إلى الشعوب العربية والمسلمة، هو سمتها العاطفي والانطباعي، ويعتبرها بعض علماء التاريخ والاجتماع السياسي، أحد أهم العوامل التي شكلت إطار الصعود والهبوط الحضاري للأمة بالكامل، منذ بعثة الرسول الكريم - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، وحتى الآن.

ففي مراحل تاريخية عديدة، حقق المسلمون انتصارات عظيمة على خصوم حضاريين كانوا من أقوى الأمم التي ظهرت عبر التاريخ، مثل الدولة الرومانية، لاعتبارات وبواعث لا علاقة لها بأية حسابات أو أمور سياسية موضوعية، تقف على أسس المنطق السياسي المتعارف عليه، والقواعد المجردة التي تحكم قرارات الحرب والسِّلم.

ولعل أشهر الأمثلة على ذلك، موقف الخليفة العباسي المعتصم بالله، الذي حكم في الفترة من العام 833م وحتى العام 842م، وجرَّد جيشًا لفتح "عمورية" مسقط رأس والد الإمبراطور البيزنطي تيوفيل، وأهم مدن آسيا الصغرى التي كانت تتبع الدولة البيزنطية في ذلك الحين (تضم تركيا في الوقت الراهن)، بعد واقعة الاستنجاد الشهيرة من امرأة هاشمية مسلمة، تعرضت لموقف مؤسف خلال أسرها في سجون البيزنطيين.

المهم في هذه القصة هو ما تبقى منها، أي ما وصلنا منها عبر التاريخ في صدد مسببات هذه الغزوة الموفقة، والتي كان لها نتائج سياسية كبيرة، وضعتها في خانة أحد أهم المحطات الزمنية التي مر بها الصراع الحضاري والديني بين الدولة الإسلامية وإمارات وممالك أوروبا المسيحية التي كانت قد بدأت في الانقسام في ذلك الوقت.

ما تبقى من رواية الحرب، هي واقعة المرأة المسلمة التي استنجدت بالمعتصم، لكن لا أحد يقف على الاعتبارات الحقيقية التي دفعت المعتصم إلى اختيار عمورية من الأصل هدفًا له، ولا لماذا قام بذلك.

والأهداف والمسببات كذلك كانت مزيجًا عجيبًا للسياسة والعاطفة، ففتح "عمورية" جاء كنتيجة مباشرة لقيام الامبراطور تيوفيل بالإغارة على حدود الدولة الإسلامية، ومهاجمة مدينة "زِبَطْرة"، التي كانت أقرب مدينة إسلامية إلى أراضي الدولة البيزنطية، حيث أحرقها وخرَّبها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها، منتهزًا في ذلك انشغال الخليفة المعتصم في محاربة تمرد بابك الخرمي في خراسان، بعد أن أنشأ دينًا جديدًا، هجينًا بين الإسلام والمجوسية.

إذًا، معركة "عمورية" كانت لها ضرورات، وفرضتها اعتبارات حربية وسياسية، لكن الجانب العاطفي كان في واقعة المرأة الهاشمية، وفي كون "زِبَطْرة" مسقط رأس والدة المعتصم، فاختار "عمورية" للحرب، باعتبارها مسقط رأس والد تيوفيل.

تقود هذه المقدمة إلى طرح نقاش شديد الأهمية في هذه المرحلة التي لم تعرفها الأمة في تاريخها من تراجعات وتفرق في المواقف وصل إلى مستوى الحروب المباشرة، بل والحروب الأهلية داخل البلد الواحد.

يتعلق هذا النقاش بعامل العاطفة في التأريخ للأحداث الكبار التي مرت بها الأمة.

ففي الكثير من الأحيان يميل المؤرخون إلى ربط بعض كبار الحوادث التي مرت بالأمة في تاريخها الطويل، وخصوصًا الانتصارات الكبرى التي تمت على خصوم وأعداء كبار، ببعض الأوقات ذات الأهمية الدينية والوجدانية للمسلمين.

وعلى رأس هذه الأوقات، ليلة الإسراء والمعراج، وشهر رمضان.

وبعد أكثر من 14 قرنًا من الزمان، ترسخت صورة ذهنية معينة لدى جمهور المسلمين، من أن هذه الأوقات، إنما هي أوقات الانتصارات، باعتبار أنها أوقات نفحات ربانية، تكون دافعًا ومعينًا مهمًّا للمسلمين في حروبهم وغزواتهم.

وبالفعل؛ شهد شهر رمضان عبر تاريخ المسلمين، العديد من الانتصارات التي كانت مفصلية في تاريخ الأمة بالكامل، وربما أعادت رسم خريطة العالم القديم السياسية والجغرافية، مثل معركة ملاذ كرد مع الروم، وفتح قبرص وفتح البوسنة، وغيرها.

كما أنه، وفي حقيقة هذه الأمر؛ فإن بعض الرموز التاريخية التي مرت على الأمة، وصنعت تاريخها، حرصت عمدًا على تكريس هذه الصورة الذهنية.

فيُقال إن صلاح الدين الأيوبي أخَّر دخوله إلى مدينة القدس بعد أن استردها من الصليبيين، بضعة أيام، حتى يدخلها ليلة ذكرى الإسراء والمعراج، ليلة السادس والعشرين إلى السابع والعشرين من رجب عام 583هـ، مساء الثاني من أكتوبر من العام 1187م، وهي مناسبة لها ارتباطها الوثيق بمدينة القدس الشريف.

ولكن السؤال المهم هو: هل كل انتصارات المسلمين وقعت في هذه الأوقات، وبالذات في شهر رمضان؟

وسؤال ثانٍ، وهو منبثق عنه: هل يُشترط أن يكون شهر رمضان لكي نحقق انتصارات؟! هل فعلاً شهر رمضان حافز في دعم حِراك المسلمين السياسي والحربي، وكذا؟!

إن تأكيد هذه المقولة أو نفيها مهم للغاية في إطار مهمة أكثر أهمية، وهي تفكيك وإعادة صياغة مقولات أساسية وقرت في وجدان جماعة المسلمين، وترسخت عبر التاريخ، وقادت إلى ركود حراك الأمة لتعلقها بمناسبات وتوقيتات وتراث معين.

بداية؛ حقق المسلمون في غير رمضان، وفي غير الإسراء والمعراج، انتصارات عظيمة، وفتوحات لا تزال للآن ترسم حدود الأمة العربية والإسلامية.

ففتح بلاد الشام والعراق وفارس ومصر وشمال إفريقيا، كانت في غير شهر رمضان، ولم تكن مرتبطة بتوقيت زمني معين له أهميته عند المسلمين.

وحتى في غزوات الرسول الكريم - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، لم تكن كلها في شهر رمضان، وحتى فيما يتعلق بأهمية غزوة بدر الكبرى؛ فإن هناك غزاوت أخرى، توازيها في الأهمية، مثل غزوتَيْ مؤتة وتبوك، بل إن غزوات بني قينقاع وبني النضير وبني قريضة والأحزاب، أكثر أهمية بكثير من غزوة بدر، حيث إنها هي التي رسخت دولة المسلمين الأولى في المدينة المنورة.

كما أنه ثمَّة خطأ تاريخي يقع فيه الكثيرون، وهو أن غزوتا بدر الأولى وبدر الكبرى، كانت هي أولى غزوات الرسول الكريم - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، وبالتالي، فقد كان الانتصار فيها له أهميته الكبرى.

فأولاً سبق الغزوتَيْن، ثلاث غزوات، وكلها في السنة الثانية للهجرة، الأولى هي غزوة الأبواء ووقعت في وادي ودان، والثانية غزوة بواط في منطقة بواط، ثم غزوة العشيرة في منطقة تحمل ذات الاسم، ثم جاءت غزوة بدر الأولى ووقعت في وادي سفوان.

ولو وضعنا "فتح مكة" في السنة الثامنة للهجرة، كغزوة - بعض المؤرخين يصنفونها ضمن غزوات الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلم -، وعددها 29 - فإن أهميتها لا يمكن بحال من الأحوال إلا أن نقول إنها كانت أهم غزواته - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -.

ننطلق من الفترتَيْن التاريخيتَيْن اللتين أشرنا إليهم في المواضع السابقة: فترات الفتوح الكبرى في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، من بلاد فارس، وحتى مصر، وفترة غزوات النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -.

هاتان الفترتان كانتا أهم فترات تأسيس خارطة العالم الإسلامي الجيوسياسية الحالية، ولو وسعنا المدى الزمني للأمام قليلاً، ضمن قرون الخيرية التي نص عليها حديث الرسول الكريم - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: "خير القرون القرن الذي بُعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحَيْن]؛ فإننا سوف نجد أن هذه القرون التي تمتد إلى فترة هارون الرشيد في الدولة العباسية الأولى، قد اشتملت على توسعات لدولة الخلافة الإسلامية، هي بالضبط ما يعرف الآن بالعالم العربي والشرق الأوسط الكبير، الذي تدور حوله مختلف الصراعات والحروب الكبرى التي تستهدف أمتنا، بما في ذلك آسيا الوسطى وجنوب آسيا وباكستان.

قادة الأمة في ذلك، كانوا - كما يقول الحديث الصحيح السالف الذكر - على قدر كبير من الدراية بأمور الدين، وكانت سياساتهم في أوقات السلم والحرب، لا تقف عند الأمور التي تكرست في عهد السلفيين المتأخرين بعد ذلك، والتي مال فيها العلماء - في الغالب - إلى تزكية الحاكم باعتباره هو ظل الدولة والخلافة.

في تلك المراحل المتأخرة من تاريخ الأمة، كانت أساليب "البروباجندا" والدعاية السياسية شائعة، وحتى الملوك العِظام الذين يحسب لهم التاريخ الإسلامي ما قاموا به من جليل الأعمال، مثل المعتصم نفسه، كانوا يميلون إلى زخرف القول والعمران لإبراز إنجازاتهم هذه.

ومن بين الوقائع التي تروى عن المعتصم، أنه لما دخل "عمورية" بحث عن المرأة الهاشمية التي استغاثت به، فلما حضرت قال لها: هل أجابك المعتصم، قالت: نعم، والعهدة على الراوي.

ونفس المنحى نحاه سيف الدولة الحمداني، وكثير من أمراء المماليك فيما بعد.

أسس هذا الشكل من "البروباجندا" بمعايير عصره، للكثير من الأمور التي ترسخت في نفوس المسلمين في القرون التي تلت ذلك.

ومن يقرأ رسائل السلاطين العثمانيين إلى خصومهم في أوروبا؛ سوف يجد العجب في ذلك، حيث الديباجات التي تصف السلطان قبل ذكر اسمه، كانت تستغرق أكثر من نصف الرسالة، حاملة من الأوصاف التي فيها الكثير من الدعاية السياسية.

ومنها رسالة السلطان سليمان القانوني، إلى فرنسيس ملك فرنسا؛ حيث ورد في ديباجيتها:

"أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين، أنا متوج الملوك ظلّ الله في الأرضين، أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر والأناضول والروملّي وقرمان الروم، وولاية ذي القدرية، وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم والشام ومصر ومكة والمدينة والقدس وجميع ديار العرب والعجم وبلاد المجر والقيصر وبلاد أخرى كثيرة افتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر ولله الحمد والله أكبر.

أنا السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد.

إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا".

ومن ضمن ذلك، كان حرص الكثير من هؤلاء الملوك، على أن تتزامن أعمالهم وحروبهم وقراراتهم الكبرى، مع مواقف لها عظيم الشأن لدى المسلمين، لتكريسها في وجدان الرعية، وهو ما لم يكن قائمًا لدى خلفاء القرون الأولى، التي كانت الاعتبارات السياسية والحقائق المجردة، هي المحرك الأولى لهم، وما كان يقع منهم من أعمال تتزامن مع رمضان، أو غيره من المناسبات، كانت الصدفة القدرية فحسب؛ هي التي تفرضه.

إن أمام الجيل الحالي من العلماء والمفكرين ممن يسعون إلى إعادة تنوير هذه الأمة، مهمة شاقة، وهي كسر الكثير من هذه الأمور التي ترسَّخت في عقول وضمائر المسلمين، بحيث صار العمل فقط في المناسبات، والجهاد فقط يكون في رمضان، والإنجاز فقط يكون ليلة النصف من شهر شعبان، لكي تُرفع قائمة الأعمال وفي خاتمتها، الأعمال الحسنة الصالحة!

هذا بينما حال المسلم كله جهاد ودعوة في الدنيا، منذ أن يولد وحتى مماته!