هناك عداء مستمر بين كل الأنظمة الاستبدادية وبين الشباب

الشباب تلك المحطة العمرية التي يتمنى الجميع لو بقي فيها للأبد، وللأسف فالإنسان لا يعرف قيمتها إلا عندما يغادرها أو يوشك على مغادرتها، وعندما يغادرها فعلاً يحاول الهروب من جدران السنوات التي تفصله عنها مستعينًا في ذلك بأدوات هي في الواقع لا تغني عنه شيئًا، فكل أصباغ الشعر وأدوية النضارة والفتوة، أخترعت في الأساس لتصبح معاول تهدم في جدران السنوات الفاصلة عن الشباب.

مجلدات وأشعار في مدح الشباب، وكيف أن الأمم لا تنهض إلا بهم وبتضحياتهم، لكن على الرغم من كل هذا الكلام الجميل، فإنني لا أستطيع معرفة سر عداء الأنظمة الاستبدادية للشباب، فهي في الغالب ترى فيهم العدو الأول.

هل يكون السبب أن معظم رؤوس هذه الأنظمة ممن تعدت أعمارهم سن الخروج على المعاش؟ هل يرى طواغيتنا أن الشباب عادة ما يكون أرعن وأهوج ومن المستحيل أن يصل إلى الحكمة التي اكتسبها الطاغية المسن عبر سنين عمره المديد؟ أظن أن هذا ممكن.

ولكن السؤال هنا طالما أن طاغيتنا المسن يرى الشباب حلة الطيش والتهور، فلما يصمم على الظهور بمظهرهم؟ لأنك من المستحيل أن ترى في رأس الطاغية فيهم شعرة بيضاء، والبعض منهم لجأ مؤخرًا إلى عمليات التجميل التى لا يقوم بها إلا نجمات هوليوود.

أم هل يكون سبب هذا العداء أن الشباب يعشق الحرية، والطاغية لا يرى في نفسه إلا سور محيط بالبلد التي يحكمها، قد يرى هو أنه السور الذي يحصنها من الفوضى والتخريب بحكمته وحنكته التي يراها متوفرة جدًا في رأسه الأشيب المغطى بالصبغة، وبالطبع الشباب هم من يصطدمون في الغالب بهذا السور الذي لا يرون فيه أكثر من قيد على حريتهم وإبداعهم وخدمة أوطانهم.

لا أعرف في الواقع إن كان عداء الأنظمة الاستبدادية راجع إلى سبب واحد من هذه الأسباب، أم أنها تتجمع في الرؤوس الشيباء التي تحكمنا، لتوجد هذا العداء المستحكم للشباب، ولكن ما أعرفه وأتيقن منه أن أوطاننا هي الخاسر الأكبر من هذا العداء.

ولكن عزيزي الحاكم المستبد، دعني أوجه لك النصيحة التي لا أبتغي بها إلا الصلاح والنماء لوطني، وقد تستفيد أنت منها، وهذا ما لا أتمناه في الحقيقة ولكن إن ساندك الحظ واستفدت فماذا نفعل.

أنصحك عزيزي الحاكم المستبد بأن تخلي بين الشباب وأوطانهم، خل بينهم وبين الناس، فإن فعلت - ولا أظنك بفاعل - فصدقني، إنك لن تلاحق على الخير العميم الذي ستفيض به ربوع بلدك الذي سيصبح سعيدًا، فالشباب مستعد أن يقلل ساعات نومه وأن يضاعف من ساعات عمله، من أجل إطعام جائع أنت السبب الرئيسي في جوعه، وعلاج مريض لم تضع في بالك أن توفر له العلاج.

الشباب قادرون على تعمير الأراضي التي حولتها أنت إلى خراب، قادرون على تحقيق أحلام الشعب التي يراها كما يرى العطشان السراب، الشباب قادرون فخل بينهم وبين الناس، ولكن الكارثة أنك لن تترك للشباب حتى هذه المساحة، مساحة العمل في خدمة أهلهم والسهر على راحتهم، لأنك ستخاف أن يقول الناس وقتها، لماذا لا يحكمنا هؤلاء، خل بيننا وبينهم.