رواية مدن الملح للكاتب عبد الرحمن منيف

تجربة فريدة  تلك التي عشتها مع الجزء الأول من رواية مدن الملح ذات الخمسة أجزاء، والذي اختار له الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف اسم التيه، أول ما جذب انتباهي تجاه هذه المجموعة الروائية اسمها، فهو اسم جعلني أتخيل مدينة مبنية بالكامل من الملح، مدينة مضيئة يهيمن عليها اللون الأبيض، يحسبها الناظر من بعيد أنها أجمل وأقوى المدن، لو نقرت بيدك على حيطانها لتصورتها مدنًا صلبة آمنة، ولكن الحقيقة أنها قد تذوب مع أول فيضان أو مطر، وقد تنكسر مع أضعف هزة أرضية، نحن هنا إذًا أمام مدن بهية المنظر هشة التكوين منعدمة الأساس.

استطاع الكاتب في هذا الجزء أن ينقل صورة واضحة للمجتمع الخليجي في عصر ما قبل اكتشاف النفط، تلك الصورة التي لا يعلمها الكثيرون حتى من أبناء الخليج نفسه، فجعلنا نعيش في هموم إنسان ما قبل النفط، ونعرف طريقة طعامه وارتدائه للثياب، عشنا معه أفراحه وأحزانه، تطرق بنا إلى أدق تفاصيل حياة هذا المجتمع، وأطلعنا على الحالة النفسية التي تسيطر على أفراده، وطبيعة علاقات الصداقة والعداء التي تجري بينهم، حتى حركات الهجرة منه وإليه أظهرها لنا لنكتشف أن خليج ما قبل النفط كان منطقة طاردة للسكان، الطبيعي أن يهاجر منها الإنسان لـ"يكون نفسه" إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير.

أظهر لنا قدر التوجس غير المبرر - وكأنهم يرون المستقبل - الذي أظهره قطاع عريض من هذا المجتمع البدوي، وهو يستقبل أوائل الأمريكان الذين جاءوا لاستخراج النفط من باطن أرضهم، وكانت نظرتهم لهؤلاء الأغراب أنهم مجرد كفار جاءوا ليجعلوا سافل أرضهم عاليها.

جمعت هذه القرية التي بدأت في التحول إلى مدينة أشكالاً مختلفة من البشر، فالأمريكان أصبحوا أصحاب القرار في البناء والهدم والذين أعطتهم السلطة كامل الصلاحيات للتصرف في  الأمور كافة

وفي أثناء رؤيتك لتلك الصور التي رسمها لنا منيف ستفاجأ بأن رؤيتك تتكدر وتتغبش، وذلك لأنك لم تتمالك دموعك وهي تنهمر حزنًا على المجتمع الذي ينهار بالكامل وبسرعة شديدة، فالواحة التي تعيش فيها شطرًا كبيرًا من الرواية تصبح أثرًا بعد عين، فلا ترى منها إلا بيوتًا مهدمة وأسرًا مشردة، هجرت من مواطنها بالإكراه، هذه الأسر فوجئت بوحوش عملاقة - الآلات الثقيلة - لا يعرفون أإنس من يسيرها أم جان، تسوي واحتهم بالأرض، لاستخراج أنهار النفط التي تجري من تحتها، وقد أبدع في وصف مشاعر السكان المهجرين في تلك اللحظات.

وببراعة شديدة ينتقل بنا الكاتب من الواحة التي تهدمت إلى قرية ساحلية صغيرة مهمشة "حران"، ويصور لك كيفية انتقال هذه القرية الصغيرة إلى ما لا تستطيع أن تعرف إن كانت المدنية أم التوحش، فهذه القرية الصغيرة التي كان أهلها يحاولون الفرار منها بأي طريقة، لقلة رزقها ورداءة مناخها، أصبحت قبلة لطلاب الأعمال والمغامرين من كل جنس ونوع، لتتحول هي الأخرى إلى مكان غريب حتى على أهلها الذين ولدوا فيها، فقريتهم الصغيرة أصبحت من الماضي، وحل محلها ميناءً من أهم مواني تصدير النفط في العالم.

جمعت هذه القرية التي بدأت في التحول إلى مدينة أشكالاً مختلفة من البشر، فالأمريكان الذين أصبحوا أصحاب القرار في البناء والهدم والذين أعطتهم السلطة كامل الصلاحيات للتصرف في الأمور كافة، سخروا العمال العرب في بناء مدينة نموذجية لهم، أحاطوها بالأسوار والحراس وحرموها على عامة العرب، وكانت حياتهم فيها - وبخاصة مظهر نسائهم وتصرفاتهم - مثار اندهاش وإعجاب بعض العرب واشمئزاز وتطير من البعض الآخر.

السواد الأعظم من سكان هذه المدينة كان من العرب الذين أصبح معظمهم من عمال شركة النفط الأمريكية، وهؤلاء تعرضوا لتغيرات سريعة جدًا أشعرتهم بعدم الاستقرار، وعدم الشعور بالأمان

وبالطبع كان لحران أمير تحيط به حاشية ممن تستطيع أن تطلق عليهم رجال الأعمال وأصحاب المصالح، الذين يتنافسون فيما بينهم على من يهيمن على سوق هذه المدينة الناشئة، وقد كان الأمير يعيش في حالة صدمة حضارية، فأنت لن تستطيع أن تتمالك نفسك من الضحك والكاتب يصف رد فعل هذا الأمير عندما شاهد السيارة والراديو والمنظار لأول مرة، وستضحك أكثر على التفسيرات الميتافيزيقية التي كان الناس يحاولون أن يبرروا بها آليه عمل هذه الاختراعات، وستدرك حجم التأخر الحضاري لهذا المجتمع عن الزمن الذي كان يعيش فيه.

أما السواد الأعظم من سكان هذه المدينة فكان من العرب الذين أصبح معظمهم من عمال شركة النفط الأمريكية، وهؤلاء تعرضوا لتغيرات سريعة جدًا أشعرتهم بعدم الاستقرار وعدم الشعور بالأمان، فمعظمهم كان غريبًا عن هذه المدينة، بعيدًا عن أهله، يعذبه الاشتياق إليهم والظروف الصعبة التي يعيش فيها، من عمل شاق وإقامة غير مريحة، فالأمريكان كانوا ينظرون إلى الواحد فيهم كنظرتهم لترس الآلة، الذي يجب أن يلقى في مكب النفايات بمجرد تقصيره في أداء الدور المنوط به.

ومن أهم المشكلات التي ظهرت في هذا المجتمع الناشئ، عدم فهم فكرة الدولة بمفهومها الحديث في ذهن العرب الذين تعودوا على تقاليد أهل البادية البسيطة، والتي ينشأ الإنسان في ظلها أكثر حرية واعتدادًا بنفسه وبقوته، أما علاقته بالدولة فتكاد تنعدم.

والمشكلة الحقيقية ظهرت عندما بدأت الدولة في الظهور بمظهر القوة، والذي تجلى في ارتداء بعض رجال الأمير للبزات العسكرية المزركشة، هذا الأمر الذي غير من تعامل هؤلاء الرجال مع عامة الناس، فصاروا يعاملون الناس بعجرفة وخشونة، مع أنهم في نفس الوقت يتعاملون بخنوع شديد مع الأمريكيين ومن هم أعلى منهم سلطة.

ومع الوقت زادت تجاوزات العسكر ضد الناس، وتزامن ذلك مع ضغط الأمريكان على العمال واستهانتهم به، الأمر الذي فجر ثورة أبدع منيف في تصويرها، وأظنها السبب الرئيسي في منع نشر الرواية، لأن وصفه لهذا المشهد يصور لك كم كان مجتمع ما قبل النفط يتمتع بالعزة والكرامة  والنخوة وعدم الصبر على الضيم، وهو الأمر الذي سنرى إلى أين صار في باقي الأجزاء.