مات الإسلام السياسي وعاش الإسلام الديمقراطي!

هكذا أوجز القيادي النهضوي سيد الفرجاني وهو يحتسي القهوة مع أحد الباحثين الغربيين كما نقلت النيويورك تايمز في تقريرها عن دوي فصل حركة النهضة للنشاط الدعوي عن الحزبي بل وابتلاع الحزب للدعوة، فصار دعاة النهضة التاريخيين رموزًا سياسية رغم سنوات عمرهم التي قضوها في الدعوة والفكر الإسلامي "الإصلاحي".

وكما أدلى زعيمها الشيخ راشد الغنوشي، لجريدة "لوموند" الفرنسية، حينما أكد أنهم في حركة النهضة، لا يرون أنفسهم قادمين، أي بعد مؤتمرهم ذاك، ضمن فصائل الإسلام السياسي، بل هم خارجون منه، وهم حزب مدني يطمح إلى صياغة ديموقراطية مسلمة له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية، كما أكد الغنوشي أن خطوة الحزب لا تشير إلى التحول من الإسلام إلى العلمنة، بقدر ما كان انتقالاً من نوع آخر، فهو تطور طبيعي عرفته كل ظاهرة حضارية، إذ تتطور من العام إلى الخاص، من الشمولية إلى التفرغ والتخصص داخل الدائرة نفسها، فشمولية الفكرة الإسلامية لا تقتضي ضرورة شمولية كل تنظيم يعمل على تمثيلها وتجسيدها في الواقع.

بديهي أن يُحدِث هذا التحول "المفاجئ" - رغم أن إرهاصاته بدأت منذ 2011 - صدى واسعًا تخطى حدود تونس الخضراء ليصل إلى بقاع العالم، وتلقف المتابعون الأحداث كل حسب غايته وفهمه؛ فهناك من رأى التحول علمنه كاملة وتطبيع مجاني مع خصوم الحركة - قد يراهم البعض خصومًا للإسلام ذاته! -، وبعض خصوم الحركة يرونها تكتيكًا مرحليًا وخدعة مفاهيمية براغماتية  فقط لتخدير المجتمع الحداثي العصري والقيم البورقيبية، نتيجة فشل سياسات ما سمى "الإسلام السياسي" في دول الربيع العربى وخصوصًا مقر التنظيم الأم "مصر"، والآخرون رأوها فصلاً إجرائيًا ووظيفيًا مع الاعتقاد بشمول الإسلام (الغاية) الذي لا يستلزم شمول الحركة (الوسيلة) وهذا الشمول الأغر من الظلم تحميله كاملًا لحركة بشرية اجتهادية خوفًا من تماهي التطبيق البشري مع عصمة الرسالة ذاتها، فمنطق الدعوة هو الاكتساب، ومنطق السياسة هو المغالبة، فغاية الدعوة كسب الخصم، وغاية السياسة غلبة الخصم، والجمع بين المنطقين يضر بكل منهما، وتعقيد المجتمعات المعاصرة يحتاج حلولاً معقدة، من ضمنها الفصل بين الوظائف الاجتماعية المختلفة، كما يأتي في سياق سعي تلك الحركات للتكيف مع تحديات اللحظة الراهنة، وتجنيب جسم الدعوة الأكبر تبعات التضييق والملاحقة والقمع، مع ممارستها للعمل السياسي كأحزاب مستقلة وفق ما تسمح به قواعد اللعبة الديمقراطية في ظل موازين القوى السائدة والنافذة، كما يرى الأكاديمي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي.

وقد أشرنا سابقًا في مقال نشر بنفس الموقع أن المقصود بالتمييز الواضح بين الدعوي والحزبي هو التمييز العملي التنظيمي التخصصي وليس على أساس علمي أو عقائدي أو فكري، فليس لمؤمن أن يعتقد أن السياسة ليس لها علاقة بالدين لكن الذي نقوله إن السياسي مهما ابتعد عن المجال الدعوي يجب أن يعتقد أن السياسة من الدين ويجب على الداعية أيضًا أن يوجه الناس في الأمور ذات الشأن العام، والذي نعنيه بالتخصص أن يكون هناك مَن تفرغ لآليات السياسة: الانتخابات، وقيادة الحزب، والدخول في الصراع السياسي.

فالذي نقصده هو الفصل الوظيفي، فالعمل السياسي يتجه بالأساس إلى فروض الكفاية والعمل الدعوي يركز على فرض العين وفرض العين يلزم الجميع، لكن الدعوي يشرحها ويركز عليها ويربي الناس عليها، والسياسي يضع الحلول لإقامة فروض الكفايات لكن في النهاية لا بد للجميع من مرجعية واحدة هي مرجعية الإسلام.

ولا يتصور أن يكون للحركة أذرع سياسية أو حزبية أو اقتصادية أو غيرها بل يجب الفصل التام بين العمل الدعوي والتربوي كدور مجتمعي لا يهدف لتولي الحكم وبين العمل الحزبي كدور تنافسي أساسه الوصول للسلطة لتطبيق البرامج والرؤى القابلة لتغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة للشعب.

قضية أخرى ينبغي التأكيد عليها هي أن التمييز ينصب على ما هو دعوي بالأساس وبين ما هو حزبي تنافسي، بمعنى أن الداعية والعالم الشرعي لا يحجر عليهما الخوض في الشأن السياسي أو إبداء رأيهما، لأن هذا هو حق لكل أحد، لكن العمل الحزبي هو شأن تدبيري يدخل في التفاصيل والآليات بشكل مباشر، كما هو أيضًا عمل تنافسي، لكن قبل ذلك ينبغي العمل على ترسيخ الفصل بين الرموز الدعوية والرموز الحزبية فيقع موقع الداعية موقع الدعوة والرأي بعيدًا عن الشأن الحزبي أو التبني السياسي لأطروحات حزبية ما.

يظهر جليًا أن هذا الطرح هو طرح أيدولوجية جديدة يمكن وصفها بـ "ما بعد الإسلامية -، كان الباحث الفرنسي أوليفييه روا أوّل من بشر بـ "ما بعد الإسلام السياسي"، وذلك في كتابه "فشل الإسلام السياسي" الصادر في عام 1992، ويمكننا القول أن أسس هذا الاتجاه تتمثل في:

"لا ترى في الصراع الهوياتي مجالًا للتنافس الحزبي بل تنافس برامج ورؤى وآليات لا مجال فيها لنصرة الدين أو تمكينه، وهي موازنة مقصودة مع الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا الغربية التي تتخذ من القيم الأخلاقية المسيحية إطارًا عامًا لضبط رؤاها، ويرى هذا الاتجاه أن دور الدولة حيادي في القضايا الدينيه فليس من مهام الدولة الحديثة فرض نمط تديني معين على الشعب، بل يؤمن بالمساواة التامة بين المواطنين دون تفرقه في المذهب أو الجنس أو اللون.

كما يثير انتباهنا إلى حسم الحركة قضية مفصلية في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر وهو "أممية أم قُطرية" التنظيمات في العالم الإسلامي إلى فك الارتباط التام مع أي تنظيمات دولية أممية عابرة للقارات بل الإطار الوطني المحلي وأن الحدود ليست تراب ووضع الوطن قبل الحركة حتى لو أدى لتقييد الحركة فالأجدى هو أن يكون التنظيم جزءًا من الدولة الديمقراطية الحديثة لا تنظيم مواز لها أو مضاد لفكرتها التعددية المعاصرة، كما يلاحظ بوضوح أن الخلافة الكلاسكية ليست من أصول العقيدة أو النهضة الإسلامية المأمولة أو حتى غاية كبرى  في أدبيات التحول الجديد بل تعلى من فقة الواقع وفقه الموازنات مقابل فقه المأمول".

يهمنا الإشارة في النهاية أن هذا المخاض العسير لم يتم إخراجه بالشرح الوافي لبلورة هذا الطرح الاجتهادي خصوصًا مع وأد النشاط الدعوي لصالح النشاط الحزبي دون إشارة إلى كيفية تنظيم العمل الوعظي والخيري في مؤسسات المجتمع المدني الأخرى مع تمدد الفكر الراديكالي في بعض المناطق كجبل الشنعاني والقصرين والكاف، فكان من المتصور أن تبقى الحركة كما هي تؤدي دورها الدعوي والتربوي والخيري ضمن قانون الجمعيات بجهود للدعاة الكاريزميين كالغنوشي ومورو والعكروت وغيرهم، ويتم إنشاء حزب سياسي جديد تعددي يمارس الأنشطة التنافسية الحزبية وتقديم الحلول الاقتصادية والاجتماعية للمشكلات اليومية للمواطن التونسى بجهود القادة المنغمسين في الحياة الساسية كالجبالي والجلاصي والعريض وغيرهم.

يبقى من المهم أن يبرهن الحزب أن ما قيل قديمًا عن أن الغنوشى زعيم له حركة لا حركة لديها زعم غير دقيق بتقديم مزيد من الكوادر الشابة والنسائية، وأن التجديد والتطوير والمراجعة أساس العمل البشري الاجتهادي الناجح بعيدًا عن ثقافة الأقطار المجاورة من (المحن المتوالية، المؤامرة الكونية، فقه الاستضعاف) وهو ما لا مجال له في الممارسة التدافعية الحديثة.