ما إن انتهت معركة الفلوجة والتي حسمتها القوات العراقية المدعومة بمليشيات الحشد الشعبي وبغطاء جوي أمريكي، حتى اتجهت الأنظار إلى مدينة الموصل، والتي ستكون معركة تحريرها "المعركة المفصلية" في الحرب ضد تنظيم داعش في العراق.

ولأن هذه المعركة ستحدّد بشكل كبير مستقبل العراق وطبيعة النفوذ الإقليمي والدولي داخله، فقد اشتعلت خلافات حادّة بين الكتل السياسية العراقية حول مشاركة مليشيات الحشد الشعبي من عدمها، بالإضافة إلى بروز قطبان متنافسان على دور في المعركة بين واشنطن وطهران.

فتجربة عملية تحرير الفلوجة التي رافقتها انتهاكات ليست بالقليلة، دفعت تحالف القوى العراقية - الذي يمثل التكتلات السُنية - إلى رفض إعلان رئيس الوزراء حيدرالعبادي عزمه إشراك مليشيات الحشد الشعبي الشيعية في معركة الموصل المرتقبة، وأكد التحالف أن إشراك الحشد سيضفي طابعًا طائفيًا على المعركة، فيما شدّد على ضرورة أن يتحمل أبناء المحافظة الجهد الرئيس في العملية بالمشاركة مع الجيش وقوات البيشمركة الكردية والتحالف الدولي، من خلال فتح المجال أمام أبنائها للتطوع ودعمهم بالسلاح والتجهيزات المطلوبة لأداء واجبهم الوطني في معركة التحرير.

كتلة الأحرار التي يتزعمها القيادي الشيعي مقتدى الصدر اعتبرت أي رفض لمشاركة الحشد الشعبي في المعركة "تواطؤ مع داعش"، فيما أشار القيادي في الحشد كريم النوري، إلى أن قوات الحشد لن تنتظر ترخيصًا من أحد للمشاركة بتحرير الموصل، لافتًا إلى أن المدينة لن تتحرر بدون مشاركتهم.

هذا الرفض والإصرار لن يغيّر بطبيعة الحال شيئًا على أرض الواقع ، فالجميع يعلم أن قرار المعركة هو قرار دولي، لا يملك حتى رئيس الوزراء حيدر العبادي تحديد من سيشارك فيها ومَن لا يشارك، هذا الأمر ستحدّده الأقطاب المتنافسة: أمريكا وإيران وربما تركيا بتأثير أقل.

صراع نفوذ

واشنطن كشفت رسميًا عن نيتها المشاركة بشكل أكبر في قتال داعش بالموصل، إذ أعلن وزير الدفاع الأمريكي آشتورن كارتر عزم بلاده إرسال 560 جنديًا إضافيًا ليرتفع عدد الجنود والخبراء الأمريكيين المتواجدين في العراق إلى 4600، فضلًا عن إنشاء مركز قيادة وتحكّم في قاعدة القيارة الجوية التي استعادتها القوات العراقية حديثًا من داعش.

وتعتبر قاعدة القيارة 60 كلم جنوب الموصل أكبر القواعد العسكرية الاستراتيجية، فهي تعد مكانًا استراتيجيًا في الحرب على داعش بمناطق شمال محافظة صلاح الدين وصولاً لمدينة الموصل، نظرًا لما تمتلكه من موقع استراتيجي وطبيعة الدور الذي تؤديه، وتقع قاعدة القيارة (قاعدة صدام الجوية سابقًا) على بعد 16 كم غرب مدينة القيارة بمحافظة نينوى وعلى بعد 60 كم جنوب الموصل 330 كم شمال بغداد، وقرب الطريق الرابط بين مدينة الموصل والعاصمة بغداد.

الغرض الأمريكي من هذه الزيادة وتواجد جنودها في قاعدة القيارة فور تحريرها يهدف إلى منع إيران من نشر "مستشاريها" العسكريين في مواقع ذات أهمية استراتيجية، خاصة وأن هذه القاعدة التي تعتبر منطقة "قطع" بين الامتدادات الجغرافية القادمة من إيران وصولاً إلى الشمال الغربي في العراق حيث التماس مع سوريا وقوات حزب الله هناك.

كما أن حرص الإدارة الأمريكية على التواجد في هذه القاعدة ذات الموقع الاستراتيجي الذي يمثّل مكانًا مثاليًا في تقاطعات القوى الحليفة لها من أكراد وعشائر في الحشد الوطني (السني) ومن الجيش العراقي، يأتي ضمن عملية "إعادة صياغة" لتواجد عسكري أمريكي وصفه محللون بـ "الذكي والمركّز" لاعتماده على أعداد قليلة من نخب القوات بدل التعويل على أعداد كبيرة تكون أكثر عرضة للمخاطر، ونشرهم في مواقع استراتيجية تسهّل عملهم في المستقبل.

التسريع الأمريكي بالعودة إلى العراق ونشر المزيد من الجنود في قواعد استراتيجية، يدلل أيضًا على مدى قلق الإدارة الأمريكية من تنامي الوجود العسكري الإيراني، سواء بشكل مباشر عن طريق مستشارين عسكريين إيرانيين، أو بالوكالة عن طريق الميليشيات الشيعية المشكّلة للحشد الشعبي التي باتت سطوتها تفوق سطوة القوات النظامية، لذلك واشنطن اليوم تفعل كل ما بوسعها لتحجيم هذا التواجد، من أجل ضمان حصة كبيرة لها من كعكة العراق ومنع الاستئثار الإيراني الكامل بها، خصوصًا وأن رغبة طهران في تحويل نفوذها السياسي في العراق إلى سيطرة ميدانية فعلية في مرحلة عراق ما بعد داعش، باتت واضحة للجميع.

إذن، يبقى المهم في معركة تحرير الموصل، ليس الحرب في حدّ ذاتها، ولكن ما ستؤول إليه وما ستفرزه من أوضاع جديدة تؤثر في مستقبل العراق، والتي تسعى واشنطن وطهران إلى استثمارها بما يخدم مصالحهما سواء بشكل منفرد أو ربما بالتقاسم.