هي عبارة استعملها رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي في سياق تحليله للتنظيمات التي تستخدم العنف المسلح والتي تتحرّك، فيما ينطق به خطابها، على أرض إسلامية عقيدة وفكرًا.

مثقفون ومحللون وإعلاميون وسياسيون التقطوا هذه العبارة وحوّلوها إلى ذخيرة للقصف النقدي على الرجل، استهدافًا لرمزيته الوطنية والدولية ولحركة النهضة ورصيدها الاعتباري، استهداف يروم الاغتيال الإعلامي للأستاذ راشد الغنوشي والتشويه السياسي للحركة التي أسسها، أسلوب يستعيد معه الذهن ذلك الخطاب المشحون بتضخم الحقد الأيديولوجي الذي رافق سياسة القمع التي مارسها بن علي ضد الحركة في تسعينات القرن الماضي، رموز ذلك الشحن (الفتنة) هم أنفسهم الذين ينفخون اليوم في جمر ينطفئ.  

الأستاذ راشد الغنوشي أَسّسَ هذه الحركة في أرض لا يقوى على العيش فيها إلا الشوك والأنبياء، أرض جُرّد فيها الشعب التونسي المسكين الصبور من كل وشاح قيمي تحلّى به عبر القرون، شعب تركه الاستعمار للعراء الثقافي، وتركته دولته الوطنية للعراء القيمي فلم يجد من الكساء الفكري ما يواري به سوءته الثقافية ولا ما يقيه لفح المفاهيم الجافة من ماء القيم، شعب اغتال الاستعمار كل مستودعاته وأفرغه من أرصدته الأخلاقية من رجال ونساء أفذاذ.

في هذا الطقس الثقافي القاسي أَسّسَ راشد الغنوشي حركة النهضة وقطع بها صحراء شاسعة امتدت سنوات طويلة اجتمع فيها عليه بأسان: التجريف الفكري معاداة لقيم الإنسانية، دعك من الإسلامية، والقمع السياسي، كل سياقات النشأة وكل مراحل المِحنة كانت تقول إنّ مآل الأستاذ راشد وحركته هو الجنوح نحو التشدد، لكن الترشّد الذاتي لحركة النهضة وكل قياداتها، يتقدّمهم مؤسسها، حافظ على الوسط، لم تكن المهمة فيما مضى سهلة، وهي الآن أصعب، فتوالي الهجمات على السيد رئيس الحركة والاعتداء على  تصريحاته بالتأويل الذي يريد الفتنة يغذي الانحراف عن الاعتدال.

أن يظل رئيس حركة مسجونًا ثم منفيًا ومهجّرًا لعقود، وأن يظلّ أصدقاؤه المناضلون بين السجون والمراقبة الإدارية والحرمان من حقوق المواطنة حتى قطع النسل، وألا يخرجوا من السجن إلا ليعودوا إليه المرة تلو الأخرى، كلها عوامل تغذي نَفَسَ الخروج عن النظام، أي نظام، ومع ذلك لم يشذ الأستاذ راشد عن النظام، بما هو اعتدال في التقدير واتزان في التفكير، ولو قيد أنملة، رئيس الحركة يخطئ، شأنه جميع المفكرين والسياسيين والنَّاس، ولكنه لا يجرم، والفرق كبير، ومن غير الوجيه أن نحمل عليه الامتناع عن التكفير لمن ثبت نطقه بالشهادة، وإذا كان هناك من يجوّز لنفسه تكفير الناس مدنيًا بأن ينفي عنهم الإيمان بقيم المدنية والاعتراف بالحقوق الكونية كما لو كانت دينًا مقدسًا، فإن رئيس الحركة لا ينفذ إلى أفئدة الناس ليحول بينهم وقلوبهم.

حسب تقارير مطلعة، تُعدّ تونس أول بلد منتج ومصدّر للمتطرفين، معطى صادم يضرب كل دعاوى الحداثيين في مقتل من أن تونس تفخر بتعليمها وثقافتها، هؤلاء الشباب المندفع نحو محارق القتل والتدمير هم الأبناء الشرعيون لسياسة تعليمية جعلت من اغتيال المعاني، يتقدمها الديني، هدفًا لها.

الغنوشي مؤسس حركة النهضة

الإسلام الغاضب في تونس وخارجها صناعة الحاكم العربي ورهبانه المرجع ممثلين في رجال العلم والثقافة ذوي النفس المعادي للذات، شباب الإسلام الغاضب هم من الباحثين عن معنى ضائع، معنى تاه في دروب الحروف الميتة للتعليم وفي كتب العدمية الخاوية، هؤلاء لا يختلفون عمّن يبحث عن المعنى في المخدرات والجنس والخمر والمثلية ...، كلهم سواء في افتقاد القيمة الحقيقية التي خلقنا الله لأجلها: الاستقامة، بما هي طمأنينة في النفس واعتدال في التفكير.

الإسلام الغاضب هو إسلام شباب فاقد للاستواء الإنساني، إعاقة مزمنة خلّفتها ثقافة المدرسة الخاوية واستبداد الدولة الوطنية المغالطة والمضللة.

المضللون والمغالطون في أزمان خلت، أي في الدولة التي كانت تقوم على الحق الإلهي، كانوا رجال الدين، أما اليوم فإن الذين يقومون بهذا الدور هم رجال العلم بالمعنى العام والمباشر للكلمة: علماء وخبراء ومختصون وأكاديميون وصحافيون ...، يجمعهم فك الحرف والجهل بالقيمة، هؤلاء جميعًا يسميهم المفكر البريطاني Murray Rothbard الرهبان الجدد.

الشعوب تخلصت من سلطة الكنيسة وسطوة رجال الدين بعد أن دفعت ضريبة مرتفعة جدًا في الأرواح والأوقات لتقع تحت تسلط رجال دين جدد: "العلماء "، البعض سيردّ الفعل بفزع غريزي أيديولوجي يقف عند ظاهر اللفظ كما في حال عبارة "الإسلام الغاضب" ليقول لنا: إن قيادات النهضة ضد العلم، إنهم ظلاميون.

مثل هذا العقل القلق سجين فلسفة الحداثة لا يعلم أن العالم الغربي تجاوز نفسه إلى ما بعد ما بعد الحداثة، فالمفكر الأمريكي Paul Feyerabend  يقول إن علينا أن نستكمل الفصل بين الدولة والكنيسة بفصل آخر يبدو ضروريًا وحيويًا: الفصل بين الدولة والعلم، العلم، هذه الديانة الجديدة، ذات العقل الحاسب لا المتأمّل، هي التي تُضلّ كثيرًا من نخبنا.

العلماء اليوم يؤدون نفس الدور الذي كان يؤديه رجال الدين سابقًا، ومثلما كان الدين إطارًا مرجعيًا للاستبداد فإن العلم اليوم كذلك، معالجة اختزالية ضيقة ومبسطة للظواهر، وقصور في تحليل الخطاب وتأويله.

في بَدْءٍ ما للعنف، كانت القاعدة، فلما تمادى عقل العالم في سوء الفهم والقراءة والمعالجة ازداد عقل القاعدة تشنجًا وجنونًا واستحال، كما في أفلام الرعب للمتحوّلين، داعش، في البدء كان بن لادن ثم جاء البغدادي. كل منهما نسخة مؤقتة من الجنون القابل للتطور إلى أن نفهم، العنف يتغذى من العناد ولا يتوقف إلا بالفهم، وحتى يفهم البعض من نخبنا ويحسنوا القراءة ويكفوا عن اغتصاب كلام الناس وتحريفه يبقى التطرّف والغلوّ مشروعًا مستقبليًا ومؤجلاً لا يكتمل، مسار الفظاعة عنده لا يُستشرفُ، فنحن لا نعلم النسخ الأفظع التي يمكن أن يتشكل فيها لاحقًا.

الإسلام الغاضب منتج الرهبان الجدد من وزراء تعليم سابقين ووزراء ثقافة سابقين وزراء شؤون دينية سابقين ووزراء شباب ورياضة سابقين، هؤلاء جميعًا وبدرجات متفاوتة ومن زوايا متعددة ساهموا في نسج خلايا الأرحام التي تخبطت فيها أجنة العنف الأعمى، يقال عن البغدادي وأمثاله إنه تعرّض للاغتصاب في سجون تشرف عليها أرقى ما أنتجت العقلانية الأمريكية في الفلسفة السياسية، نخب من التي لدينا تتمثل قيم تلك المدرسة مسخًا بشعًا، البغدادي وأصحابه وأمثاله خرجوا من السجون بعد أن رأوْا أبناءهم يُقتلون ونساءهم يُغتصبون أمام أعينهم، لقد خرجوا موتى لأنهم تَرَكُوا إنسانيتهم ملقاة هناك قرب جثث ذويهم، فما هو الإسلام الذي تنتظرونه منهم!؟ الإسلام الغاضب رحمة إزاء ما صاروا عليه، فلا تجردوا النهضة وقيادتها من إنسانيتهم وكفاكم ما انتهكتم وأهدرتم من تلك الإنسانية.

نعم هو إسلام غاضب، بل مجنون وغير عقلاني، وإن شئنا بشيء من التجوُّز والمجاز دفعًا للتعبير إلى أقصاه علّه يلامس عمق الحقد ويزن ثقل النقمة لدى الشباب المندفع ضحية تلك الإيديولوجيا، هو إسلام منفلت من كل عقيدة ما عدا القتل والتدمير، إسلام لا دين له سوى الانتقام من طبقات سميكة من الظلم العالمي والمحلي، ظلم يساهم أبناء الوطن في تعميقه حين ينعتون مفكرًا، استيقنت أنفسهم نواياه السليمة ولكن جحدت بها، بالإرهاب والعنف.

من يغفل عن القراءة الصحيحة ويجتهد في التهجم على حركة النهضة ورئيسها فإنه يعيد إنتاج نفس الخطأ.

نسال الله أن ننتصر على الإسلام الغاضب بالفهم والعلم أولاً، وبالوحدة الوطنية ثانيًا، وإلا فإنني أخشى أن يأتي الإسلام الكافر