لم تحظ الأحزاب الدينية في العراق طيلة تاريخها السياسي بفرصة ذهبية للظهور في المسرح السياسي بقوة كما أتيح لها في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، فقد طغى الإسلام السياسي على ملامح المشهد السياسي من خلال بروز وحضور وتحكم المؤسسات أو الأحزاب أو المرجعيات الدينية في السلطة والثروة، ساعد على ذلك عدة عوامل لعل أهمها التنسيق المبكر وتحالف الكثير من هذه القوى مع إدارة الاحتلال في محطات ما قبل الاحتلال من جهة، وكذلك تراجع وانحسار وشيخوخة معظم الأحزاب الأيدولوجية التقليدية القومية أو اليسارية وعجزها عن تقديم حلول عملية وواقعية لتناقضات المجتمع العراقي من جهة أخرى.

وفي سياق الرغبة العارمة لدى الفرد العراقي وحاجته للتغيير نتيجة وطأة الحروب المتكررة والحصار الخانق من جهة، والشعور المتراكم لدى بعض الشرائح لعقود طويلة بالمظلومية وهيمنة الحزب الواحد كنتيجة مباشرة لليأس والإحباط من جهة أخرى، وجد الملايين من العراقيين أنفسهم مباشرة بعد الاحتلال أمام مشهد جديد في الساحة السياسية، وهو مشهد الإسلام السياسي الذي تولى الحكم، مما دفع الكثيرين في بداية الأمر إلى التعامل والتعاطف مع هذه الظاهرة - كل حسب جذوره - والتفاعل معها على أمل أنها نمط جديد قد يجلب لهم العدالة والازدهار والاستقرار الذي طالما افتقدوه، ومع أن التنوع الطائفي والمذهبي والديني في العراق أمر في غاية التعقيد مقارنة بالمجتمعات الأخرى، فإن هذا التعقيد انسجم تمامًا مع الفلسفة السياسية الجديدة لنظام الحكم والقائمة على أساس المحاصصّة الطائفية والعنصرية.

لقد أدى التدمير المبرمج لمؤسسات الدولة العراقية على يد قوات الاحتلال الأمريكي وحل كافة صمامات الضبط الاجتماعي المتمثلة في الجيش والشرطة ومؤسساتها، إضافة إلى الوهن في عناصر الوحدة الوطنية وعدم تبلور هوية وطنية موحدة، إلى تداعيات كانت أول نتائجها ذلك البركان الهائل الذي أعقب الاحتلال والذي اتخذ من العباءة الدينية غطاءً له وفرخ مئات الأحزاب والمنظمات والمليشيات الدينية، معززًا بعشرات الفضائيات ذات التمويل الخارجي لترسيخ صورة عهد جديد أرخى ظلاله على العراق فأنتج مزيجًا وخليطًا عجيبًا بين أحزاب دينية موغلة في القدم والغيبية مؤطرة مبرقعة بادعاءات وشعارات غربية ليبرالية، وغالبًا ما تتيح الظاهرة السياسية الدينية هامشًا كبيرًا من السماحات والذرائعيات غير المحدودة (Tolerance) تندرج بين حدود الترويج والتعامل والتعاون مع المحتل الكافر إلى حدود التطرف في كل شيء، ليس فقط ضد المحتل وإنما تمتد إلى تكفير واستهداف أبناء الوطن وتوغل أحيانًا إلى داخل الطائفة أو المذهب ذاته.

لذا فإن هذه الظاهرة حملت منذ البداية جذور تدميرها الذاتي من خلال تناقضاتها، سواء عبر اعتماد معظم برامجها السياسية على أساس الطائفة والمذهب، أو عبر اعتمادها وسيلتي التعاون مع المحتل أو التطرف المذهبي طريقًا لها في تكريس حقبتها السياسية الجديدة في العراق، أضف إلى ذلك امتداد جذور معظم خيوط هذه القوى خارج حدود العراق، وأخيرًا فشلها في تقديم أية رؤى سياسية واقعية لشكل الدولة نظرًا لتناقض خلفياتها الأيدولوجية والعقائدية الغيبية التي تصل في بعض الأحيان إلى حدود الأساطير والخرافات البعيدة كل البعد عن الإسلام الحقيقي وجوهره السامي.

وبالحديث حول طبيعة الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي في العراق، وتاريخ نشأتها، يمكن معرفة أسباب فشلها الذي قاد العراق إلى انحدار شامل على كافة المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

فقد تدرجت هذه الأحزاب من حالة الحظر إلى موقع السلطة بفعل الفراغ السياسي الذي خلفه الاحتلال، وبإسناد من قوى إقليمية التي ترعرعت في كنفها ليكشف عصر سلطتها الراهن، عن طبيعتها الاستعصائية في التصدّي لمهام الواجب الوطني، فهي لم تنشأ وفق حاجة شرائح مجتمعية وجدت في الأحزاب الدينية وبرامجها معبرًا طبقيًا وسياسيًا حاملاً لتطلعاتها الاقتصادية والوطنية، إنما تسلّطت بفعل الأمر الواقع المتسم بالانهيار المجتمعي الشامل، مستندة إلى حالة اجتماعية مستحدثة، قوامها طبقة طفيفة من المستفيدين من مميّزات السلطة، ونهب المال العام الذي وصل إلى مستويات قياسية.

انعكاس نتاجات فشل الإسلام السياسي بعد أربعة عشر عامًا من السلطة، بدا واضحًا في الوعي الشعبي العام، بتعبيره عن ميل كبير للفكاك من حكم الأحزاب الدينية، في التظاهرات الشعبية التي لا تزال تشهدها البلاد منذ العام 2011، حيث اختلطت الهموم المعيشية والوطنية بالسياسية، وأنتجت تعبيرات هتف بها الشارع العراقي تربط بشكل عفوي، الفشل الاقتصادي والأمني بالطبيعة الدينية للأحزاب الحاكمة، التي لا تمتلك سوى الخطاب الطائفي والغيبي، لتغطية فشلها وفسادها وتبعيتها.