"أنا على يقين بأن من سيكتبون التاريخ بعد مئة عام سيقولون إن النفط لم يحقق الثروة للعرب إلا للتعجيل في هلاكهم" الروائي اللبناني نبيل معلوف.

ثروة الإنسان

حتى منتصف القرن العشرين كانت كوريا الجنوبية واحدة من أفقر الدول الآسيوية، حيث كان معدل دخل الفرد السنوي أقل من 100 دولار، مع متوسط صادرات سنوي لا يتجاوز 40 مليون دولار، فلا موارد طبيعية، ومساحة جغرافية محدودة ناهيك عن الدمار والفوضى والاضطرابات السياسية التي كانت تعاني منها، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي كناتج للحرب الكورية التي لم تخلف إلا الدمار في معظم القطاعات، هذه الحالة أوصلت الدولة إلى درجة أنها أصبحت تعيش بشكل رئيسي على المعونات والمساعدات الخارجية.

وعلى الرغم من كل تلك الظروف المحيطة بها، وفي فترة لا تتعدى العشرين عامًا، وبالتحديد من منتصف السبعينيات إلى بداية التسعينيات، استطاعت أن تخرج كوريا من بين الموتى وأصبحت واحدة من أهم الدول الاقتصادية في العالم، حيث تمكنت الحكومة القائمة في تلك الفترة من تحقيق هذه الطفرة من خلال تنفيذها للعديد من الإصلاحات الاقتصادية الجوهرية وتطبيقها لخطط التنمية الاقتصادية.

حيث ركزت على دعم الشركات المحلية الكبرى وتبني رؤية وأهداف هذه الشركات ذاتها في تحقيق التنمية، بالإضافة إلى توفير المناخ الاستثماري لجذب الشركات الأجنبية، وغيرها من الإصلاحات الأخرى.

العامل الأساس في تحقيق هذه القفزة الاقتصادية النوعية في كوريا كان منطلقًا من إيمان أهله بثروة الإنسان

إلا أن العامل الأساسي في تحقيق هذه القفزة الاقتصادية النوعية في هذا البلد كان منطلقًا من إيمان أهله بثروة الإنسان وأن الإنسان هو الكنز الاستراتيجي الذي تُبنى به الأمم، وأن معظم التجارب المعاصرة أثبتت أن الإنسان إن توافرت فيه رغبة حديدية في التغير والتطوير فإنه هو الذي يصنع الثروة، وليست الثروات هي من تصنع الإنسان، ولذلك أولت الحكومة الكورية جُل اهتمامها للاستثمار في التعليم والبحث العلمي كمصدر أساسي للتنمية.

حيث ركزت على العلوم التقنية والرياضيات وزرعت حب الوطن والانتماء واحترام القانون لدى مواطنيها، ووصل حجم الإنفاق على التعليم في الثمانينيات ما يقارب 25% من الميزانية العامة للدولة، كما عمدت الحكومة إلى تأهيل المدرسين وتشجيع الإبداع والابتكار. 

الوطن العربي ولعنة الثروات

لم يكن تسليط الضوء على التجربة الكورية وكيفية تحقيقها للنهضة الاقتصادية على الرغم من عدم امتلاكها المقومات الطبيعية التي تسمح لها بالنمو وتصدر الطليعة إلا نبراس ومثال حي للدور الذي يؤديه الإنسان كثروة قومية ودوره في تحقيق نهضة وتطور الأمم.

فعالمنا العربي الذي يحتوي على مخزون استراتيجي من الثروات الطبيعية حيث تشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف احتياطي النفط العالمي وما يزيد عن ثلث الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي موجود في باطن الأرض العربية، تشير التقارير الاقتصادية إلى أن معظم العوائد النفطية للحكومات العربية تُستثمر في بنوك الولايات المتحدة وأوروبا، حيث قدرت خسائر هذه الاستثمارات أعقاب الأزمة المالية 2008 بأكثر من 1.282 ترليون دولار.

قدرت خسائر هذه الاستثمارات أعقاب الأزمة المالية 2008 بأكثر من 1.282 ترليون دولار

في حين أن ما يزيد على 15% من اليد العاملة من حاملي الشهادات الجامعية يعانون من البطالة، وما يزيد عن ثلث سكان الوطن العربي يعيشون تحت خط الفقر، أضف إلى ذلك فإن نحو 22% من الناتج القومي العربي يصنف كمستحقات للدين العام الخارجي، وعليه فإن معظم الحكومات العربية تعاني من عجز الموازنة.

ومن الأمثلة على ذلك، وصل عجز الموازنة لدى المملكة العربية للسعودية والتي تعتبر من أكبر الدول المصدرة للنفط إلى 20% في عام 2015، ويرجع ذلك إلى اعتماد الاقتصاد السعودي بشكل أساسي على العوائد النفطية وتجاهل الاستثمار في القطاعات الأخرى، والحال مشابه في الكويت التي تعتمد بنسبة تفوق 88% على الإيرادات النفطية.

وفي ظل غياب الاعتماد على القطاعات الأخرى (التجارة، الصناعة، الزراعة، الأسماك، وغيرها) فإن هذا الأمر يجعل أي انخفاض في أسعار النفط ينعكس مباشرة وبصورة سلبية على الموازنة، بل ويؤدي إلى خلق أزمات اقتصادية في البلاد، ومن بين الأمثلة الأخرى دولة الجزائر والذي يعتمد اقتصادها بصورة كبير على الإيرادات النفطية، حيث تشير التقارير إلى أن 16% من الجزائريين يسيطرون على 80% من ثروات البلد، في حين أن قرابة نصف سكان الجزائر يعانون من الفقر.

الملك إدريس السنوسي، ملك ليبيا

"أتمنى لو أنكم عثرتم على المياه" مقولة الملك إدريس السنوسي، ملك ليبيا مخاطبًا إحدى الشركات الأمريكية عندما اكتشفت النفط في بلاده.

إن سوء استغلال الثروات من قبل الدول قد يجعل هذه المنحة الربانية محنة تزيد من تبعيتها ورجوعها القهري، ومن بين الكتاب الذين كتبوا في هذا الموضوع مايكل روس في كتاب أسماه "نقمة النفط" (2013)، حيث يذكر بأن وجود الموارد الطبيعية وعلى وجه الخصوص النفط في المنطقة العربية كان حجر عثرة في وجه تقدم هذه البلدان وتحقيقها للتنمية الاقتصادية الشاملة.

واعتبر وجوده قد أدى إلى تقويض الديمقراطية والشفافية وتعزيز الاستبداد، ومن هذا المنطلق يلاحظ أن الدول المنتجة للنفط تعتمد بصورة أساسية على العوائد النفطية في تمويل نفقات الدولة، أو بمعنى آخر، فإنها تعمد إلى بيع الثروات النفطية التي هي في الأساس أصول مملوكة للدولة ولا تستند على التمويل من خلال الضرائب.

هذا الأمر لا محالة يعتبر كسوسة تنخر أسس الشفافية التي تعتبر ركيزة في عملية التنمية الاقتصادية، وغيابها يزيل الضغط عن مساءلة الحكومة من خلال قدرة الحكومات إخفاء البيانات المالية المتعلقة بالإيرادات النفطية، إضافة إلى ذلك، فإن وفرة الموارد الطبيعية وسيطرة الحكومات عليها من دون وجود هيئات رقابية فاعلة، يسهل على الحكومات الاستبدادية إسكات المعارضة.

كما أن سيطرة شركات النفط الأجنبية على قرارات تلك الحكومات بطريقة لا تتماشى مع مصالح هذه الحكومات وشعوبها، ولكن بما يتلاءم مع مصالح هذه الشركات، ومن زاوية أخرى، فإن اعتماد البلدان النفطية على العائدات النفطية بشكل رئيس من دون بناء اقتصاد متين ومتنوع يستند على مختلف القطاعات، يجعلها رهينة لتقلبات أسعار النفط التي تؤثر على سعر الصرف لهذه البلدان، وهذا بدوره ينعكس على القطاعات الأخرى.