منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن ما زالت تتردد وتتكرر الدعوات إلى تجديد الخطاب الديني، ورغم مضي أكثر من قرن عليها، لم تخسر هذه الدعوات يوماً شيئاً من وجاهتها، إذ لم يتحقق عبر هذه المدة الزمنية الطويلة الكثير مما طالبت به.

بدأ هذه الدعوات بشكل خجول منافسو الحركات الإسلامية ومنتقدوها، لكنها تحولت بعد فترة إلى مطالب يرفعها رموز الحركات الإسلامية أنفسهم، سيما ما يسمى حركات "الإسلام السياسي" منها، خاصة مع انتشار فوضى الخطابة والفتاوى وشيوع الغلو في الفهم والتطبيق، ومع تطور فهم "الإسلاميين" أنفسهم للإسلام وتقديمهم له.

إلا أن مشكلة هذه المطالبات أنها ركزت على مواضيع معينة في فكر وأدبيات الإسلاميين على رأسها النظرة لغير المسلم، والمواطنة، والمرأة، والديمقراطية، والممارسة السياسية. والحق يقال أن معظم التيارات الإسلامية قد ردت نظرياً على معظم هذه التساؤلات، إثر تطور فكرها إزاء هذه المواضيع، لكن الواقع العملي ما زال بحاجة لخطوات كبيرة في هذا المضمار.

كان التغير/التطور الأول هو الإقرار بان كل حزب أو جماعة أو تيار إسلامي يعرض على الناس فهمه هو للدين ورؤيته لمنظومته ومقاربته لتطبيقه على أرض الواقع، ولا يدعي أن ما يقدمه هو الدين نفسه، حتى وصل الأمر إلى انتقادات من داخل الصف الإسلامي لشعار "الإسلام هو الحل" الذي كان يرفع في الانتخابات، ومطالبات ببرامج سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر تفصيلاً وملامسة لمشاكل المواطن وهمومه اليومية.

المعضلة التي اكتشفناها لاحقاً أن أغلب هذه المطالبات مرتبط بـ "الآخر"، فكراً وكتابة وممارسة، لكن المتعلق منها بفهم الدين نفسه وتطبيقه على المسلمين على وجه الخصوص لم يحتل نفس تلك المساحة. إن كثرة التيارات الإسلامية وفوضى المتحدثين باسمها وشاغلي منابر الفضائيات من دعاة ومفتين تحتاج إلى وقفة جادة مع محتوى وأسلوب الخطاب الديني الموجه للمسلم نفسه لإفهامه أمور دينه، أكثر مما تركز على رفاهية أسئلة "ما بعد قيام" الدولة الإسلامية الموعودة وحقوق الأقليات فيها أو منظومة العلاقات الدولية في سياساتها، على أهمية هذه المواضيع.

إن نظرة فاحصة لواقعنا المتردي ستظهر لنا دون عناء انتشار أفكار وممارسات بعيدة عن روح الدين وفهمه الصحيح، مثل فصل الدين عن السياسة، وعدم التفريق بين السياسة والحزبية، والتدين السطحي، واضطراب معايير تقييم الالتزام، والاكتفاء بالمظاهر والقشور، وعدم الإلمام بمقاصد الشريعة، وتقديس الفرد دون المنهج، والتساهل مع النفس والتشدد مع الناس، والتدرج في تطبيق الشريعة، والاهتمام بالشعائر وإهمال المعاملات، وضبابية فهم مكان ودور الدين في صنع النهضة والحضارة، وكيفية صنع ذلك، وعدم فقه دور الفرد في منظومة الدين والدولة، والانصراف عن مشكلات الأمة الحقيقية، إلى غيرها من الأفكار والممارسات الخاطئة. أفلا ينبغي لنا أن ندرس أدواء الواقع الحقيقية لنجترح أدويته الناجعة، ونفهمَ معيقات النهوض لنصنع آليات النهضة. ؟؟!

إن أهم مشكلات العالم الإسلامي وأخطرها ليست نقصاً في  صلاة أو قلة في عدد الحجيج، بل عدم فهم حقيقة ديننا الحنيف، وهي مشكلة أفكار في المقام الأول. فقبل أن ننادي بإصلاح منظومة الخطاب نحتاج أن نركز في إصلاح منظومة الفهم، التي ينبني عليها العمل ثم الخطاب المعبّر عن الفهم والعمل معاً. وأزعم أن تصحيح هذه المفاهيم سيؤدي إلى تصويب الأفعال وتطوير الخطاب بما يتناسب مع الفهم الجديد الصحيح لديننا ودورنا ومسؤولياتنا.